السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

التشكيك بالقدرات الخارقة للقوات الأميركية وأسلحتها المتطورة أهم بذور المقاومة
الحلقة الرابعة عشر
في يوم واحد قُتل ثلاثة جنود أميركيين في سامراء التي تبعد عن بغداد حوالي مائة كيلومتر، ومن أهم اثارها التاريخية (ملوية سامراء)، والقتلى من الجيش الأميركي هم كل من (Richard p.Carl) وعمره 26 سنة من ولاية كولورادو، وسقط مضرجا بدمائه على أرض سامراء، وفي اليوم نفسه وفي المنطقة ذاتها قتل (Hansen.Gukeisen) وكان في الحادية والثلاثين من عمره، ويحمل رتبة ضابط صف في الجيش الأميركي أما القتيل الثالث فهو (Brain k. Van Dusen) ويبلغ من العمر 39 عاما، وهو برتبة ضابط صف من ولاية اوهايو، متزوج وله ولد عمره عامان وبنت ستة اعوام.( 66)
وكان هؤلاء على متن طائرة هيلوكوبتر التي استهدفتها نيران رجال المقاومة، ورغم أن الجيش الأميركي قد أصدر بيانا قال فيه، إن سقوط الطائرة ما زال قيد التحقيق، ونقلت وكالات الأنباء عن ضباط أميركيين اعتقادهم أن الطائرة قد ارتطمت بأسلاك نقل الطاقة الكهربائية، ما تسبب بسقوطها ومقتل الجنود الثلاثة الذين كانوا ضمن الطاقم، إلا أن ما يكذب هذا الإدعاء، أن التيار الكهربائي كان منقطعا تماما في عموم انحاء العراق، بعد أن توقفت جميع محطات انتاج الطاقة الكهربائية في العراق وتعرضت إلى عمليات نهب، كما أن أسلاك نقل الطاقة تعرضت قبل التاسع من مايو بشهر(وهو يوم مقتل الأميركيين في سامراء) إلى النهب من قبل عصابات باشرت هذه العمليات منذ يوم التاسع من ابريل 2003، لذلك فإن الرواية الأميركية تصطدم بواقع يؤكد أنها واحدة من المزاعم التي اعتمدها الجيش الأميركي في بياناته، التي طالما أراد من خلالها التقليل من حجم خسائره، وفي اضطراره للاعتراف بحصول مثل هذه الخسائر، كما هو الحال في إسقاط المقاومة العراقية للمروحية الأميركية يوم التاسع من مايو 2003، وصادف ذلك اليوم مرور شهر كامل على دخول القوات الأميركية مدينة بغداد في التاسع من أبريل، وفي اعتراف لقائد السرب الذي كانت هذه الطائرة من ضمن طائراته، قال الميجر وليام اشانس أن النيران اشتعلت في الطائرة التي سقطت بالقرب من سامراء على ضفة نهر دجلة، وقال ايضا أنه لوحظ تبادل إطلاق نار عندما وصلت مروحية ثانية قادمة من مطار تكريت، والتي قطعت الطريق خلال 15 دقيقة وتمكنت من الهبوط قرب مكان الحادث، وتأكد وجود جرحى حالتهم خطيرة، وتم سحب الطائرة الغارقة في نهر دجلة بمساعدة فريق الإنقاذ الذي وصل للتو على متن مروحية بلاك هوك.
في واقع الحال، لم نحصل على بيان يتحدث عن الهجوم على الطائرة الأميركية، إلا أن أبناء مدينة سامراء والمناطق المحيطة بها والقريبة منها مثل منطقة الاسحاقي والمعتصم، تناقلوا في نفس اليوم تفاصيل إسقاط الطائرة الأميركية، وهناك من أكد أنه شاهد بأم عينيه صاروخا يتجه نحو الهلكوبتر ويصيبها إصابة مباشرة، اشتعلت النيران إثر ذلك فيها، وحاول قائدها تفادي السقوط على اليابسة فإتجة بها صوب مياه نهر دجلة، اعتقادا منه، كما يبدو، أن السقوط على اليابسة يعني حصول إصطدام شديد بالأرض، ما يفضي إلى موت محقق للجميع، أما السقوط في مياه نهر دجلة، قد يحمل فرصة لنجاة البعض منهم.
إن إسقاط مروحية أميركية في هذه المنطقة (سامراء) قد أثار الشهية للحوار والجدال على أكثر من مستوى، وفي مقدمة تلك الحوارات، التي تدور بين العراقيين الذين وصلتهم بعض تفاصيل سقوط المروحية، تركز على التشكيك في بعض مرتكزات القوة الدعائية الأميركية، التي تعرض لها العراقيون على نطاق واسع ضمن برنامج الحرب النفسية (الصدمة والترويع) قبل بداية الحرب وتواصلت خلاله، وهناك فرضيتان أساسيتان في النقاشات والحوارات، الاولى، تقول أن الحادث قد يكون وقع بسبب خطأ ارتكبه الطيار واصطدم بأسلاك الكهرباء، ورغم عدم قناعة الجميع بذلك وهنا نتحدث عن حوارات في المجالس واللقاءات الاجتماعية في المناطق القريبة من سامراء، إلا ان تشكيكا قد بدأ يظهر في دقة الطيارين ومهاراتهم وقدراتهم على المناورة، وماتحمله المروحيات من مجسات الكترونية تكتشف أي جسم غريب قد يلحق ضررا بها، وهذه الفرضية أخذت تؤسس وإن كان في مساحة ضيقة جدا للتشكيك في مسالة (القدرات الهائلة) والتقنيات المتطورة التي يمتلكها الجيش الأميركي، وفي حال وجود هذه التقنيات ولم تنفع في تفادي أسلاك نقل الطاقة الكهربائية، هذا في حال وجود مثل هذه الاسلاك،فأن ذلك يقلل من حجم الصورة والهالة الكبيرة، التي رسموها على شكل قناعات ثابتة وصورة نمطية في عقول الاخر، وفي المقدمة من ذلك العراقيين، الذين ترسخت في أذهانهم تلك الصورة (السوبر مان الأميركي)، أما الفرضية الثانية فترجح أن سقوط المروحية كان نتيجة استهدافها بصاروخ (ستريلا) المحمول على الكتف والذي يصيب المروحيات التي تحلق على ارتفاعات واطئة، وهذه الفرضية أشعلت الحوار وبدأت تؤسس لإشعال الحماس عند البعض، فإذا استطاع شخص ضرب المروحية في وضح النهار وفي أرض سهلية منبسطة على ضفة نهر دجلة وتمكن من إسقاطها، ومعروف أن الأراضي المحيطة بسامراء زراعية، وليست هناك جبال ومرتفعات وكهوف، وتم تنفيذ الهجوم وإنسحاب المهاجم، دون أن ترد عليه أسلحة المروحيات، التي قيل كثيرا حولها ضمن حملة (الصدمة والترويع)، حيث قيل إن الأسلحة الرشاشة ترد على مصدر اطلاق النار الصادر من (العدو) خلال عدة ثوان وتدمر الهدف في الحال، إلا أن الرواية التي تناقلها ابناء المنطقة، لم تتحدث عن اطلاق نار ضد أي شخص، وأن القوات الأميركية، لم تسارع إلى البحث في المناطق القريبة عن (العدو)، الذي يفترض العراقيون أنه يجب أن يُقتل بالأسلحة الرشاشة الأوتوماتيكية، وبدون شك أن هذه الحوارات، فتحت في تقديري الابواب أمام واحد من أهم حقول بذور المقاومة، وهو التشكيك بالقدرات الخارقة للقوات الأميركية وأسلحتها المتطورة، هذا على صعيد الحوارات والنقاشات في الاطار المجتمعي العام، أما الحوارات الاخرى، فبالتأكيد كانت في نطاق ضيق جدا، ومن قبل طرفين رئيسيين، فلا بد من أن القيادة العسكرية الأميركية، قد أخضعت الهجوم على المروحية بهذه الطريقة والتمكن من إسقاطها إلى الدراسة المعقمة، لسببين، أولهما:
التأكد من وجود قوة مقاومة، لا تريد أن تنتظر مثل جميع المقاومات في العالم لسنوات لتبدأ طلقتها الاولى، وهذا أمر في غاية الخطورة، ولم يضعه الأميركيون في حساباتهم، وهو ما اعترف به نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفوتيز في وقت لاحق أثناء زيارته إلى بغداد اواخر يوليو 2003، وقال أننا لم نتوقع أن تتعرض قواتنا إلى إطلاقة واحدة.
