الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / كُمَة التخصص

كُمَة التخصص

يأتي على بال بعض الطلاب في التخصصات العلمية بأنها لا تناسب ميولهم أو تطلعاتهم، كنت أشعر بنفس الشعور في فترة سابقة، أي قبل أن أنغمس في عمق تخصصي – أنظمة السيطرة والتحكم -.
كأي “كمة” لبستها كان دخولي كلية الهندسة، لم يفرق بينهما سوى من يختار ما ألبس. أنا لم اختر أي لون لـ”كمة” لبستها حتى الآن، أمي وصلاح أو أبي هم من يختارون، على الرغم من أن أغلبها عبارة عن هدايا ليأسهم من تفكيري في شراء “كمة”. التخصص كذلك، اختاره المجتمع، الهندسة والطب هما أول الخيارات المحبذة في المجتمع العماني، هم من يريد رؤية الكمة فوق رأسي، وهم الذين يريدونني أن أصبح مهندسا.
وللأسف الشديد، لم تكن لسياسة الجامعة التعليمية أي اشارة لوضع أي مبادئ تأسيسية لتخصص الطالب، كنت تائها، خاصة بعد أحداث ربيع 2011، كانت الأزمة فرصة لمراجعة النفس والوقوف عند الكثير من النقاط الدائر حولها المجتمع. البوصلة تائهة، والاتجاهات ضائعة. صحوت وأنا في هندسة الكهرباء والحاسب الآلي، لم أختر التخصص، هو من اختارني، كان ثاني خياراتي بعد هندسة الميكانيكا، صدمة أخرى تضاف إلى صدمة دخولي للجامعة، ولعلها كانت مجرد سلسلة ارتدادات صدرت من الموجة الأولى فقط.
استمر مسلسل الاحباط وضياع الاتجاهات، أمتلك خطتي الدراسية، ولكن ما النتيجة؟! إلى أين هذا كله؟! هل يجب أن أكون هنا؟! أخذت فترة لأجيب على هذه الأسئلة.
لم أعرف الجامعة جيدا، بيتي لمدة ثلاث سنوات، ظننت لوهلة أن أكثر آثاري قد ضاعت تحت نحت هذه الريح، شعرت بالحزن من وضعي، ونظرت للسماء سائلا العون. ففي السماء وحدها تستطيع أن تحدق في جمال لا يصرخ عليك ساكنها لأن تكف عن النظر لها، لا تحتوي على أية حدود سوى نهاية بصرك الذي يصبح أكثر الأشياء مللا بالنسبة لك وأنت تحدق إليها. منها تجلى لك “جوجل”، لتبدأ منه رحلة البحث عن ذاتك، لتجدها حيث أنت، في تخصصك، بعيدا عن خيارك الأول ـ الميكانيكا ـ.
درستً مادة (مقدمة في الهندسة)، كانت عبارة عن ثلاثة أجزاء: مقدمة في الرسم الهندسي، مقدمة في برمجة الـ (Matlab)، ومقدمة في وظائف التخصصات الهندسية. ولم أجد شيئا مما أبحث عنه في هذه المادة.
ربما كان على الجامعة أن تعطي الطلاب نبذة عن تاريخ الهندسة، كيف بدأت، وكيف تطورت الفكرة الهندسية بدءا من العجلة والرافعة وحتى الروبوت دافنشي، هنا سيتمكن الطالب من فهم تخصصه أكثر، وسيحب تخصصه، وسيجد البوصلة التي تعينه على تركيز فكره لإبداع أكثر. هناك الكثيرون ممن لا يعرفون ماذا يعني لهم تخصصهم. أزمة هوية يعاني منها بعض طلاب كلية الزراعة والعلوم، وبعض طلاب الهندسة الصناعية الذين يكتفون بالرد: ” تخصصنا إداري، يعني مال النقل والتخزين وكذا.”، وعانيت منها أنا في بداية دخولي لقسم هندسة الكهرباء والحاسب الآلي.
***
في إحدى محاضرات الدكتور حسن يوسف، كان ينتقد الطالب؛ لأنه غالبا ما يستحضر المعلومة الصحيحة في الوقت الخطأ.

- قاطعت الدكتور: لكن ماكسويل قال بأن القرار الصحيح في الوقت الصح ضرب من المعجزات !!
- هو قال كدا ؟! (بلهجة مصرية)
- أيوا.
صمت لوهلة ثم قال:
- هو صح، لأن دائما أنته كمهندس تتخذ قراراتك بعد المشكلة اللي ما تتوقعها، يعني ممكن يحدث التماس كهربي ـ ما تتوقعهوش ـ في مجمع الكهربة تحت المبنى دوت وتولع الدنيا نار، وبعدين يجي المهندس ـ اللي هو أنت ـ وتتخذ إجراءات طوارئ. لكن أنك تتخذ اجراء لمنع حدوث المشكلة في نفس توقيت المشكلة !! دي تبقى معجزة.
في نفس اللحظة، رأيت الالتماس، والحريق، وشطر وجهي للسماء، والإجراءات المتخذة.

منذر الحمداني
Twitter: @Manthoor

إلى الأعلى