الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الوقاية واستراتيجيات التنمية الوطنية

الوقاية واستراتيجيات التنمية الوطنية

**

يبدوا أن ترسيخ منهج الوقاية وأسلوبه، سيشكل أحد التحديات التي ينبغي أن تتعامل معها التنمية بصورة أكثر إجرائية وفاعلة في السنوات القادمة، بحيث تضع الخطط الخمسية كأحد محاور عملها ومرتكزات أدائها تعزيز مفهوم الوقاية واستراتيجيات عملها كسلوك اجتماعي عبر تعميق الوعي بالتحديات القادمة وطبيعتها والمهارات التي ينبغي أن يمتلكها الفرد أو المؤسسات في التعامل معها والتأثير المتوقع عنها وبالتالي ما تتطلبه من جاهزية واستعداد وتوفير أدوات عملية مقننة في التعامل معها ورصد توقعات حدوثها، وتقييم ما تمتلكه المؤسسات من بدائل وخطط للحالات الطارئة وأدوات استباقية وبرامج تعزز من قدرة المجتمع على مواجهة الحالة المفاجئة، أو تقليل رداّت الفعل السلبية الناتجة عنها، بحيثتضع استراتيجيات التنمية في برامجها وخططها وأنشطتها ما يرصد هذه المتغيرات والتحديات ويضعها في قالب المتابعة والرصد الدوري لها، والاليات التي يفترض بنائها في الفرد في كيفية التعامل معها وتوظيف الفرص المتاحة ومصادر القوة المتوفرة.
وتُلقي تحديات التنمية، كالفكر السلبي، والثقافة العدائية، وثقافة طموحات الشباب، والانتصار لتوقعاته، وثقافة الخوف والقلق من المستقبل، وضعف الثقة في التعامل مع التحديات، ومصادرة الفكر والتعصب للرأي ، وثقافة الاستهلاك، والتعالي عن القيم الابوية والاجتماعية، وثقافة حرية التعبير، وشبكات التواصل الاجتماعي؛ وسلوك الابتزاز الالكتروني عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والأمن المعلوماتي، وتأثير القنوات التلفزيونية التي يستهدف بعضها تأجيج المذهبية والطائفية، والوقوع في مصائد الشركات الوهمية، والغش التجاري، والتجارة عبر الحسابات الوهمية المشبوهة، وشحن الذات بالسلبيات وترسيخ ثقافة العداء في الشباب نحو جهود المؤسسات وجوانب التنمية المختلفة، ومشكلات التوظيف، والباحثين عن عمل، وضعف مواءمة التعليم لسوق العمل، والدروس الخصوصية، ونقص الكفاءات المجيد في بعض القطاعات، ووقف الترقيات والحوافز، والتسرب الدراسي، وجنوح الأحداث، وتنوع قضايا الأمن والسلامة، والصحة النفسية والأمراض وغيرها، تُلقي بظلالها على قطاعات التنمية، إيجاد استراتيجيات تقرأ واقعها وتمتلك أدوات الحدس والتنبؤ والرصد والتحليل لها بحسب طبيعتها واتساعها ومستوى نموها وتأثيرها، بما يضعها أمام مسؤولية بناء أطر واستراتيجيات عمل واقعية، عبر تفعيل أطر الوعي والثقافة المهنية والمسؤولية الشخصية والمجتمعية والشراكات والانظمة والقوانين وبرامج التواصل المؤسسي وتعزيز بنية الاحصائيات وقراءة المؤشرات، ومنحها فرصة أكبر للنمو والظهور في واقع حياة الأفراد والمؤسسات، بحيث يرتبط هذا الجهد بإحداث تحول في ثقافة الخطاب الموجه للشباب واسلوبه وتعزيز إيجابيته، وزيادة حضورالمنابر الحوارية التفاعلية الممتدة، بالشكل الذي يعزز من فرص التأثير والاحتواء، ويحقق الاستدامة والاستمرارية في ذات الفرد عبر إثراء رصيد الفرد أو المؤسسة بالمعلومات والافكار والتجارب والآلياتوالنماذج المضيئة والقدواتوأدلة العمل، بما يضمن تعزيز استراتيجيات الوقاية ، وضبط المؤثرات والمتغيرات المساهمة في استخدام ادواتها بصورة سليمة، وتعميق قيمة البحث والدراسة والتشخيص لبناء موجهات دقيقة تتفاعل مع طبيعة الظروف الحاصلة، بحيث تتوافق سيناريوهات العمل والأدوات مع طبيعة التحدي، وتتكيف مع ما يمتلكه من مهارات وقدرات واستعدادات، فهي مرحلة تهيئ الفرد للتعامل مع المفاجآت التي تعكس حالة من الشعور بالارتياح وقوة الاستعداد الذاتي والفكري في التعامل معها، وامتلاكه رؤية التحليل العلمي والتفسير المنطقي الذي يستطيع من خلاله الجميع الدفاع عن وجهة نظره أو يبرر قناعاته بما يتوافق مع طبيعة المنجز، ويضعه كاطار استرشادي واستراتيجيةعمل توجه مسارة وتضبط أي انحرافات قد تحصل بسبب عدم فقهه للمتطلبات أو ادراكه للاحتياج الفعلي.
إنّ بناء منهجيات الوقاية اليوم يستدعي اعادة صياغة جديدة للبناء الفكري للفرد في مختلف مستويات التعليم وانواعه ، وتصحيح المفاهيم المغلوطة لديه حول ثقته بنفسه اولا وطبيعة التحديات، وتقوية حضور المهارات والابتكارات والأفكار الخلاقة والمبادرات الجادة وأنماط الشخصية الايجابية والقناعات المهنية واكسابه مهارات القرن الحادي والعشرين التي تعزز فيه منحى الاعتماد على النفس والاستقلالية الفكرية وترسيخ منهج البحث ومهارات التحليل والاستنتاج وقراءة البيانات، وتعميق قيمة القراءة باعتباره طريقه لاستيعاب الواقع وفهم المستقبل المنظور، واشراكه في التعامل مع بعض النماذج والمشكلات، وأن تعملمؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المهنية ومبادرات الشبابالتطوعية واللجان والمراكز المجتمعية الشبابية المعززة لروح الفريق والمبادرات الجماعية، نحو تعميق استراتيجيات الوقايةوتنويع آليات تحقيقها، عبر تأصيل مسألة اختيار مصادرالمعرفة وانتقاء الأفضل منها وفق مسوغات مدروسة وتعليمات رسمية، بما يمنحها قوة الرأي وعزيمة في القرار ويبعث فيها شغف البحث عن استراتيجيات التمكين. إن ضمان قدرة المجتمع على استيعاب متطلبات الوقاية وإدراكه لأهميتها يستدعي اليوم جهدا منظما تتفاعل فيه مؤسسات التعليم والتدريب والاقتصاد والصحة والاعلام والأمن في سبيل إيجاد بنية تنظيمية مؤسسية إعلامية توعوية قادرة على تأصيل الوقاية كثقافة وسلوك اجتماعي،بصورة تضمن سرعة الاستجابة وواقعية التنفيذ وجاهزية البدائل وفاعلية سيناريوهات الاحتواء.

د. رجب بن علي العويسي
rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى