الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “فن تشكيلي في طور التشكل” .. لمحة عن الفن التشكيلي القطري

“فن تشكيلي في طور التشكل” .. لمحة عن الفن التشكيلي القطري

بعيدا عن المجاملات والكلام المنمق حول الحديث عن مستويات عالمية وصلت لها الحركات التشكيلية بدول مجلس التعاون.. أقولها كما يملي عليَّ ضمير الكاتب في أعلى تجليات الصدق .. “الفن في منطقة الخليج لا زال في بداياته وأمامه الكثير ليوازي الحراك التشكيلي العالمي”.

أضع رؤيتي النقدية هنا وأنا أكن لدولة قطر وشعبها كل حب وتقدير.. حبٌ قد حرك قلمي بعد توقف خلال الفترة الماضية عن الكتابة النقدية في الشأن التشكيلي. فأرجو أن لا تؤخذ رؤيتي النقدية هذه على أنها شكل من أشكال الإنقاص أوالإجحاف بالجهود المؤسسية أو الفردية التي بذلها ويبذلها المضطلعون بالفن التشكيلي القطري، إنما هو فتح نافذة على واقع التشكيل في دولة قطر بقصد تثقيف الجمهور العُماني والمساهمة في إحياء الفعل النقدي التشكيلي الذي بدأ في الفتور في الوطن العربي بشكل عام وفي منطقة الخليج بشكل خاص.

ولا شك بأن هذا المقال لا يحتمل تلخيص الواقع التشكيلي بمجمله وإنما هو لمحة – ولكنها متفحصة- لهذا الواقع والذي تم تقديمه رسميا من خلال معرض “الفن القطري المعاصر” الذي افتتح مساء يوم الأربعاء ١٧ من ابريل واستمر الى تاريخ ٢٣ الجاري بمقر الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية. اذا فالهدف هنا هو البناء وليس الهدم، الصدق وليس المجاملة.

١. وصف عام للمعرض ومحتوياته

احتوى المعرض على حوالي ٤٤ عملا تشكيليا اختلفت اتجاهاتها وأساليبها الفنية، وتقاربت مواضيعها وصياغاتها وطرق التنفيذ، ورغم سيادة المدرسة الواقعية على معظم الأعمال إلا أن هناك بعض الأعمال ذات الاتجاهات السريالية والانطباعية والتجريدية والتجريبية ولكن بشكل أقل، مع بعض الأعمال ذات الطابع الحروفي.

كان عدد المشاركين ٢٣ فنانا وفنانة، كما جاء بقائمة الأسماء المدرجة بكتيب المعرض- من ضمنهم عدد لا بأس به من الفنانين القطريين المعروفين، كأمثال حسن الملا ويوسف السادة واحمد الحمر ود. منيره المير، لكن السلبي اختفاء أسماء قوية كفرج دهام وسلمان المالك وهنا يكمن التساؤل لماذا حمل المعرض هذا الاسم “الفن القطري المعاصر” في ظل غياب أسماء عُرفت بتمثيل الحراك التشكيلي القطري خلال العقود الثلاثة الماضية.

٢. مفارقات

رغم أن لمثل هذه المعارض دورا كبيرا في إطلاع المثقف والفنان العُماني والمقيم على أرض السلطنة بالنشاط التشكيلي العربي وما وصل اليه الحراك التجريبي للفنون البصرية، إلا أن عنوان ومحتويات المعرض تقول غير ذلك، فوصفه بالمعاصر ليس دقيقا فهناك من التجارب القطرية ما يستحق أن يسلط عليها الضوء وتقدم في مثل هذا المعرض، كذلك على مستوى الاعمال ليست بالقوة التي تستحق أن توصف بأنها معاصرة، نعم هي معاصرة بالنسبة لتجربة قطر ولكنها ليست كذلك على الخارطة العالمية فهي تجارب متواضعة وفي طور التَشَكُل. شد نظري أيضاً اختلاف الاسم الرسمي الخاص بالجمعية القطرية للفنون التشكيلية باللغة الانجليزية فهي مكتوبة على غلاف الكتيب (Qatar Fine Arts Association) في حين كتبت (Qatar Fine Arts Society) على جدار مدخل الجمعية بكتارا كما وضحت ذلك صورة وضعت بداخل الكتيب. وهذا طبعا ينسحب على شكل الشعار المختلف أيضاً، وهنا أتساءل ما القصد من هذه الإزدواجية في المسمى وكيف يفوت ذلك على المسؤولين القطريين، أم ان هناك تفسيرا آخر لا نعلمه.

أما بالنسبة إلى الأعمال فكان معظمها تدور في فلك المدرسة الواقعية وتتناول المواضيع البيئية كالطيور والخيول أو المواضيع التراثية التي صورت المعمار القطري القديم ولا أنتقص أنا هنا من أهمية تناول مثل هذه المواضيع من قبل الفنان، لكني لا أجعلها في مقدمة ما يجسد التشكيل القطري وأصفها بالمعاصرة Contemporary فالفن المعاصر العالمي تعدى هذه التجارب بمراحل ما بعد الحداثة والفن المرتبط بالمعرفي، وللإنصاف هناك تجارب فنية جيدة ظهرت بالمعرض من أمثال احمد الحمر وحسن الملأ ونعيمة القاسم ود.منيرة المير، فلوحاتهم تعكس اطلاعا دائما وتجريبا مستمرا وهذا شيء يحسب لهم.

٣. رؤى للنهوض بالواقع التشكيلي القطري

لا يعني أن أقدم رؤيتي هذه بأنني صاحب تجربة تشكيلية رائدة أو أنني قد وصلت وغيري لم يصل، فإني مجرد فنان تشكيلي لا زلت في مرحلة النمو ودائم التجريب، أو أصف بأن حركتنا التشكيلية العُمانية قد نضجت وبدأت في تصدير نجاحها لبقية المؤسسات التشكيلية بدول المجلس، لا أكتب هذا المقال بناء على هذا التصور، فجميع المشتغلين بالتشكيل في منطقة الخليج لا زالوا في مراحل النمو الأولى، فالفنان الحقيقي هو دائم التجريب وفي سعي مستمر للتطور والنمو هو منافس لنفسه قبل أن يكون منافسا لغيره. لكن كما أسلفت طاقة الحب للفن في هذه المنطقة تدفعني للنقد البناء الذي أسعى دائماً أن يكون موضوعيا ومتأنيا.
اعتقد بأن الفن القطري المعاصر يحتاج إلى الكثير من الجهد والحراك المخلص مستفيدا من الوضع المادي الجيد الذي قد يعمل فرقا كبيرا في إعادة صياغة التشكيل القطري المعاصر، فالفنان القطري يحتاج إلى محترفات تطلعه على اللغات التشكيلية البصرية المتعددة وتسهم في تدريبه على أساليب جديدة توثق النمو المضطرد لهذا البلد الجميل.

د.سلمان الحجري
أستاذ الفن والتصميم المساعد بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى