الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “لست تمثالا” .. تجسيد لمعاناة اللجوء الفلسطيني الذي يلاحق الجيل الثالث

“لست تمثالا” .. تجسيد لمعاناة اللجوء الفلسطيني الذي يلاحق الجيل الثالث

أوردها خالد فحل ضمن سياقات شعرية متعددة
بين يدي ديوان شعري جديد صادر من القاهرة للشاعر الفلسطيني الذي يعيش في رام الله خالد فحل. “لست تمثالا” باكورة إنتاج الشاعر، ونشره في القاهرة لابد أن يطرح تساؤلات عن “اللجوء” أي عن اختيار مكان غير الضفة الغربية للتعبير عن خلجات وقدرات الشعر الفلسطيني وعن مدى افتراقه عما يدور في الحقل السياسي والأمني بين الشعب الفلسطيني والاحتلال. مما يعني أن الشاعر أراد اجتياز معوقات موضوعة أمامه لعرقلة حريته في التعبير. أول سؤال يواجه الشاعر أو المبدع الجديد هو سؤال التميز. ففي خضم ساحة تعج بالإبداع وبالأسماء التي تركزت فلسطينيا وعربيا تكون عقدة التميز هي شغل الشاعر أولا وقبل كل شيء. فهل اجتاز خالد فحل هذا الحاجز وأسس لحرفه مملكته الخاصة ؟ الجواب نعم لقد نجح في معركة التميز. لماذا نأى بنفسه عن “الفراهيدي” وبحوره ؟ ولماذا التمرد المعلن على أشكال وأنماط الشعر والنثر؟ أليست تلك دلائل الرفض المؤكد لواقع يزدريه المبدع ويبحث عن بديل هو حلمه المشروع في العودة ؟ أولى القصائد عنوانها (أيلول) أي سبتمبر: وأيلول الفلسطيني يشير الى وقائع مؤلمة : مابين أيلول 1970 في الأردن وأيلول 1993 ( إبرام اتفاقية أوسلو) .فهل كانت أوسلو طريق الفلسطيني إلى أهدافه؟ إلى القدس وعموم أرض الأجداد والآباء؟:
( أنا ابنها
ولا تعرفني القدس ولا أعرفها
وبيني وبين المآذن
أسراب الحمام )
ولماذا لم يعد يعرف القدس وهو ابنها ؟
(مضى أيلول
أفقنا من الحلم أخيرا
كان الوجع يبلل الوسادة
أمنيات … أمنيات )
لم يجن الفلسطيني من أوسلو ما كان يريده وما هو حق مشروع ونبيل من حقوقه. وعلى العرب ـ الإخوة ـ لوم أيضا. وكم من شاعر فلسطيني عادت إلى ذهنه قصة النبي يوسف وهو يقارب بين واقعته المؤلمة وبين رد الحكام العرب على جريمة اغتصاب فلسطين :
( كأنك لم تمت
( إسعاف على أهبة الموت
هل ترى ذئبي الخرافي
يوسف إخوتي
وأنا أخونه )
واللجوء والحرب والموت والأحلام منابع للموقف الإبداعي لدى خالد فحل. فها هو في (كما انت) يعلن :
(قالت ملائكة الليل
خلف الشجون
هنا قد أكون بالا أكون
وهل تصبحين على ما أكون )
سؤال الإنسان منذ البداية ( أكون او لا أكون ) . الوجود والعدم بين القاتل والقتيل و (بين غيمتين وريح ) .
( وأريد ما يريد
ليكون القاتل واحدا منا
وواحدا منا
بيني وبينه
سؤال / قاتل / رصاص / ثورة )
المعادلة هنا بين حروف الإجابة والبحث في الديوان عن ( القصيدة ) – المفتاح . ولعل قصيدة (أبي) تقف شاخصا عما يريد الشاعر ان يقول. توقفت طويلا أمام هذه القصيدة التي يخاطب فيها الشاعر أباه ومنها أيضا استل عنوان مجموعته بالذات. الوطن هو ما يريده الفلسطيني. والوطن قد يراه المبدع في أمه أو أبيه في حبيبته التي يهوى. وخالد لا يريد أن يصدق أن أباه قد رحل:
(أما زلت تقف الباب ؟
ام في المواسم يزهو الموت
أتزهو
بتلك اللغة
المس وجهي
لست تمثالا
يا أيها القابع في وجه الأرض
ابي
سلم على ظلك فينا تتسع الذاكرة
سلم على باقة الشهداء
وردة .. وردة )
أثمة لوم خفي في العمق على الأب لترك الأرض والبيت والحلم؟ أم هو تساؤل في الموت الذي أبقى الميت قابعا في وجه الأرض وليس في باطنها كما هو مصير الأموات.. يخاطب أباه :
( صباح الخير لك وللياسمين
أصحابك القدامى ما عادوا
يهرولون كعادتهم إلينا )
ويختم :
(سلم على من أحبوك وسبقوك
ان اتسع الوقت)
لوم للمغادرة ؟ مغادرة الأرض – الوطن أم مفارقة الحياة ؟ وهل كان اللجوء إلا هربا من الموت المؤكد ومن المجازر التي لاحقت الآلاف من أبناء فلسطين على مدى عقود قبل عام 1948 وبعده أيضا؟
خالد فحل متمرد على الحال الراهن في الضفة الغربية والقطاع وهو الباحث عن الوطن – لا الدولة. السؤال الدائم والملح على الجيل الثالث الفلسطيني: أنريد دولة – وحكومة أم ترانا نريد الوطن؟
قصيدة ( لاجىء) القصيرة خلاصة وافية جدا لتبيان الموقف:
( لا اسم لي
فمي ليس فمي
هو وجه القصيدة فحسب
لا وطن لي
أنا اللاجئ إلي
شردني ضجيج الحياة
من على بابك )
والقصيدة تدوم فعلا في العمق وتثور معلنة عن نفسها من بين الشفاه. وهي ترنيمة البحث عن الذات في الوطن وإلا ظل الضياع حياة ولجوءا. والموقف من الحال عربيا لا يختلف في ارتداده الفلسطيني . ماذا عن (الربيع العربي) ؟ وهل ينفصل الفلسطيني عن عروبته وعن قضايا أمته ؟ في (ربيع عربي خلاصة موقف :
(بيروت ترتدي حدادها
النيل يجف حزنا
الياسمين في دمشق احمر
وترتعب الحياة
ولا يرتعب مع الموت إلا الحياة)
خلاصة مفجعة لنتائج (الربيع العربي) الذي انتشر ومعه الموت والدمار والإرهاب .ولكن الفلسطيني لا ينسى لحظة واحدة انه لاجئ .. وانه ابن الأرض وأن له مطلبا مشروعا وحقا موصوفا في الوطن .( حكاية ) تقول :
انا اللاجئ ابن الأرض
من مذبحة الذاكرة
المتعثر بالأنين
الهارب
من صمتكم ومن ضجيج الطائرات
انا ابن الغياب
وجرحي مخيم وطعم البرتقال دمي)
خلاصة الهم والشغل الشاغل للفلسطيني الباحث عن الوطن والخلاص من كلمة ولفظة ومدلولات (لاجئ). وإذا كان الجيل الفلسطيني الثالث لم يعان من العيش في الخيمة إلا ان ظلها وكينونتها ماثلتان أمام الذاكرة الحارة والطرية المحملة بالهم وبما حدث للأب والأم والحبيبة. ( قرأت في عينيك وطني —- وتعويذة المساء) . الوطن نبض العروق وشهوة النسمة العذبة وابتسامة الحبيبة وترنيمة الأم وتنهيدة العشق ولوعة الحنين ونار الفراق. المرأة عند خالد فحل (شاهقة) وكان منالها صعبا أو هي ممانعة ولكن كون الحبيبة شاهقة قد يشير إلى رؤية العودة بعد جهد الصعود إلى قمة الأرض..الجبل او التل او حتى تشهي البسمة والاحتضان .
(كوني امرأة
كي اكتمل بك رجولة
وأحيا).
أهي من لحم ودم أم هي ما يعنيه الوطن ؟( هي امرأة شاهقة …ألقت بك عن علو أنوثتها .. وأردتك صريع عتمة أو غياب ) .
والحبيبة هي النافذة الى حيث رؤية الوطن في عينيها كما في صيرورتها . القراءة التي رآها وفهمها وتمناها هي خاتمة وبداية (قراءة) :
اقرأ في عينيك وطني
وتعويذة المساء) .
ولا يفترق خالد فحل عن سواه من الشعراء في النظر الى المرأة الحبيبة إلا في أن المرأة لديه دائما ( شاهقة ) ودائما كناية عن الوطن أو هي سبيل الوصول إليه. وحتى في قصائده القصيرة أو الومضات لابد أن يبرز الأب وتثور الذكريات ويهيج الحنين . جيل ثالث لم ير فلسطين ولكنه يحياها بين الضلوع في الصحو وفي المنام وفي هذا تتبدد أحلام الغزاة الذين راهنوا على الزمن وقالوا هو جيل أو اثنان وينسون. والعجيب أن الأجيال الجديدة تعيش شوقا وهما ناريين للوطن وللعودة.
( لا يثمر الغياب ):
قبل موته بقليل
غرس ابي
شجرة غريبة أمام البيت
لم تثمر ولن تثمر
هكذا قال جدي العجوز
من يومها تقيس أمي غيايه
بحجم الشجرة
حتى لا يثمر الغياب )
أي حزن عميق هذا المعشش في الفؤاد النابض بحلم العودة والخلاص من اللجوء ؟

قراءة ـ
نواف أبو الهيجاء
Nawaf.m.abulhaija@gmail.com

إلى الأعلى