بل أن قناعات الأميركيين، التي استندت إلى دراسات ومعلومات استخبارية واستقراء للواقع العراقي في ظرف مابعد الغزو، تذهب بإتجاه أن إطلاقة واحدة سوف لن يسمع الجنود الأميركيون في العراق، أما السبب الثاني، فهو السلاح الذي استهدف أهم عنصر في السلاح الأميركي في العراق، وهو المروحيات، وأن حصول هجوم بهذا الحجم بعد شهر على احتلال بغداد، وبعد مرور أكثر من اسبوع على إعلان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش النصر في العراق، فأن ذلك يؤشر مسألة خطيرة، تحتاج إلى تأمل ودراسة اكثرعمقا من قبل الأميركيين أنفسهم وتحديدا القيادات العسكرية.
من طرفهم الافراد أو المجاميع، التي بدأت تتشكل باعتبارها نواة لفصائل وكتائب وجيوش المقاومة العراقية، والتي سمعت أو نفذت هذا الهجوم، قد أصبحت أمام زخم معنوي كبير، يمكن استغلاله في ميدان تعبئة اكبر عدد ممكن من الشباب للانخراط في صفوفها، ومجرد التفاخر بين العراقيين بأن فلان أو المجموعة الفلانية تمكنوا من الثأر من الغزاة وأسقطوا مروحية لهم وقتلوا أو جرحوا عددا من جنودهم، وأثاروا الخوف والارتباك بين قواتهم، فأن ذلك يسهم في إشعال الحماس، وهو أهم عوامل نشأة أية مقاومة،وأهمية هذا الحجم من الحماس أنه يستند إلى فعل مقاوم ميداني، يثلم في تفاصيله الصورة النمطية الكبيرة التي تحمل تفاصيل القوة الأميركية الهائلة، وفي الوقت نفسه، يدفع بالبعض للإقتداء بهذا المقاوم أو مجموعتة التي ينتمي إليها لتطوير الفعل العسكري المتمثل بالهجوم وإسقاط المروحيات، والإسراع في وضع الخطط الكفيلة بزيادة مثل هذه الهجمات.
بعد أربعة ايام من إعلان الرئيس الأميركي بوش بيان الانتصار، تسلمت عوائل ثلاثة جنود أميركيين خبر إصابتهم في مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى (50كم شمال شرق بغداد)، هذه المدينة الى تُعرف بإسم مدينة البرتقال، حيث تشتهر بزراعة افضل أنواع الحمضيات في العراق، بدأت مشوارها مع قوات الاحتلال بسقوط ثلاثة جرحى أميركيين يوم الثلاثاء المصادف السادس من مايو 2003، ونحن هنا ما زلنا أزاء تناقض مما اعترف به الجيش الأميركي لعدم توفر مصادر اخرى، وهذا ما يقتضيه البحث العلمي، وقد اعترف الجيش الأميركي بذلك الحادث، وقال متحدث عسكري أميركي(67 ) أن الجنود الثلاثة تم نقلهم على الفور إلى مستشفى أميركي قريب في بلدة بعقوبة، واعترف المتحدث بأن اثنين من الجرحى إصابتهم خطيرة، ولم توضح وزارة الدفاع الأميركية حجم إصابات الجنود، ومن غير الواضح فيما إذا لقي حتفه واحد منهم، ويمكن القول أن هؤلاء الجرحى الثلاثة من اوائل خسائر القوات الأميركية في محافظة ديالى، التي شهدت بعد ذلك التاريخ بأسابيع وأشهر اشتعال المقاومة العراقية في مدنها وقصباتها، والتي تمتد على مسافات طويلة مع الحدود الإيرانية، كما ترتبط بحدود مع العاصمة بغداد ومن الشمال مع مدن كركوك وإلى الغرب مع صلاح الدين.
