الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ألا كفى قتلاً وإرهاباً.. فاللهُ خلقَ الإنسانَ وكرَّمَه

ألا كفى قتلاً وإرهاباً.. فاللهُ خلقَ الإنسانَ وكرَّمَه

” .. هذا الوضع كله ينعكس على الكبار والصغار في تلك الأماكن.. ينعكسُ مآسٍ خاصة وعامة، وعلاقات اجتماعية مضطربة، وأكثر من صعبة، وأكثر من خطرة.. وينعكس على التربية والتعليم، في بلدان تحتاج إلى الإعمار، والتقدم، على أسس من العلم والتربية والأخلاق.. ومن المعروف ما يجره ذلك، وما سيجرّه اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً و.. و.. إلخ”

علي عقلة عرسان

في هذا الزَّمن العربي الأردأ من رديئ، تتزامَن المعارك، ويتزامَن معها التواطؤ.. تتزامَن الكوارث، ويتزامَن معها التّخاذل.. ترتفع وتيرة اللجوء والنزوح والتهجير، وتتراكم معها درجات البلادة حيال ما يجري وما ينتظر الناس من مصير.. تصرخُ المأساة الفظيعة في أربعة من أقطار الوطن العربي، فترقص أقطار، وتنام أقطار، وتشمَتُ أقطار، وتعطي ظهرها للمآسي والعار أقطار. ومن المدهش ألا يشعرَ أبناءُ الأمة العربية، بإنه حين يضعُفُ قطرٌ من أقطارهم، أو يُدمَّرُ بنيانُه، أو يُسْتَعمَر، فإنّ هذا يعني ضَعفاً لهم، اقتراباً للنكبة منهم، لأن انعكاسات ذلك وارتكاساته، تقع في نهاية المطاف على الجميع، وأن مصيراً مشابهاً لما حصل لأخوة لهم، يقترب منهم، وأنّ الابتعاد عن الأخ في المحنة، لا يعني أبداً دفع المحنة عن الذات، بل تمهيد الطريق لها لتقرع باب كلِّ ذات. الأمة العربية كلها اليوم مستهدَفة باستهداف أقطار من أقطارها، أو فئات منهم داخل أقطارهم، وما يحدث في الدار، ينتقل للجار.. وهكذا وهكذا.. فالحبلُ على الجَرَّار. النار اليوم في العراق، وفي سوريا، وفي اليمن، وفي ليبيا.. وغداً، وغداً؟!يا فرَجَ الله المرجوِّ اليوم وغداً، فلا ندري على من سيكون الدّور غداً.
اليوم تشتدُّ المحنة في معركتين، تدوران لحسم الحربِ بالحربِ، في مدينتين عربيتين عريقتين، هما حلب والموصل، حيث تدور المعارك الشرسة، ويَضْرَبُ العمران والإنسان في المدينتين، حلفاء من الغرب وحلفاء من الشرق، ويَضربُهما إرهابٌ من الغرب والشرق، وعربٌ يتبعون الغربَ والشرق .. والكل يفتك بالشعب، وينهِكُ الأمة ويمزّقها، ويلغي فعاليتها. وفي المدينتين العربيتين العريقتين، يتعرض السكان المدنيون، للقتل، ولأسوأ أنوعِ الحصارِ والمخاطرِ والعذابِ، ولانتقام المفتونين بالفتنة المذهبية “الشيعيّة -السُّنيَّة”، والفتن العرقيَّة “الكردية، التركية، العربية، الــ”؟!.. فيصرخون مستغيثين، مستنجدين بالعالم، فيضجُّ العالم، “مع غيابٍ شبه مطلق للعرب عنه وفيه”، يضجُّ بالقَلق الساطع، حتى لترنُّ أصداؤه في أرجاء الكون، وتضرب الكواكب موجات إثر موجات، مثل أعاصير المحيطات الهائجة.. ثم لا تلبث أن تنفثئَ زبداً تهدية الرياحُ إلى الرمال، ويهدأ الحال، كما يهدأ ركام المنازل المدمَّرَة فوق النساء والأطفال.!؟ أمَّا من يتبقى من ذوي الصوت من المستغيثينَ، فيوعَدونَ بأن تُفتَح لهم مخارجُ نجاة، محفوفة بنيران المتقاتلين، لكي يخرجو من المدن المحترقة، ويصلوا إلى معسكرات المُعاناة؟!.. وكخيار بين الموت والموت، يمشون في تلك المخارج على حقول الألغام، طمعاً في الوصول إلى أمنٍ وماء وغذاء.. يمشون، ولسان حالهم يقول بإيمان أو تقليداً لإيمان:”بين عامودٍ وعامود، يفرجُها الرَّبُّ المعبود”؟!. وحين يصل من يصل منهم إلى هناك، يبدأ مسيرةَ الذُّلِّ، للبحث عن حلٍّ لما أصبح فيه، وللخروج من وضعه ذاكَ ومآسيه، ومما يلقاه من معاناة، وإهانات، وعدوان على العرض والكرامة.. وقد يجد مخرجاً من درجة عذاب، إلى درجة عذاب.
الأمة العربية المعنيَّة تتفرج، وقد أسلمت أمرها لغيرها، وارتاحت.. فمجلس الأمم: يداوي الخَرَسَ، والصَّممَ، والشَّلَلَ والعلَل، بالفيتو المبجَّل، الذي يحيي ويميت، حسب المصالح والمطامح.
أنا في هذا المعمعان أبحث عما ينقذ الإنسان، عمّا يجعل العقل سيِّداً، والحياة ، والحق في الحياة حَكَماً حاكماً، وقيمة القيم. أنا مع الإنسان.. مع الإنسانية وقيمها الأخلاقية، في كل زمان ومكان.. مع الأطفال، مع الأبرياء رجالاً ونساءً، صِغاراً وكباراً.. ومعَ مَن يُزَجّونَ في الحرب كارهين لها، نافرين منها، ومع من يُغَرَّقون في مناقع الدَّم عِنْوَة وقسراً وقهراً، ولا يكون لهم خيارٌ آخر .. أنا مع أبناء شعبي الذين تشويهم النار المندلعة في هذه الأركان من أركان الوطن العربي، الذي يُغرقُه طوفانان، يكمن خلفهما خلفهما أهل التآمر والتواطؤ والعدوان: طوفان الجنون، وطوفان الدِّما. أنا مع أولئك الذي احتموا في زوايا البيوت المدمرة على رؤوسهم، وفي الكهوف، وفي مواقع لا يطيق الحياة فيها كائن حيّ، لكي يحموا أنفسهم، يلتمسون رجاء بعد أن خيَّم عليهم اليأس. لست مع الحرب، لست مع القتل، ولا مع المعاناة، فالحرب تنطوي على جرائم تولِّد جرائم، ومآسٍ تؤسس لمآسٍ، وأزمة تفقِّسُ أزمات تكبر وتكبر، بذريعة حل أزمات ومشكلات تصغر بالحل السليم وتهزُل .. الحرب ليست هي الحل.. القتل ليس حلاً، والمعاناة قتل لروح الحياة ومعنى الحياة في الناس. والذين يُصرّون على رفضِ كل حلٍّ ممكن للأزمات والمشكلات، ويَزُجُّون ملايين الناس في صنوف المعاناة، هم عبئ على الشعوب، والإنسانية، والحياة، وهم الأزمات والمشكلات. إذ أنه في حقيقة الأمر، يوجد لكل أزمة، ولكل مشكلة حل، غير القتل والتأسيس للمآسي والكراهية والأحقاد، ولأنواع الثأر والانتقام.. والحل يكمن في العقل والخُلُق والفضل. من الواقعي والمنطقي والعلمي، أنه حين تصفوا الأنفس ترى ذاتها، وتَرى غيرها، وتَعرف ما لها وما عليها، وتكون مرآة نقيَّة، بأبعادٍ متعدّدَة، ترى ما يُرى، وتقرأ احتمالات ما قد يكون، وما قد يُرى.. أمَّا حين تتعكرُ وتغدوا العَكَرَ، والمستنقعَ الآسنَ، ومقبرة الفِكَرِ .. فإنها لا تَرى من ذاتها ومن الآخرين إلا بائس الرؤية مغلوطَها، ولا تَرى حتى دمها الذي يوغلُ في دم الآخر، فيريقُه أو يُراقُ به. إنه حين يصفو الماء نرى قعر الإناء، وإن النظرة الفاحصة لقعر العين السليمة تُري الحكيمَ صفاء النفس، وقد يَقرأُ القارئ فيها، بعض صفحاتها الرائعة.
دُعاة الحروب، والقتل، واستخدام القوة للقوة، والشرِّ للشر، هم عَكَرٌ مطلَق، وبصٌرٌ بلا بصيرة، وهم عبء على علاقات الناس، وعلى أخلاقيهم وقيمهم، وعلى حياتهم.. ويجب ألَّا ينقادَ الناسُ لهم، لأن في ذلك تَهلُكة، وإطاعة للمخلوق في معصية الخالق، ففتنة الحرب قتل، والفتنةُ أشدُّ من القتل، وفيها تَهلُكة، وقد نهانا اللُه، سبحانه وتعالى، عن أن نلقيَ بأنفسنا إلى التَّهلُكَة:﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٩٥﴾-سورة البقرة.
إن المتقاتلين “المنتصر منهم والمهزوم”، يؤسسون لشقاء ملايين الناس ولعشرات السنين، فضلاً عمن يُقتَلون ويعوّقون، ويُصابون بجرَاخ لا تبرأ.. إنهم يخوضون الحرب، ويحشدون لها، ويمولونها، ويعطونها أولية على كل شيئ سواها.. وعلى هامشها يجري عملٌ “إنساني”.. حيث يتم إنشاء مخيَّمات للمدنيين الذين قد يخرجون من بؤر القتال، ويصلون إلى تلك المخيَّمات.. وفي هذا المجال، وعلى سبيل المثال لا الحَصر، نذكر الاتي: في حلب التي عانت سنيناً من الحرب، والدمار، والحصار.. يقدرون عدد المحاصرين في أماكن يجري فيها القتال الأخير، بأكثر من مئتي ألف إنسان، فكم من الخيم بُنيت لهم، وأين؟! لكي يعيشوا فيها مِحَنَ الشتاء والصيف، وامتحانات أخرى لا تُحتَمَل؟!وفي الموصل التي هي على مشارف الحرب في أحيائها، يقدرون عدد الذين يمكن أن يهربوا من الحرب، بمليون إنسان. وقد أعلنوا أنهم بنوا مخيماً يستوعب ستين ألفاً من النازحين؟!وأن هناك ضائقة مالية تواجه المنظمات الإنسانية المعنية بذلك الأمر، وتنعكس على الإنجاز، وتمويل مشاريع مخيمات، عدا المسعدات الضرورية؟! فبالله كيف سيكون مصير الـ ٩٤٠ ألف إنسان الباقين، حين تتدفق جموعهم خارجة من نار الموصل المشتعلة؟!
وإلى جانب هذه الجزئية، من جزئيات الحقائق المُرَّة، هناك مخيمات للنازحين واللاجئين تُقْصَف، إمَّ خطأً وإمَّا عَمْداً، و إمَّا بينهما.. وهناك مخيمات لا تصل للناس فيها المساعدات.. عدا عن المحاصرين في مدن، وبلدات، وقرى، ومن يعانون من الحصار، والقذائف، والأوضاع الصحية المتدهورة، ومن فقدان أبسط الخدمات، ومن العواصف الثلجية في الشتاء؟!
وفي اليمن “السعيد؟!”تتوسع الكارثة لتشمل ما يربو على عشرين مليون يمني، وقد سحقت آلة الحرب عمران اليمن، وما زال الاقتتال على أشدِّه، ولا من يلتفت لمآسي هذه الملايين من اليمنيين، ومعظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، والعُجَز.. وصراخ أولئك يتشابك مع صراخ مؤسسات الإغاثة، التي لا تملك في هذا الوضع حلاَ ولا حيلة.
وفي ليبيا مآسٍ لا تصل إلى الناس، والمنخرطون في الاقتتال يبحثون عن انتصارات، هم وحلفاؤهم؟!حتى برنارد ليفي، الصهيوني المجرم يبحث عن انتصارات أكثر من المساهمة في تدمير بلد النفط والخيرات؟!
في كلِّ هذه البلدان العربية العزيزة على القلب، التي أصبحت جرحَ الأمة، وساحات يكتسحها الفَناء.. فيها جميعاً ما لا يطاق ولا يوصَف، ولا يمكن أن يُصءّق من جنون وإفلاس للعقل والحكمة، مما يؤجج النار، ويستمر في إحراق الأخضر واليابس.
في كل اللجوء والنزوح، وفي كل المخيمات، والمعسكرات، والمدارس، وأماكن الإيواء:عذاب، ومعاناة، وظروف غاية في الصعوبة.. ولا نتكلّم هنا عن الملايين التي تعيش أنواعاً من الضائقات والمشكلات، ممن لجأوا إلى بلدان أجنبية، أو إلى أقطار عربية، لم تحفظ لهم الحدَ الأدنى من متطلبات العيش، والكرامة.
وهذا الوضع كله ينعكس على الكبار والصغار في تلك الأماكن.. ينعكسُ مآسٍ خاصة وعامة، وعلاقات اجتماعية مضطربة، وأكثر من صعبة، وأكثر من خطرة.. وينعكس على التربية والتعليم، في بلدان تحتاج إلى الإعمار، والتقدم، على أسس من العلم والتربية والأخلاق.. ومن المعروف ما يجره ذلك، وما سيجرّه اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً و.. و.. إلخ
ولا أتكلم عما سيجرّ سياسياً، فتلك الداهية، الدّهياء. فهل تحميل البلدان والمجتمعات المعنية، تكاليف الحروب، وتبعاتها، ونتائج هذه الأوضاع الاجتماعية والإنسانية كافة، وانعكاسات الحرب، وكل ذلك مستقبلاً، على تلك البدان، إذا ما وصلت لحلول وسلام.. هل يكون هذا كله يا تُرى أسهل، وأرحم، وأشرف، وأهم.. من أن نضعه بسَعَته في مدارات إدراكنا، وأمام أنظارنا.. فنختار وقف الحرب، ووقف الانهيار، واللجوء إلى حلول سلمية، وطنية، قومية، إنسانية.. تجنب بلداناِ وشعوباً تلك التكاليف الباهظة، والنتائج المرّة، وتبقي لديها جهداً وأملاً وطاقة وإمكانية، تصبّ باتجاه استنقاذ ما يمكن استنقاذه، وتلتفت إلى الحاضر المدمَّر، إلى المستقبل، إلى السلام، والوئام والتعاون، إلى الأوطان والإيمان والإنسان.. وتواجه ما جلبته العنجهية والحرب:”خراب الدِّيار، وعودة الاستعمار؟!. وأي هدف يا تُرى أنبل من هذا الهدف، وأولى بالتحقق منه، وأحق بأن يُبذَل جهد مخلص في سبيله؟!وأية مهمة إنسانية، أعلى قيمة، وأسمى، وأنصع، وأنفع، لمن تعنيهم الإنسانية والقيم، من هذا الهدف “السلم والأمن والإنسات القيمة”.. إذا ما رفعوه هدفاً، وخدموه بصدق ونزاهة وإخلاص.؟!
ألا كفى حرباً، كفى قتلاً، كفى إراقة للدماء، وتشريداً للناس، كفى إرهاباً وعذاباً وتعذيباً للبشر، وكفى تدميراً للثقافة والحضارة والحجر.. كفى.. كفى.. يا من تجلدون الأوطان والإنسان، باسم الوطنية والإنسان.. ويا مَن تسوسون العالم بقتل العالم. ألا.. كفى، ألا.. كفى، ألا كفى.
فالله محبَّة، والخلق عيال الله، والله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكَرَّمه على العالَمين.

إلى الأعلى