الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ

سبات

عيناي تعانيان من ثقل شديد ..أوشك أن أهوي في قاع الموت.. أنا الواقف على بحر الظلمات. . تتجاذبني الرؤى وتعربد بي الهواجس والأحلام ..أحاول النطق فيحول بيني وبينه الخوف ..أجرب الصراخ ..يختنق صوتي وأزلزل زلزالا شديدا.. فأصحو فجأة وأنفاسي تصّاعد في السماء.
- ما الذي دهاك أتكلم نفسك في النوم؟
- أناااااااااااااااااااااااااااااا؟!
- نعم أنت .. كنت تهلوس ..قبل قليل و..
- أشششششش ..اسكتي يا حرمة وناااااااااااااامي !

*******
- منذ متى وأنت في الحمام ؟
- ما هذا السؤال الغريب العجيب؟!
- خيل إليَّ أني أسمع شخيرك المعتاد ..هل كنت نائما على المرحاض؟!
- هل جننت يا امرأة؟!!!
استحييت أن أقول لزوجتي ..أنّ ما تخيلته كان عين الواقع .. فمنذ فترة صرت بالفعل لا أشعر بالوقت الذي أقضيه في دورة المياه.. أدخله بإرادتي وما أن أمضي فيه برهة حتى يتلبسني جني النوم فتهوي بي ريحه في واد سحيق.
*******

في الشارع السريع تغدو زحمة السيارات شيئا معتادا ..هذا الصباح مكتنز باللاشيء.. تشعر بثقل شديد في رأسك.. وتنميل في أطرافك .. تتثاءب بغير إرادة ..
- آه.. متى أصل إلى عملي وأجلس على مقعد مكتبي الناعم الوثير.
جفناك ينطبقان رغما عنك.. توشك على الاستسلام لسنة نوم جديدة.. ينتشلك صوت زميلك الجالس عن يمينك منتبها لقيلولتك المبكرة :
- لا تنم يا صاحبي ..ستقتلنا
- هااااااااااااااااا
- تنح جانبا وسلمني مقود السيارة ..أنت نصف نائم
- لاااااااااااااااااااااااااااااا

*******

الحاسوب المحمول فاغر فاهه أمامي.. لكن مالي لا أقوى على إبصار شاشته ..سلاسل من حروف متراصة ..صور متداخلة.. ضباب يغشى المكان ..خدر لطيف يداعب الأطراف.. وسن خفيف يلوح في الأفق.. برودة الغرفة والسكون يطبقان على كـــــــــــل شـــــــــــئ .. كـــل …..شــئ….كــــ…..ـــــل..شــ…..ــئ
- اي هاااااا ….صح النوم !
- هاااااااااااااااااااااااااااااااااااه
- هذا مكان عمل رسمي وليس غرفة نوم .
- آآآآآآآآآآسف.. آسف يا سعادة المدير لا أعرف كيف .. كيف “سنت عيني” ؟
- سنت عينك!!هههههههههههههه .. لقد كنت تشخر يا أستاذ !
- ولكن أنـــــ..
- اسكت ولا كلمة.. وبعدك تتكلم.. يحال للاستجواب فورا.

*******

- أقسم أنني أراه أحيانا أثناء عودتنا من الدوام.. يصفع نفسه أكثر من مرة أو يهوي بيديه على فخذيه ضاربا إياهما بقوة كلما تمايلت سيارته أمامي.
- ولماذا يفعل ذلك.. هل الرجل مجنون !
- سألته فأجابني أنه يفعل ذلك فقط حينما يكون بمفرده في السيارة خشية أن يخطفه النوم فيتسبب في حادث مميت يودي بحياته
- إذن لم ينكر تلك الأفاعيل الغريبة !!.
- مطلقا .. بل على العكس اعترف لي بأنه يقوم بأشياء أخرى أشد غرابة .. ليطرد النعاس من جفنيه.
- مثل ماذا ؟
- يصرخ ويضحك بهستيريا دونما سبب ..أو يرفع من صوت المذياع لأعلى مدى ممكن ويشتم المذيعين شتائم نابية مفتعلا غضبا وعراكا متخيلا معهم فقط حتى لا يستسلم للنوم أثناء قيادته!!!!!
- يا له من رجل أحمق غريب الأطوار!!