في التاسع من مايو 2003، تلقت صحيفة واشنطن جلوب في مقرها الرئيسي داخل الولايات المتحدة خبرا سيئا(68 )، عندما إتصل مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) بالصحيفة ليبلغهم خبر مقتل مراسلة الصحيفة اليزابيث نيومز(46) عاما، وتلقت عائلة الصحفية الخبر ايضا، وكانت اليزابيث قد أرسلت العديد من التقارير الصحفية، التي تحدثت فيها عن انتشار القوات الأميركية وسيطرتها على المدن العراقية، وبينما كانت في رحلة إلى بغداد قادمة من مدينة تكريت، حيث رافقت القوات الأميركية هناك أثناء عمليات دهم واعتقال نفذتها هذه القوات، لقيت حتفها، وبدون أدنى شك أن المقاومة العراقية التي تضع الصحفيين الذين يرافقون قوات الغزو هدفا مشروعا لهم، وهؤلاء الصحفيون يرافقون القوات الأميركية ويكون نومهم ومأكلهم مع هذه القوات،وتوفر قوات الاحتلال الأميركي الحماية لهم وترافقهم عربات للحراسة وللأمن الشخصي، ولم يتم تحديد المكان الذي لقيت فيه الصحفية من الواشنطن جلوب حتفها، إلا أن البنتاجون، قال، أنها لقيت حتفها بين بغداد وتكريت، ولم يتحدث شهود عيان عن هذه الحادثة، ولم أعثر في أدبيات فصائل المقاومة التي صدرت لاحقا وتحدثت عن بعض الهجمات إشارة إلى مقتل الصحفية، وكانت القوات الأميركية تسارع إلى قطع الشوارع وتمنع الحركة عندما تتعرض إلى أي هجوم من المقاومة العراقية، وفي واقع الحال لايستطيع أحد التعرف على هوية وطبيعة عمل ونشاط الاشخاص، الذين يتواجدون داخل عربات الهمر أو البرادلي وغيرها من ناقلات الجنود الأميركية المصفحة، لأن جميع العربات تتحرك ضمن رتل قتالي للجيش الأميركي. وبثت وكالة رويترز خبرا قصيرا عن مقتل الصحفية ونشرته الصحف الأميركية يوم السبت المصادف التاسع من مايو 2003، وإذا كانت أخبار مقتل الجنود الأميركيين بفعل هجمات المقاومة العراقية، قد أثار الخوف أو على الأقل حالة من الترقب لدى عوائل بقية الجنود، الذين تصوروا أن إعلان الرئيس جورج دبليو بوش عن انتهاء العمليات العسكرية في الاول من مايو، بمثابة رسالة طمأنة لهذه العوائل بعودة أولادهم وبناتهم إلى بيوتهم سالمين، ثم جاءت الاخبار المأساوية بمقتل عدد منهم قبيل ساعات من اعلان الرئيس من على حاملة الطائرات (ابراهام لنكولن)، وبعد ساعات وايام من ذلك الإعلان، أما مقتل الصحفية الأميركية فأنه الخبر الاسوء بالنسبة لوسائل الإعلام الأميركية، التي جندت عددا هائلا من المراسلين والمصورين لمرافقة القوات الأميركية إبان أيام الغزو في التاسع عشر من مارس، كما توافد العشرات من الصحفيين والكتاب بعد الاحتلال، لتغطية فصول (الانتصار) الأميركي في العراق، ومن ثم إرسال التقارير والمقالات والصور التلفزيونية، التي تشيد بإنجاز الجيش الأميركي في الحرب، وتعمل على خلق صورة أسطورية لهذا الجيش في مرحلة مابعد انتهاء العمليات العسكرية وتحقيق الانتصار التاريخي والكبير، الذي أعلنه الرئيس الأميركي والقائد العام للقوات المسلحة، وجاء مقتل الصحفية من الواشنطن جلوب المتخصصة في تغطيات الحروب في البوسنة وغيرها، منبها إلى أن هذه الحقبة في تاريخ أميركا، ليست بالصورة الوردية التي حاول أن
يرسمها السياسيون في البيت الابيض والقادة العسكريون في البنتاجون، وبدأت قناعات اخرى تنشأ بالتدريج، تختلف عن كل ما تم ترديده وتصويره أمام الرأي العام الأميركي والدولي، ومع تساقط القتلى والجرحى في العراق، بعد إعلان الرئيس الأميركي، إضطرت وسائل الإعلام إلى التنبيه إلى ماتنطوي عليه الأوضاع في العراق من متغيرات محتملة، وهذا ما دفع بوكالات الأنباء وكبريات الصحف إلى اعتماد إحصائية جديدة، لم تكن معتمدة قبل خطاب الرئيس الأميركي، إذ غالبا ماتؤكد وسائل الإعلام على أن أعداد القتلى بين القوات الأميركية قد بلغ عددهم كذا منذ بداية العمليات العسكرية في التاسع عشر من اذار 2003، وأن عدد القتلى بلغ (كذا) منذ إعلان الرئيس جورج دبليو بوش انتهاء العمليات العسكرية، في تأكيد واضح على أن العمليات العسكرية لم تنته في العراق، وأن ثمة قوة تتزايد وتمتلك الإرادة والإصرار على التصدي للقوات الأميركية والبريطانية وغيرها على أرض الواقع في العراق.
في الوقت الذي تصطاد المقاومة العراقية جنود الاحتلال الأميركي في بغداد وبعقوبة وسامراء والموصل والأنبار، فقد نفذ المقاومون العراقيون في ذات الوقت هجوما عنيفا في أقصى جنوب العراق، عندما هاجم ثلة من رجال المقاومة ثكنة عسكرية بريطانية في مدينة البصرة، واعترفت وزارة الدفاع البريطاني بالهجوم(69 )، وفوجئ الجنود البريطانيون بهجوم بالأسلحة الرشاشة والرمانات اليدوية ضد أحد مقراتهم العسكرية في البصرة، وتمكن المقاومون في هجومهم من قتل أصغر جندي في الجيش البريطاني هو (اندرو كيلي 18عاما)، واستهدف الهجوم أحد مقرات الكتيبة الثالثة من فوج المظليين، وبدلا من استمرار فرحة عائلة كيلي، التي غمرتهم بعد سماع اخبار الانتصارات في العراق، فإن الخبر الأسوء قد وصلهم عن طريق وزارة الدفاع البريطانية في لندن، وجرى تشييع كبير للقتيل الذي أرسلت جثته المقاومة العراقية من مدينة البصرة إلى مدينة كالنجتون في بريطانيا، وتم وضع حزام كيلي وقبعته على التابوت الذي حمله ستة من زملائه في الفوج، وحضر موكب التشييع والده روبرت كيلي، ووالدته وزوجها، وعبر جيف بادري ساسكس وهو قسيس من الجيش الملكي عن سعادته بما (أنجزه الجندي القتيل) في العراق، وقال في حفل التشييع، أنه نجح في العمل الذي طالما سعى إليه وقال أصدقاء له، أننا نشعر أنه حقق شيئا من خلال الذهاب إلى العراق، وأنه كان يريد أن يفعل شيئا في حياته، وليس مجرد الجلوس والوقت يمضي.( 70) (المصدر اذاعة البي.بي.سي البريطانية). وكان خمسة جنود بريطانيين لقوا حتفهم على أرض العراق خلال شهر مايو2003، وأُضيفوا إلى سجلات الجنود الذين سقطوا في الايام الاولى لنشأة المقاومة العراقية.
