الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مأزق الغرب مع الأقليات المسلمة: لمحات إضافية

مأزق الغرب مع الأقليات المسلمة: لمحات إضافية

أ.د. محمد الدعمي

أشرت في أحد مؤلفاتي الجديدة عددًا من الأنماط السلوكية التي أفرزتها الأقليات الدينية والإثنية على نحو عام، فكان منها الميل القوي لدى أفراد هذه الأقليات إلى الانتماء للحركات اليسارية والشيوعية المتمردة. ومرد ذلك هو أن هذا النوع من الحركات يتجاوز حدود الطوائف والقوميات باتجاه العنصر الإنساني الأشمل، العابر للمحدوديات الإثنية والدينية أو أنه يستبدله بآصرة أخرى، كأن تكون آصرة الطبقة الاجتماعية بديلًا عن آصرة الدين. هذه الملاحظة، على نحو خاص، تنطبق على الأقليات المسلمة المتنوعة عبر المجتمعات الغربية، الأمر الذي يفسر انتماء أعداد لا بأس بها من نشئها وشبيبتها للأحزاب والحركات اليسارية هناك، جزءًا من مشاعر الاحتجاج والرفض التي تبقى تنتاب هذه الأقليات وتقض مضاجع قياداتها بموجب عواطف بواعثها مشاعر عدم الانتماء الأصيل وما يتلوه من إهمال، بل وحتى الاجتثاث الجزئي المبني على التمييز والمعاملة الدونية (درجة ثانية)، وما شابه من مسببات الرفض الاجتماعي للغريب أو لسوى التقليدي في تلك المجتمعات.
وإذا ما شاء المرء أن يترفع عن محدوديات الزمن الجاري ليكون أكثر قدرة لأن يرصد تعقيد الموضوع على نحو كافٍ، فإن عليه الارتجاع إلى تجربة الإسلام بأوربا، ليس الآن، ولكن في التاريخ، أي في الأندلس. علمًا أن هذا الارتداد للماضي لا يراد منه تطبيق معطياته على الحاضر، بقدر ما يراد منه المقارنة والاستنتاج. في التاريخ، ذهب المسلمون إلى أوروبا بقيادة رجل سوري اسمه طارق بن زياد، لذا فقد شكلوا موجة قوة ذكورية جافة فاجأت أوروبا الرطبة (شبه جزيرة إيبريا) التي مثلت الكيان المؤنث، المستكين حقبة ذاك، فتقهقرت أوروبا أمام العاصفة على نحو فوري، خاصة بعد أن تعاون يهود إسبانيا مع الفاتح المسلم، انتقامًا لما عانوه من اضطهاد على أيدي الإسبان الكاثوليك. وعندما استقر الأمر للمسلمين في تلك البلاد الجميلة، لم يسلكوا سلوكًا عدائيًّا، بقدر ما حاولوا الاستجابة لضغط الطبيعة الغنّاء أدبًا ولياقة، علمًا وفنونًا. في هذه الحال بقي المسلمون متمركزين في بقاع معينة لأنهم حاولوا تجنب الوقوع في شراك أن يكونوا أقلية، فينحوا منحى اليهود من ذي قبل. زد على ذلك أنهم كانوا أكثرية في أقاليم تركزهم السكاني، فلم تطفُ على أوضاعهم علامات أمراض العدائية والتمرد التي يخشاها الغرب اليوم من الأقليات المسلمة، درجة عقد اجتماعات حكومية على مستويات عالية لدراسة ما الذي يمكن فعله مع “مواطنين أوروبيين” يحملون جوازات سفر لدول أوروبية يمكن أن يعبثوا باستقرار دولهم عند العودة من المعارك في سوريا أو العراق أو أفغانستان، من بين سواها من البقاع الساخنة التي تمد القاعدة وأخواتها أذرعها إليها.
إن مسببات هذه الهجرات التي يقوم بها “المجاهدون” من أوروبا إلى البقاع الإسلامية الساخنة أعلاه لا بد أن تجد لها أوروبا حلولًا لأن مجرد تفضيل الشاب الأوروبي المسلم “الهجرة” إلى مناطق الحرائق وسفك الدماء ينطوي على نوع من رفض المجتمع الأوروبي الذي ولدوا وترعرعوا فيه، قبل أن يقرروا أنه (أي المجتمع الغربي) لا يستحق عناء البقاء والعمل اليومي والوقوف في طوابير العمال والموظفين لينظموا إلى ماكينة اقتصاد رأس المال العمياء.
ثمة احتجاج اجتماعي يطلقه هؤلاء المسلمون الأوروبيون عندما يفضلون الحروب والخراب والقتل على حياة السلام في عالم غربي لا يرون فيه من الجمال ما رآه آباؤهم من الجيل المهاجر الأول. لذا فإنهم جنحوا للتمرد على النظام وعلى رتابة الحياة في الغرب البارد.

إلى الأعلى