الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 11 )

على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 11 )

داخل أحياء المدينة القديمة تكشفت لنا صورة المأساة التي يعيشها السكان، فالكثير من منازلها آيلة للسقوط، نتيجة الحفريات تحت أساساتها. وكذلك الحفريات التي تجري في منطقة سلوان جنوبي المسجد الأقصى بأعماق كبيرة وبمساحة واسعة شملت عين جيحون اليبوسية التي يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.
توقفت بنا عبير، بين طريق القرمي وعقبة السرايا، كانت الدعامات الحديدية تسند جدران المنازل، وتحفظ ما تبقى من الاندثار، وكانت اللوائح المتدلية منها، تحذر المارين باللغات الثلاث ـ العبرية والعربية والانجليزية ـ من “جدار خطر”.. فيما كان مرافقنا مرشد العتبات المقدسة يشرح لنا عن تأثير الحفريات التي تجريها سلطات الاحتلال في المنطقة المسماة “الحوض المقدس” والتي تشمل المسجد الأقصى المبارك بمساحة 144 دونمًا والقسم الجنوبي من الحي الإسلامي في البلدة القديمة وقرية سلوان الواقعة جنوبي المسجد الأقصى المبارك.
معظم هذه الحفريات تركزت غربي سور المسجد الأقصى المبارك من باب الغوانمة شمالاً إلى باب المغاربة جنوباً مخترقة المناطق تحت أساسات الأبنية الإسلامية التاريخية، فخلخلت هذه الأساسات وتسببت في تشققات الأبنية التاريخية الأثرية وجعلتها في حالة خطر دائم، وأخطر هذه الحفريات هي التي تجري حالياً تحت باب المغاربة.
تصادفنا مع بعض أهالي حي القرمي العريق، الذين تجمعوا حولنا ليحكوا عن مأساة الحي، والخطر المحدق بهم، يقول أحدهم: إن الكثير من المنازل المتداعية هنا، تبعث شعورا عميقا بالخطر على من فيها أو يمر بجوارها.
ولنكون قريبا من الصورة، يطلب منا الدخول إلى أحد المنازل لمعاينة الآثار التي أحدثتها الحفريات، والتشققات الظاهرة على جدران المنزل وأساساته.
في الداخل تأهب للرحيل، والبحث عن مكان آمن، وقريبا من الأمتعة المستعدة للسفر، تجلس عجوز وهي تتكىء على ذكرياتها في المكان، وتناظر جدران المنزل المتشققة، حيث حكاية عمرها مرسومة في الأرفف وبين زوايا البيت.
تخبرنا بصوت واهن، أنها باقية هنا، تحرس البيت من سرقة الاحتلال له، في حال مغادرة جميع سكانه، “حتى لو خر السقف، سأبقى هنا ولن أدعهم يأخذون البيت، أفضل أدفن فيه، عن الرحيل عنه”.
إنا هنا باقون
فلتشربوا البحرا
نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار، كالخمير في العجين
برودة الجليد في أعصابنا
وفي قلوبنا جهنم حمرا
إذا عطشنا نعصر الصخرا
ونأكل التراب إن جعنا .. ولا نرحل
وبالدم الزكي لا نبخل .. لا نبخل .. لا نبخل
هنا .. لنا ماض .. وحاضر .. ومستقبل
كأننا عشرون مستحيل.
***
في طرقات الحي، كان مجموعة من الصبية يلعبون، يقذفون ضحكاتهم في المكان، دون أن يأبهوا بالخطر المحدق بهم، والمعاناة التي يعيشونها يوما بعد آخر، وكما في الخليل ونابلس وبيت لحم، لا يخشى هؤلاء الأطفال جنود الاحتلال، هم يتحدثون بكل عزة وشموخ عن وطنهم، وعن تمسكهم بأرضهم، وعدم التفريط فيها، وتركها للمستعمر، مهما كانت الاغراءات، تقرأ في وجوههم حكاية فلسطين الأبية، العصية على الانكسار والسقوط، وتروي ألسنتهم جزءا من المأساة التي يعيشونها، لكنهم يؤكدون قدرتهم على الانتصار ولو طال الزمان.
سيمضي زمانٌ طويلٌ ليصبح حاضرنا ماضيًا مثلنا..
سنمضي إلى حتفنا، أولاً، سندفع عن شجرٍ نرتديه…
وعن جرس الليل، عن قمر، فوق أكواخنا نشتهيه
وعن طيش غزلاننا سندافع، عن طين فخارنا سندافع
وعن ريشنا في جناح الأغاني الأخيرة، عما قليل
تُقيمون عالمكم فوق عالمنا: من مقابرنا تفتحون الطريق.
نمضي في طريقنا، تتوقف عبير لتخبرنا عن مقام السيد القرمي، وقبره في الداخل، حال المكان لا يختلف عن حال باقي البيوت في الحي، بدءا من عمارة الدولة البدرية، وعمارة اللؤلؤية، وهذه المباني كانت تستخدم كمدارس دينية منذ العهد المملوكي الأيوبي، لكن ضعف الامكانيات المادية لديهم، تجعلهم يعتمدون على الدعائم الحديدية والاخشاب، كحلول مؤقتة للحفاظ على المباني من الاندثار.
ونسألها عن صندوق القدس، وكأننا نعرف إجابتها مسبقا، تنظر نحونا، ويعجز الكلام عن قول كل شيء، فيما يقول مرشد العتبات المقدسة عن الألم الذي يختلج صدره من كم الوعود التي تصل إليهم، من دول عربية وإسلامية في إعادة ترميم المدينة القديمة، ولكنها تظل وعودا تذروها الرياح.
نواصل المسير، تطالعنا لافتات تشير إلى اسم المكان أو تاريخه، أو تروي سيرة قاطنيه من الأولين، فهذا “مسجد ولي الله سيدي محمد القرمي”، وعلى مقربته “بيت الحاخام الكبير المشهور داود بن شمعون من الرباط في المراكش (1826 ـ 1880) كان معينا للفقراء والمحتاجين والأيتام والأرامل. أسس طائفة اليهود المغربيين في أورشليم وأدار شؤونها”.. قبل أن نعبر الطريق الفاصل بين سوق باب خان الزيت وسوق العطارين.
سوق العطارين هو أحد أقدم الأسواق الواقعة داخل أسوار البلدة القديمة، ويتميز بسقف مقوس يعود الى الفترة المملوكية يغطي السوق كله. وقد اشتق السوق اسمه من المحلات التجارية العديدة التي تبيع البهارات والأعشاب الطبية المصنوعة من مواد وألوان طبيعية.
بموازاة السوق، لاح لي مقر بطريركية الأقباط الأرثوذكس، ورأيت مجموعة من اتباع البطريركية حاملين الصليب الخشبي على أكتفاهم، في هيئة تكمل صورة التمازج الديني والتداخل العقائدي بين المسلمين واليهود والمسيحيين.. فالقدس هي مهد الديانات ومهبط الرسالات، وهي رمز التعدّدية الدينية، لكن إسرائيل لا تريد لها ذلك، فهي تُحاول أن تجعل القدس مدينة يهودية وتفعل كل ما في وسعها من أجل طمس هويتها الإسلامية والمسيحية، فالمسلمون والمسيحيون على حد سواء في المدينة يتعرّضون لحرب تطهير عرقي واضطهاد من خلال إقامة المستوطنات ومصادرة الأراضي والمنازل وحملات الاعتقالات وحفريات تحت المسجد الأقصى.
تتوقف عبير لتنقل لنا بعضا مما يشوب تاريخ القدس من تشويه، وطمس للحقائق التاريخية، وهي تخالف الكثير من الأفكار السائدة، برؤية متقدمة، مبنية على الدراسة والتحليل، والوقوف على الوقائع التي تثبت صحة ما تذهب إليه، أو بصورة أقرب تخالف ما يتردد على ألسنة العوام.
في سوق القطانين، ونحن نشرب عصير الرمان البارد، حدثتنا عبير عن الرواية التاريخية التي تقول، إن سيدنا عمر بن الخطاب، وبعد أن تسلم مفاتيح بيت المقدس من البطريرك صفرونيوس، وحينما كان يتفقد كنيسة القيامة، وأدركته الصلاة فالتفت إلى البطريرك وقال له أين أصلى، فقال “مكانك صل” فقال : ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا. وابتعد عنها رمية حجر وفرش عباءته وصلى.
تقول عبير معلقة على بناء مسجد عمر في المكان الذي يشاع أن الفاروق صلى فيه، أن عمر خرج من الباب القديم للكنيسة الذي كان قائما في زمنه، وليس الباب الحالي الجديد، وقد مشى عمر خطوات من الباب فصلى، فتكون صلاته في هذا المكان، وأشارت إلى أحد المحلات التجارية، وقالت هنا يفترض أن يكون عمر قد صلى.
كنت استمع إلى تحليل عبير زياد مندهشا من واقعيتها في التفكير، ومكبرا لدورها ومحاولاتها الدؤوبة نفض الغبار عن تاريخ القدس، وتصحيح التشويه الذي شابه، ولذلك لا عجب أن تثير آراؤها حنق المؤسسة الاسرائيلية، ومضايقتها، حد طردها بضغط صهيوني من عملها كمديرة للقسم العربي في متحف قلعة داود بالقدس، بسبب مقالات وكتابات عن مدينة القدس.
لكن صوت عبير ظل مجلجلا، كما مآذن القدس، وكنائسها، شامخا يدافع عن الحقيقة، ويفند الأكاذيب الاسرائيلية، والأفكار التاريخية التي يحاولون تثبيتها.
سأصنع نفسي بنفسي
وأختار منفاي موسوعة لفضاء الهوية
منفاي خلفية المشهد الملحمي
أدافع عن حاجة الشعراء
إلى الغد والذكريات معاً
وأدافع عن شجر ترتديه الطيورُ
بلاداً ومنفى
وعن قمر لم يزل صالحاً لقصيدة حب
أدافع عن فكرة كسرتها هشاشة أصحابها
وأدافع عن بلد خطفته الأساطير.
***
نسير في طريق الآلام، نقتفي خطوات يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح سلكها من باب الأسباط إلى كنيسة القيامة، وحمل صليبه بالكامل طوال الطريق، بعدما قام اليهود بتعذيبه وصلبه ـ كما تقول الأسطورة ـ.
من المكان الذي زعموا أن المسيح حمل الصليب الكبير وقطع الطريق كله وقد أعياه ثقل الصليب وأوجعه، حتى الصخر المقدس في كنيسة القيامة الذي غسلت عليه جثة من قالوا ـ كذبا وبهتانا ـ إنها للمسيح، نفتش عن ذاكرة المكان، ونستنطق تاريخه، وكأننا نعبر فيه قبل نحو ألفي عام.
ندخل كنيسة القيامة التي بنتها الملكة هيلانة والدة الملك قسطنطين عام 330 ميلادية ، وقبل أن نلج بوابتها، تشير عبير زياد إلى السلم الخشبي على حافة النافذة التي يتعذر الوصول إليها فوق مدخل الكنيسة، وتكشف سر وجوده هناك، هو هناك كعلامة على “الوضع الراهن”، الذي قضت به المحكمة في عام 1853م، والمقصود بالوضع الراهن هو الترتيبات المعقدة بين الجماعات المسيحية والأسر المسلمة.
“الوضع الراهن” في كنيسة القيامة يجسد أبلغ معاني الوحدة الوطنية على أرض القدس، فمنذ أن فتح صلاح الدين الأيوبي القدس عام 1187م ومفاتيح تلك الكنيسة تحملها عائلة مسلمة هي عائلة جودة، بينما يقوم على مهمة فتح باب الكنيسة بشكل يومي عائلة مسلمة أخرى هي عائلة نسيبة.
قبالة باب الكنيسة، كان يقوم مسجد عمر بن الخطاب، والذي دحضت عبير مكان صلاة عمر بن الخطاب فيه، وأشارت إلى الحكاية التاريخية، التي تعود إلى عهد صلاح الدين الأيوبي، حيث خشي أن يعود الصليبيون متنكرين في زي الرهبان ويدخلوا كنيسة القيامة، بعدما قام بتحرير المدينة المقدسة منهم، وكان حينئذ لكنيسة القيامة بابان، فقرر صلاح الدين غلق أحدهما وهو مغلق منذ ذلك الوقت، وأبقى على الآخر مفتوحا، وهو المستخدم حاليا في الدخول والخروج من الكنيسة، وقد حاولت سلطات الاحتلال الإسرائيلية فتح باب آخر للكنيسة بزعم تسهيل الدخول والخروج، فرفض الرهبان وتدخل العاهل الأردني الراحل الملك حسين لوقف هذا الأمر، لأن إسرائيل كانت تريد بابا للكنيسة تحتفظ هي بمفاتيحه.
كل باعتقاده وإيمانه، ينسج الحكاية التي توافق هواه، وتمتزج الأسطورة بكينونة المكان، وتتداول الحكاية حد التصديق بأحداثها، حول صلب المسيح، وما صاحبها من أحداث..
أمضي في جنبات الكنيسة وأركانها، والليل ينزل ستارته، استعجل الرفاق في العبور السريع، وأمام بكائيات جموع المسيحيين القادمين من بقاع شتى على الصخر “المقدس” حيث سُجِّيتْ جثة المسيح “المزعومة”، أتوقف لأتأمل قليلا المشهد، قبل أن أندس مع الخارجين من الكنيسة، فيما روحي تتلو على مسامعي “وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ”..
حزينةٌ حجارة الشوارع
حزينةٌ مآذن الجوامع
يا قدس، يا جميلةً تلتف بالسواد
من يقرع الأجراس في كنيسة القيامة؟
صبيحة الآحاد..
من يحمل الألعاب للأولاد؟
في ليلة الميلاد..
يا قدس، يا مدينة الأحزان
يا دمعةً كبيرةً تجول في الأجفان
من يوقف العدوان؟.

خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74

إلى الأعلى