الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عندما أحلم تحت ظل الرمال لـ “حمد الجابري”

عندما أحلم تحت ظل الرمال لـ “حمد الجابري”

نقف اليوم أمام تجربة الفنان التشكيلي حمد الجابري.. هذا الفنان صاحب النظرة العميقة في أعماله التي تبحث عن اللقطة الفلسفية في عمق عالمنا المرئي ليسجل بعدها مشاهداته عبر سطوح اللوحات وحزمة الألوان التي يملكها ليرسلها للرائي في انعكاسات متجددة من العلاقات المتحركة المليئة بالتواترات والتبادلات والإيقاعات اللونية أو الشكلية ويجعلها تتسلل إلى السطوح بخفة وحيوية وألق. فكما هو متعارف عن الفن أنه متبدل نابض يخضع لديناميكية الحركة فإن هذا الفنان مُذ عرفته كان وما زال يتعاطى هذا المفهوم في أعماله ويستند إليه وفق أطر محددة أو مستعارة طالعة من العمق العفوي أو داخلة فيه ، لذا نجد مفرداته الفنية التي تعبر عن هذا المفهوم تُصاغ من خلال هذه الديناميكية التي تتحرك على أفق تاريخي وجغرافي وتوجه محلي شعبي عبر مفرداته المستخدمة وعبر هذه الأرض بانبساطاتها المتنوعة ومشاهداتها المختالة ، وأدرك بأن الأحاسيس دائماً ما يُعبر عنها من خلال التنوع البشري والثقافي فلجأ إلى دراسته للوصول إلى المعالجة الفنية البارعة لتحقيق رؤيته الفنية عبر مزجها بالنور المتحرك على مسرح الحياة الكاشف للتعابير والعادات والانفعالات ، ووفق هذا الهدي رصد لنا الفنان مشاهداته وقدمها للمتلقي وفق رؤيةٍ عصريةٍ متألقة متشبثة بروحية العمل الفني وإبهاره الفكري، لأن هذه الرؤية متى ما تم التعامل معها بهذه الكيفية ستصل بالفنان إلى إقامة صلات مع العوالم الأخرى والغوص في عمق الحياة وألوانها المختلفة لتحقيق ذاتٍ إبداعية خالصة ترفد مفهوم الأصالة الفنية بِدم جديد.
وعبر هذه البوابة سنقف مع هذا العمل الذي اخترناه ليمثل جانباً بسيطاً من تجربة هذا الفنان الشاب والمثقف، فحسب المعطيات الشكلية التي استخدمها الفنان في عمله وهي جزء من مقدمة الحصان لحظة قفزه التي تجسد لنا قوته وهيبته من خلال تقاسيم قدميه ومقدمة صدره فإننا نشعر بعظمة هذا القادم من بعيد الذي يقفز عالياً فوق العالم الذي تحته ، ومثّله برموز بنائية للمدينة تحمل في كنهها اضطرابات خطية عند صعودها للأعلى مُعبرة عن حالة عدم الثبات، ومن واقع العنوان الذي أخصه الفنان لهذا العمل يظهر لنا جانباً من مقصده الذي نستطيع أن نستقرئه وفق رؤيتنا الشخصية ، فكأن الفنان هنا يذهب بخياله الحالم وبكل شموخ وهيبة عالياً فوق ما يراه من مدن تتزين بجمالها وزخارفها وثراء ألوانها والتي قد تندثر في يوم ما أو لحظة ما وتصير رمالا كما حدث لكثير من مدن الأمم السابقة وما عاشته من ملاحم تاريخية غيرت طبيعتها وشكل الحياة فيها ، فهذه الحياة الأسطورية المعاشة لم تمثل له سوى شكل من أشكال الخيالات المتضاربة المستمرة في تقلباتها ، فآثر القفز فوقها ليذهب بعيداً إلى عالم آخر جديد يراه أكثر أمناَ واستقراراَ ، فهي إذن روح الفنان ورؤية للبعيد ممزوجة بخيال سوريالي حالم اجتهد الفنان في تحويره رغبة في نقض شكله وأعاد تركيب موضوعه بعد تحليله بمنطق ذاتي متحرر من القيود الواقعية ليرسم لنا فكره الخاص خارج المألوف والواقع الموضوعي. وأختم خاطرتي تجاه هذا العمل بمقولة مُعبرة للفنان الروسي فاسيلي كاندنسكي أحد أشهر فناني القرن العشرين عن الإنعكاسات التي ترسلها الأشكال والهيئات في العمل الفني فيقول ” إن الذي لا غنى عنه هو نوع من الفن يخاطب الروح أكثر مما يخاطب العين ، أشكال وهيئات تنبثق دون إشعار من اللوحة عند تأملك لها وليست تركيبات هندسية بيّنة ، مثل هذه (التركيبات الخفية) قد تتكون من (أشكال عشوائية) في ظاهرها دون علاقة محددة لدى المتلقي العادي. غير أن الغيبة الظاهرة لمثل هذه العلاقة إنما هي دليل وجودها الباطني، والذي يبدو ظاهره مفتقراً إلى التماسك قد يعبر عن انسجام باطني، فتلك الأشكال التي تبدو مترابطة نوعاً ما إنما هي في الحقيقة متماسكة بدقة شديدة، وفي هذا الاتجاه يكمن مستقبل بنية الرسم.”

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى