الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (122) : العربية ودعوة الإسلام

نافذة لغوية (122) : العربية ودعوة الإسلام

يمثّل مجيء الإسلام انعطافاً خطيراً في حياة العرب واللغة العربية بما جاء به من قيم ومفهومات مغايرة لمعظم ما يتّصل بالعادات والعبادات والعلاقات الإنسانية ، ووضع بمجيئه اللغة العربية أمام امتحان عظيم كان عليها ـ كي تثبت مقدرتها الفكرية وغناها ـ أن تجتاز هذا الامتحان باستجابتها الكافية واستعدادها لاستيعاب هذا الفكر السماوي الجديد، وإيفائها بمتطلبات الإفهام ووسائل التعبير عن روح الحياة العقلية الجديدة ، ولقد سجّل التاريخ للعربية انتصارها الواسع أمام هذه التجربة الكبيرة بما يلمسه العالم كلّه إلى اليوم شاهداً حيّاً يتمثّل في ألفاظها الباقية على ألسنة الناس عرباً وأعاجم.
لقد عالجت العربية حاجة الفكر الجديد لغوياً باكتفاء ذاتي، كما يقول المحدثون، فطوّرت من دلالات ألفاظها ، وتوسّعت في القياس واستعارت ، ولجأت إلى المجاز والرمز والتشبيه، وبرهنت على حيويّة لا تُجارى في ابتداع المعاني وتوليدها وحسن توظيفها. فمن الألفاظ العربية التي أضفى عليها أصحاب اللغة دلالة إسلامية خاصّة لم تكن فيها لفظة (المِئْذَنة) التي أصلها الاشتقاقي من الأُذُن، عضو السّمع المعروفة ، وقد خُلقت غضروفيّة ـ فسبحان مَن أسمع بعظم كما أبصر بشحم وأنطق بلحم ـ ومنها كانوا يقولون للرجل السّامع من كل أحد: أُذُن. والأَذَان من التأذين كالسَّلام من التَّسليم ،وأصل معناه: الإعلام والإعلان ، يقال: أَذِنَ بالشيء إذْناً وأذَاناً: عَلِمَ … وأذَنْتُكَ بالشيء: أَعلمتُك ، ثم اختصّ وقت الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ معلومة مأثورة. والمِئْذَنة: موضع الأذان للصلاة. ولا يقع الباحث في كتب اللغة على ما يدلّ على معرفة العرب للمئذنة بهذا المعنى قبل الإسلام.
ومن ذلك (القِبْلَة) وتعني في الأصل اللغوي: الجِهة بعامّة ، يقال: من أين قِبْلتك؟ أي من أين جهتك ، ثم خُصِّصت دلالتها بعد الإسلام بناحية الصلاة.
ومنه أيضاً (الفِقْه) وأصل معنى الفِقْه: العلم بالشيء والفهم له ، يقال: فَقِهَ فلان فِقْهاً بمعنى عَلِمَ علماً ، ثم اختصّ الفِقْه دلالةً بعلم الدِّين ، وهو عبارة عن العلم بالأحكام الشرعيّة الثابتة لأفعال المكلّفين خاصّة.
ومن ذلك (السُّنَّة) وتعني الطريقة والسِّيرة ، وخُصِّصت بسُنَّة الرسول وهي ما أمر به ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً وتقريراً ممّا لم ينطق به الكتاب العزيز.
ومن هذه الألفاظ (الكبائر) وأصلها في اللغة من الكِبَر وهو نقيض الصِّغَر يقال: كَبُرَ كِبَراً وكُبْراً فهو كبير وكُبَار وكُبَّار. ثم اصطلح على مفهوم الكبائر بعد الإسلام على الذنوب المنهي عنها شرعاً.
ومثل ذلك (التَّكبير) الذي يرجع لغةً إلى المادة نفسها ثم اختصّ التكبير بالصلاة وهو في الاصطلاح الفقهي تكبيرة الإحرام التي تُفتتح بها الصلاة.
ومن الباب لفظة (الصَّدَقة) والأصل اللغوي لها: الصِّدق الذي يعني الصِّحّة والاستقامة في القول والعمل ، ثم تخصّص هذا المعنى بالصَّدقة ليدلّ على ما أعطيته في ذات الله للفقراء.
ومثله (التَّقوى) التي أصلها من وقيت الشيء إذا صنته وسترته عن الأذى ، وقد تَوَقَّيْت الشيء واتَّقَيْته إذا حَذِرْته ، ومن ثم أصبحت في الإسلام تعني الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل ، أو هو على ما قاله الإمام علي كرَّم الله وجهه: ترك الإصرار على المعصية وترك الاغترار بالطاعة.
ومن ذلك (المِنْبَر) ويدلّ أصل مادته على الارتفاع ، ومن معنى العلوّ والارتفاع سُمِّي المِنْبَر ، ثم خُصِّص أكثر ليدلّ على منبر الخلافة ؛ لأنه كان عندهم من مراسيم تولّي الخليفة أن يخطب في الناس من على منبره الخاصّ.
ومن هذه الألفاظ ( السُّورة ) التي تعني كل منزلة رفيعة ، ثم تخصص هذا المعنى ليدل على سور القرآن الكريم وذلك بارتفاعها لأنها كلام الله. وقيل: من سور المدينة لإحاطتها بآياتها.
كما أن لفظة (الآية) في أصل معناها العلامة الظاهرة ، ثم خصصت لتدل على طائفة حروف من القرآن عُلِمَ بالتوقيف انقطاع معناها عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن ، وعن الكلام الذي قبلها في آخره ، وعن الذي قبلها والذي بعدها في غيرهما غير مشتمل على مثل ذلك. وقِس على ذلك لفظة الرُّكوع والسُّجود والإحرام والطَّواف وغيرها من الألفاظ التي لها دلالاتها القديمة والتي طوّرتها العربية لخدمة الدِّين والفكر والحضارة العربية الإسلامية ، وقد عبّر ابن فارس رحمه الله عن ذلك بقوله في كتابه الصاحبي في فقه اللغة العربية: ( كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم. فلما جاء الله جلّ ثناؤه بالإسلام حالت أحوال ، ونسخت ديانات ، وأبطلت أمور ، ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت ، وشرائع شرِّعت ، وشرائط شرطت. فعفّى الآخرُ الأولَ ).

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى