الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قانون توبون العربي

قانون توبون العربي

في عام 1994م صدر قانون توبون – وزير الثقافة الفرنسي- والذي كان بعنوان : حماية اللغة الفرنسية. فرنسا تلك الدولة التي تدرّس العلوم في كثير من الدول بلغتها، وتتحدث الكثير من الشعوب بلغتها، التي استعمرتها فرنسا ثقافيا من بعد أن أنهت الاستعمار العسكري فيها، فهي تصرّ رغم ذلك على حماية لغتها، فتقرّ قوانين للحفاظ عليها، بل وتضع العقوبات والغرامات لحمايتها، ويوجّه المهتمون بلغتها من علماء وسياسيين ووطنيين العتاب الشديد لكل فرنسيّ أهان لغته بتحدثه بغيرها، ومن ذلك انسحاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك من مؤتمر قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، عندما قدم الفرنسي غيرنست سيلييرغ رئيس البنك المركزي الأوروبي تقريرًا تحدث فيه بالإنجليزية، فقاطعه الرئيس بعد أول جملة، وقال له:( لماذا بحق السماء تتكلم الإنجليزية؟ )، فأجاب: ( لأنها لغة الاقتصاد العالمي)، لكنّ شيراك لم يقتنع وخرج مع بقية الوفد الفرنسيّ من القاعة ولم يعودوا إلا من بعد أن غيّر سيلييرغ حديثه إلى الفرنسية. حقًا أن اللغة تعز بأهلها، والبعد القومي والمواطنة لا تتحقق إلا بالحفاظ على الهوية،واللغة من أساسيات الهويّة. فهذا موقف من العديد من المواقف في فرنسا وهي ليست الوحيدة من بين الدول الكبرى التي تمتاز بالسعي الدؤوب للحفاظ على اللغة والهوية؛ لأنهم يعلمون أن ذلك من أركان الرقي، فلا ينقص ذلك ألمانيا وروسيا وإسرائيل وإيران واليابان، والصين ، فكل دولة منها تنشد الرقي والتميز والمنافسة، فلا ترضى أن تترك لغتها دونها، فتسعى للحفاظ على الهوية واللغة بسن قوانين توفر الحماية للغتها، وتأبى تدريس العلوم إلا بلغاتها القومية، مع دراسة واطلاع على لغات الآخرين للتواصل معهم وفهمهم ولأجل التثاقف الحضاري.
فأين حق لغتنا التي صارت تقاوم بصلابتها وخصائصها الرائعة، حتى أبناءها للدفاع عن نفسها وقيمتها من الزوال؟! ولم يكتف العرب بتدريس اللغات الأجنبية في جامعاتهم، والمراحل الأخيرة في المدرسة، وإنما قاموا بتدريسها لأبنائهم متزامنة مع اللغة العربية من أول صف في المدرسة، رغم إدراك التربويين خطورة ذلك على اللغة الأم، وقد أدركت الدول المتقدمة ذلك، ومن ذلك رفض الولايات المتحدة الأمريكية عام 1994 قرار تعليم اللغة الإسبانية في المراحل الأساسية الأولية في مدارس كاليفورنيا، والأدهى من ذلك أن بعض الدول العربية تدرس العلوم العلميّة في مدارسها باللغات الأجنبية فضلا عن الجامعات وفي مراحل الدراسات العليا.
وتنفق الدول الأموال الطائلة لترويج لغاتها، فمثلا تنفق ألمانيا 500 مليون مارك ألماني سنويا لترويج لغتها، فكم من الأموال التي أنفقها العرب لحماية لغتهم فضلا عن الترويج لها؟!
لا أعتقد أن هنالك عربيا في الوطن العربي لا يرى أن لغته الأم لم تعد محمية، فلا توجد قوانين صارمة لحمايتها، بل ويزداد تهميشها وإدخال الغريب والدخيل فيها عامًا بعد عام. ولا توجد إرادة عربية تهتم بمصير لغتنا العربية، وحمايتها وتعليمها لأبناء الأمة العربية في جميع المجالات، فضلا عن غيرهم كما يحتم الواجب علينا، ولكننا غير متناسين للقانون الدنيوي الفكري والحتمي والذي يقضي أن اللغات تعز بعزة أقوامها، فالخلل ليس في اللغة وإنما في أهلها، وإلا فكيف كانت الجامعات الإسلامية في أوروبا في القرون السابقة يرتدي المتخرجون منها- كما ذكر جان لوي كالفيه صاحب كتاب(حرب اللغات والسياسات اللغوية) ثوب التخرج الرسمي الذي كان يومذاك القفطان والزيّ العربي والعمامة، تماما مثلما هو زي التخرج من الجامعات البريطانية والأمريكية اليوم الثوب الرسمي لهم: القبعة وربطة العنق.
