الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: معركة الموصل والتصعيد التركي

شراع: معركة الموصل والتصعيد التركي

خميس التوبي

مع ارتفاع درجات التعقيد والتأزم في المشهد السوري بفعل الانقلاب الأميركي على التفاهمات الحاصلة بين موسكو وواشنطن لصالح الإرهاب ودعم تنظيماته، يرفع على الجانب الآخر التابع التركي من حدة التأزم والتعقيد في المشهد العراقي، في إطار لعبة تبادل الأدوار تفتح أبواب المنطقة على مزيد من التصادم المدفوع بشهية الاستعمار، والإصرار على خدمة الاحتلال الصهيوني وتأمين بقائه، ومد أذرعه في رقعة شطرنج المنطقة ليكون كيان الاحتلال الصهيوني السيد واللاعب الأوحد دون منازع.
لا يمكن وصف الاندفاع التركي وإفصاح أنقرة عن أطماعها في العراق بذريعة المشاركة في معركة الموصل وتحريرها من قبضة تنظيم “داعش” الإرهابي، إلا بأنه عمل بالوكالة عن كيان الاحتلال الصهيوني. وما ترفعه حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا من أصوات عن معاهدة لوزان عام 1923م لتشريع محاولات تدخلها في الشؤون الداخلية للعراق وسوريا، وانتهاكها سيادة هذين البلدين العربيين، لا يخدم المشروع الإردوغاني الساعي إلى إعادة استعمار الدولة العثمانية بقدر ما يخدم في الأساس مشروع تثبيت خنجر الاحتلال الصهيوني المسموم في خاصرة الوطن العربي، ضمن مشروع ما يسمى “الشرق الأوسط الكبير” الذي أسندت تنفيذه إدارة الرئيس السابق جورج بوش “الصغير” إلى تركيا ـ إردوغان، ذلك أن نجاح الحلم الإردوغاني بإعادة استعمار مدينة الموصل أو مدينة حلب أو المدينتين معًا، لن يحقق مكاسب لتركيا بالقدر الكبير من المكاسب التي ستتحقق لكيان الاحتلال الصهيوني، بدليل أن تركيا ـ إردوغان قبل تفجير مؤامرة “الحريق العربي” كانت تتمتع بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة مع كل من العراق وسوريا، واستطاعت في ظل هذا المناخ الإيجابي أن تبني اقتصادًا ناميًا وتضعه في الترتيب الخامس عشر تقريبًا عالميًّا، فضلًا عن الاستقرار والهدوء الذي يتمتع به الشعب التركي.
ومن ينظر إلى الانخراط التركي في مؤامرة “الحريق العربي” وقبول أنقرة قيادة دفة تنفيذ ما يسمى “مشروع الشرق الأوسط الجديد”، يجد البون الشاسع بين ما قبل العام 2011م وما بعده، وما يحدث في تركيا الآن من هجمات إرهابية، وتحول بعض المناطق إلى بؤر إرهابية لتنظيمات القاعدة “داعش والنصرة وأحرار الشام ونور الدين زنكي والسلطان مراد” وغيرها، ما هو إلا رأس جبل الجليد، وأيام المستقبل ستكون حبلى بالمستجدات التي لا تخدم السلم والاستقرار داخل تركيا؛ فالآلاف المؤلفة من المعتقلين والمعزولين من وظائفهم والمحرومين من قوت يومهم وأرزاقهم على خلفيةاتهامهم بتنفيذ الانقلاب الفاشل، بالإضافة إلى العداء الذي استحكمت حلقاته بين حكومة حزب العدالة والتنمية والأكراد، هما بمثابة برميل بارود بانتظار شرارة تشعل فتيله.
المثير للضحك، هو أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعطى لنفسه الحق بل كل الحق في المشاركة في تحرير الموصل، وأن الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تم من دون دعوة من قبل صدام حسين. وحسب وكالة الأناضول، قال إردوغان: “وهل اجتاح الأميركيون العراق بعد طلب موافقة من صدام حسين منذ حوالي14 عامًاً؟ ولكنهم اجتاحوا العراق وقتل أكثر من مليون عراقي. ولماذا الحكومة الحالية في العراق لا ترفض وجود القوات الأجنبية التي أتت إلى العراق بدون دعوة؟” والأكثر إثارة من خلال هذا التصريح، أن إردوغان يساوي نفسه بالغزاة وقادة الاستعمار الأميركيين والغربيين، بل يريد أن يكون واحدًا منهم، وتكون القوات التركية في التصنيف القانوني قوات غزو واستعمار؛ لأن من ينتهك أرض دولة دون موافقتها وطلبها ورضاها يعد غازيًا ومستعمِرًا ومعتديًا يجب محاربته ومقاومته. وإذا كانت نظرة إردوغان ـ على سبيل المثال ـ وهو يطلق هذا التصريح إلى أن وضع القوات الأجنبية في العراق غير قانوني، فلماذا يصر على بقاء القوات التركية داخل الأراضي العراقية دون موافقة الحكومة وفي وضع غير قانوني؟
من الواضح أن إردوغان لا ينطلق من أوهام أطماعه الغارق فيها فحسب، وإنما ينطلق من الدور الذي أسند إليه أميركيًّا واقليميا ليقود تنفيذ مخطط تقطيع أوصال العراق بالوكالة وبالأصالة؛ أي تجويف الجغرافيا الأرضية بما يمنع الامتداد الجغرافي لمحور المقاومة الممتد من الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرورًا بالعراق ثم سوريا وجنوب لبنان. والأنباء عن مخطط أميركي ـ تركي بنقل فلول تنظيم “داعش” الإرهابي إلى حدود سوريا الغربية من دير الزور امتدادًا نحو الطبقة والرقة، وتدمير الطيران الحربي الأميركي للجسور الواصلة بين دير الزور والعراق، هو استكمال لمخطط تجويف العراق وعزله، حيث يراد أن يمثل تنظيم “داعش” الإرهابي حائط صد وعزل، وهذا هو ما قالته مؤخرًا المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في المناظرة التلفزيونية مع منافسها الجمهوري دونالد ترامب بأنها إذا ما فازت بالانتخابات ستعمل على حصر “داعش” على الحدود العراقية ـ السورية.
الرئيس التركي إردوغان لوَّح بالانتقال إلى الخطة “ب” في حال فشل مسعاه إلى المشاركة في معركة الموصل، وفي ظل الموقف العراقي الحازم والرافض ـ حتى إعداد هذا المقال ـ للمشاركة التركية واعتبار القوات التركية قوات غزو ومعتدية، فإنه من المنتظر الخطة “ب” التي لم يفصح عنها إردوغان. غير أنه يبدو في تقديري أن هذه الخطة تتمثل في فصل شمال العراق ودعم مخطط الانفصال الكردي بإقامة دويلة كردية في شمال العراق مع ضمانات صهيو ـ أميركية واقليمية، من أي مساس بالأمن القومي التركي.

إلى الأعلى