*******

وكالات الأنباء طيرّت خبرا عاجلا: ” دراسة فرنسية تتوصل إلى أن سائقي السيارات الذين يغالبون النعاس لا يقلون خطورة عن السائقين تحت تأثير الكحول؛ ففقدان أربع ساعات من النوم ينتج عنه ضرر مماثل لشرب ست عبوات من الجعة وإذا لم تنم ليلة كاملة فهذا يعادل أن يكون مستوى الكحول في دمك 0،19 بينما يعتبر الشخص مخمورا إذا بلغ مستوى الكحول في دمه 0،08 بالمائة فقط “* يا إلهي هل هذا هو سبب الحوادث الكثيرة في بلادنا الحبيبة؟.. لو كنت مسؤولا كبيرا في البلاد .. لمنعت السهارى من قيادة السيارات منعي للسكارى.

*******

يوم الجمعة يعلو صوت خطيب الجامع بصدق وإيمان.. يهتز من تحته المنبر.. فتدمع الأعين.. وتخشع القلوب .. يدعو المصلين إلى محاسن الأخلاق.. وفضائل الأعمال ويذكرهم بالآخرة وعذاب النار….الخطبة مطبوعة.. في كتيب جميل ذي غلاف مصقول ..يحمل نقوشا بديعة.. وختما رسميا.. يجاهد الخطيب حتى لا تنحرف عينه عن السطر الذي يقرؤه.. وبينما الجميع منتبه للخطيب.. ومنصت للخطبة ومعانيها الجليلة السامية .. تبقى أنت الوحيد غافلا .. مطأطئا رأسك وقد علتك سحابة من رقاد.. لا يخشع قلبك لذكر .. ولا تستجيب حواسك لعبرة.. تضم رجليك إلى بطنك وترخي عنقك على صدرك.. وبعينين نصف مغمضتين تسلم جوارحك لسلطان النوم وقد غفوت بإجماع المذاهب .. فلا تصحو بعدها إلا على هزات الناس ودفعاتهم تنبئك أن قد قامت الصلاة .. قد قامت الصلاة.

*******

- أنت مصاب بمرض النوم.(قال له الطبيب الثرثار)
- مرض النوم؟!!
- دون شك.
- والعلاج ؟
- لا علاج للأسف.. فهذا مرض وراثي .. مزروع في جيناتك.. لو كنت مكانك لأخذت يوميا قسطا كافيا من النوم !!! ولحرصت على أن يكون لي بين غفوة وأخرى فترة مريحة طويـــــــــــــــــــلة من الرقاد !..بالمناسبة.. هل تعلم أن مرض النوم في أفريقيا تسببه ذبابة تسمى تسي تسي.. وأن الإنسان الطبيعي ينام ثلث سنوات حياته ليحيا ويعمل في الثلثين الباقيين !! وأن تشرشل كان يسرق لحظات لا تتعدى العشر دقائق للنوم عدة مرات في اليوم .. ليراه هتلر مستيقظا كالعفريت طوال الحرب العالمية الثانية!.. وأن ياسر عرفات كان لا ينام في فراش واحد لمرتين .. وعندما تخلى رحمه الله عن عادته الحذرة تلك واطمأن للصهاينة.. سمّمه شارون الذي ظل هو الآخر أسير نومة الموت أو غيبوبته لسنوات قبل أن ينفق.. وأن أنصار غاندي ناموا تحت عجلات القـــــطــــ….
- يكفي هذا يا دكتور.
- هااااا وماذا قررت بشأن مرضك؟
- قررت الأخذ بوصفتك ورحم الله من قال :
يا ناس لا تتكلموا ………. إن الكلام محــرم
ناموا ولا تستيقظوا……… ما فاز إلا النـــوم.
تمت

سمير العريمي

إلى الأعلى