الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سلطة لن تجرؤ على حل نفسها

سلطة لن تجرؤ على حل نفسها

عبد اللطيف مهنا

متى تحل السلطة نفسها؟! منذ سنين يتردد مثل هذا السؤال في الساحة الفلسطينية، وكان منذ أمد عنوانًا لمقال لنا عددنا فيه مستوجبات طرحنا لهكذا سؤال، ومنها كارثية المسار التسووي الأوسلوي الذي أنتجها، إلى جانب بلوغه حد العبثية ونقطة الانسداد، وتحولها إلى مجرد أداة أمنية لحفظ أمن الاحتلال وملاحقة المقاومين وردع المقاومة، وهذا إلى جانب كونها قد وفَّرت التغطية المرامة وأعطت الوقت الكافي لأن تبلغ الاستراتيجية التهويدية الصهيونية مداها في تحقيق استهدافاتها المتمثلة في تهويد ما تبقى ولم يهوَّد بعد من فلسطين، كما وأنها قد وفَّرت للاحتلال طيلة الواحد والعشرين عامًا المنصرمة وما زالت احتلالًا مريحًا، أو كما يقال سبعة نجوم، بإراحته من تحمُّل أعباء وكلفة إدارة احتلاله، وجنَّبته احتكاكًا يوميًّا مباشرًا من شأنه أن يسهِّل على المقاومين عملية مقاومته…
وقد نستمر في سردنا لجوانب من هذه الكارثية الأوسلوية وتداعياتها المدمرة، فنشير إلى أنها قد أعطت الذريعة المبتغاة لعرب نفض اليد من قضية الأمة المركزية في فلسطين لأخذ راحتهم، وكذا إلى ما ألحقته من أذى جسيم بالوحدة الوطنية الفلسطينية، أو ما تسببته من وبيل انقسامات تعانيها وستظل تعانيها الساحة الفلسطينية، لن تجدي في معالجتها تكاذبات المصالحات الموسمية المتلاحقة المعهودة، والتي عودتنا بأن سرعان ما تتبخر شعاراتها المستحبة بمجرد انفضاض لقاءاتها… هذه المصالحات التي لا نملك إلا أن نأمل بأن لا تلاقي آخرها قبل أيام مصير سابقاتها، لا سيما وأن رئيس السلطة كان حريصًا على أن يؤكد بأن “لا تناقض بين المصالحة والمفاوضات”!
…خلاصته أننا قد خلصنا إلى أن هذه السلطة، سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال، إلى جانب كونها قد باتت مصلحة لشريحة من المتنفذين وأصحاب المصالح التي ارتبطت مصالحها بمصالح الاحتلال ونمت وعاشت في كنفه، فهي بالضرورة لا تمتلك قرارها، كما لا تقوى ولا تجرؤ حقًّا على مثل هكذا خطوة مصيرية سيكون بالضرورة لها ما بعدها، وأقله انكفاءً كاملًا عن نهج تنازلي مارسته وأدمنته ولا من خيار لديها سواه، لا سيما وأنها قد ذهبت بعيدا في هاويته ووصلت قرارتها فأوصلت القضية إلى ما أوصلتها إليه. ثم عالجنا المسألة مرة أخرى في مقال لنا بعنوان: متى يحل الصهاينة السلطة؟! وكان استنتاجنا، وبناءً على ما تقدم، أنهم لن يقدموا على هذا الأمر أخذًا في الاعتبار مصلحتهم في بقائها، لكنما هم لن يترددوا في الإقدام على حلها إذا لم تعد لهم مصلحة في وجودها…
هذا الكلام حول مسألة حل السلطة تدفعنا إليه كثرته هذه الأيام في أوساطها بالذات، أو ما نسمعه من تهديدات تتردد في رام الله حول الاستعداد لـ”تسليم مفاتيحها” للمحتلين، أو هذا التلويح بذلك كورقة طمعًا في حثهم على بعض تساهل بشأن الوصول معهم إلى توافق على تمديد المفاوضات المنتهي أجلها مع نهاية هذا الشهر.
تهديدات رام الله التفاوضية الغرض أزعجت الأميركان واضطرت الناطقة باسم وزارة الخارجية إلى تذكير الأوسلويين بأنه “قد استثمرت أموال الأسرة الدولية، وأموال أميركية” في بناء هذه السلطة، وأن الإقدام على حلها “ستكون له آثار جسيمة على علاقات الولايات المتحدة والفلسطينيين، بما في ذلك موضوع المساعدات الأمنية التي تمنحها الولايات المتحدة للسلطة”.
لكن الصهاينة على ما يبدو لم يأخذوا تهديدات رام الله على مأخذ الجد باعتبارها لا تختلف عن تهديداتها باللجوء إلى مؤسسات الأمم المتحدة، والمصالحة مع حماس، وهذه الأخيرة قد تقلقهم فعلا وتقلق الأميركان معهم أكثر من التهديد بالأخريين… تلكم التهديدات التي لطالما سمعوا بمثلها ولم تنفَّذ، وفيما هو بدا ردًّا من بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني على تصريحات رئيس السلطة المتعلقة أمام زوار المقاطعة من الصحافيين الصهاينة طالبها بالرسو على موقف، “هل تريد المصالحة مع حماس، أم حل نفسها، أم التفاوض مع إسرائيل”؟!
إنه بات من تحصيل الحاصل أن المسار التسووي التصفوي للقضية الفلسطينية قد بلغ مأزقه، وانعكست تداعيات انسداده على أصحابه بحيث ما من سبيل أمامهم الآن سوى لعب كل ما تبقى لديهم من أوراق، ولهدف مشترك واحد أحد هو تمديد المفاوضات من أجل المفاوضات ومنعًا لانهيارها، باعتبارها، وعلى المكشوف، مصلحة أميركية ـ صهيونية وأوسلوية معلنة، تجهد الأطراف الثلاثة راهنا في تلمُّس أخراج ما لمثل هذا التمديد المطلوب.
أما مسألة حل السلطة، وهي بالدرجة الأولى، في رأينا، كانت وما زالت مصلحة وطنية فلسطينية، بمعنى أنها خطوة لا يريدها لا الصهاينة ولا الأميركان، كما لا يجرؤ الأوسلويون على اتخاذها، فإن مسألة طرحها في هذه الأيام بالذات ليست سوى مجرد مناورة أوسلوية أخيرة في وجه التشدد الصهيوني والضغوط الأميركية، وجل هدفها لا يعدو استدرارًا أو حثًّا لمسألة تمديد عبثية المفاوضات التي تواجه مأزقها… مثلها تمامًا مثل التهديد باللجوء إلى مؤسسات الأمم المتحدة، التي لو كانوا جادين فيها فإن مجرد الإقدام على الانضمام إلى اتفاقية جنيف الثانية، مثلًا، يسهِّل مسألة تجريم التهويد وبناء المستعمرات، ومن شأنه أن يحوِّل القادة الصهاينة إلى مطاردين للعدالة الدولية… وكذا تليد المصالحات، التي نقول يا حبذا لو تكون لآخرها حظوظ من جدية في مرتها هذه…

إلى الأعلى