وكان قبل قرون يتعلم الغرب لغتنا ويتباهى بها كما يتباهى أبناء أمتنا اليوم بالكلمات الأجنبية في كلامهم، فالواقع الثقافي المميّز والرقي والتقدم للشعوب يفرض لغاتها على الساحة العلمية العالمية، فلا غرابة أن نتعلم في المستقبل اللغة الصينية، إن استمرت الصين في حركتها التقدمية الحالية فنضطر مرة أخرى لتغيير مناهجنا للغة الصينية!
ليس هناك صعوبة كما يدعى البعض في تعريب وترجمة التعليم الجامعي إلى العربية، فذلك يتحقق بإنشاء مراكز ضخمة للترجمة ترصد الجديد في كل مجالات العلوم والآداب والمعارف من كل اللغات وليس من الإنجليزية فحسب، فكل من يساهم في الحضارة المعاصرة اليوم يقدم إنجازاته ومساهماته بلغته؛ فنواكب بذلك العالم بلغتنا ونضع المصطلحات العربية المناسبة لكل جديد ترصده تلك المراكز؛ ليصل بمسمى عربي منذ ظهوره، وليس كما هو الحال اليوم نضع المصطلحات العربية مقابل الأجنبية من بعد انتشار الأجنبية، فلا يعلم أحد بالعربي، فيضطر الغالبية لجهلهم بالعربي، أن يستعملوا المصطلح الأجنبي. ثم ندرس العلوم وجديدها بلغتنا كما هو الواقع في كل الدول المتقدمة المتحضرة، وتجعل اللغة الإنجليزية أو غيرها لغة ثانية للتعليم الجامعي أو ثقافة ليس إلا كما تدرس اللغات الأخرى الدول المتقدمة.
فالتاريخ الإسلامي يسعفنا، وكأنه يعيد نفسه ويحثنا أن نكرر التجربة الناجحة التي خطاها أجدادنا فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من مجد وسبق في مجالات العلوم، والعالم كله يدرك ذلك التميز العربي الإسلامي السابق، فما وصل العرب لذلك المجد إلا من بعد أن ترجموا ما عند اليونان والهنود والفرس أصحاب الفن والثقافة قبلهم فنقلوا ثقافتهم وترجموها للعربية، وأضافوا إليها وأبدعوا فيها بالعربية، في وقت لم يكن لهم أي معرفة سابقة بها، فأخذوا زمام العلوم والإضافة إليها بالإبداع، وظهر العلماء العرب والمسلمون في جميع المجالات، فصار العلم عربيًا كما هو اليوم إنجليزيًا، وتعلم العالم لغة العرب وعلومهم. فلم يدرس العرب اللغات التي كانت العلوم به؛ لأن إنشاء دور للترجمة أسهل من تعلم عدة لغات، وأسهل من تعليم الكل لغات غير لغتهم فنرهق الشعوب، ونطمس هويتنا بأيدينا، فينطبق علينا قوله تعالى: ( يخربون بيوتهم بأيديهم )، فنحن بين تلك التجربة العربية الإسلامية الناجحة المشابهة لواقعنا، والتي عز بها العرب والمسلمون فعزت لغتهم، وبين الاستمرار في تجربة وضحت لنا معالم فشلها، وما زلنا نعاني منها، ويرجع جزء كبير من تردي واقعنا الثقافي واللغويّ والحضاري إليها.
فعلى الحكومات والساسة والمؤسسات والمثقفين العرب السعي لإعادة تلك التجربة العربية، والعمل لحماية اللغة العربية، بسن قوانين لحمايتها، والحد من العبث بها، من قبل الساعين لتهميشها، أو الجاهلين بها، فالكل في عالمنا المعاصر يسعى للسيطرة اللغوية، وتعزيز وجود لغته، فلندخل هذا السباق بلغة عظيمة نثق ونعتز بها وبقدرتها على استيعاب العلوم كما أثبتت ذلك من قبل. إنني لست خائفا من انقراض العربية وزوالها، فالدين الإسلامي والقرآن الكريم يخلدانها عندما تكفل الله بحفظ كتابه، وكما قال أحد الكتاب : ولو أردنا أن نقرأ على لغتنا العربية صلاة الجنازة لقرأناها بالعربية!. وإنما أنشد الحفاظ على قيمتها وصدارتها والحفاظ عليها من الدخيل الأجنبي من الكلام، وصونها والتدريس بها في كل المراحل وكل العلوم؛ ليكون إسهامنا في الحضارة بلغتنا وبهويتنا، ولن يكون لنا إسهام ورقي بدونها كما أوضحت، فنحن لسنا عربا إلا بها.

محمد بن سعيد بن علي البوسعيدي
(المقال الحائز على المركز الرابع في مسابقة المنتدى الأدبي 2013م)

إلى الأعلى