في أسابيع انطلاقتها الاولى، نفذت المقاومة العراقية هجمات في العديد من مدن ومناطق العراق، كما أن أهدافها لم تقتصر على إصطياد جنود القوات الأميركية فقط، ففي اليوم الذي قُتل فيه أحد جنود القوات البريطانية على أيدي المقاومين في مدينة البصرة، وهو التاسع من مايو2003، كان هناك هدف اخر، ليس من القوات الأميركية ولا من القوات البريطانية، ففي (9/5/2003)، تم إبلاغ قوات الاحتلال التشيكية المشاركة في احتلال العراق بسقوط أحد جنودها جريحا، واعترفت هذه القوات بأن الحادث حصل جنوب بغداد على بعد 150كم، وتم إعلان التفاصيل بعد أن لفظ جندي الاحتلال التشيكي أنفاسه الاخيرة في مستشفى براج(71 )، حيث تم نقله على وجه السرعة، بعد أن أصيب بجروح بليغة، وبموت الرقيب أول (بافل مورير)، تكون المقاومة العراقية قد أضافت إسما اخر إلى أهدافها من قوات الاحتلال، وهو أول قتيل من القوات التشيكية، وقال الميجر جنرال روتيسلاف مرزوك، نائب رئيس هيئة الاركان للقوات المسلحة التشيكية، أن مورير هو أول عسكري تشيكي يُقتل في أرض المعركة في العراق (72 )(وكالة اسيوشتيدبرس). وأعلن العقيد ميرو سلاف بارتوس مدير المستشفى العسكري في براج، أن الرقيب أول مورير قد أُصيب بجروح يوم التاسع من مايو، وتم نقله إلى مستشفى ميداني تلقى العلاج لمدة ثلاثة ايام، وفي (12/5/2003) تم نقله في طائرة عسكرية إلى براج، إلا أنه توفي (بسبب فشل أجهزة الجسم الحيوية)، ومورير في الخامسة والعشرين من العمر، من مدينة
برنو (200كم جنوب براج)، وكان اثنان من جنود الاحتلال التشيكي قد أصيبا بجروح، إلا أن مورير كانت إصابته خطيرة وفي منطقة الرأس.
لم تصل الاخبار السيئة إلى عوائل الجنود الأميركيين فقط، بل أن مواصلة المقاومة العراقية نشاطاتها وتنفيذ هجماتها في أماكن عديدة وضد جميع قوات الاحتلال، بما فيها البريطانية والتشيكية، قد قلبت في وقت مبكر قناعات وأمنيات عوائل الجنود التي أرسلت ابناءها إلى العراق، ولم يمر إلا إسبوع واحد على خطاب بوش، الذي أعلن فيه انتهاء العمليات العسكرية، مايعني انتهاء أي خطر يهدد جنود الاحتلال، حتى وصلت أخبار المقاومة العراقية إلى العواصم

المشاركة في الاحتلال، نتيجة لحضورها في انطلاقتها الاولى، وإثبات وجودها في أرض المعركة، وعندما نتحدث عن سقوط قتلى في أكثر من منطقة في الجنوب والوسط والغرب والشمال، ومن أكثر من جنسية من قوات الاحتلال، فإننا يجب أن لاننسى، أن المقاومة العراقية قد تمكنت من إرسال قتلى إلى ثلاث دول، هي الولايات المتحدة وبريطانيا والتشيك خلال الأيام الاولى من انطلاقتها، التي أشرنا إلى أنها بدأت منذ اليوم الاول للاحتلال في العاشر من ابريل 2003، وفي التاسع من مايو 2003، تمكنت من إرسال جثث القتلى من أرض العراق التي وقعت تحت الاحتلال أي بعد شهر واحد، وإذا كان القتيل الأميركي الاول قد سقط في أول يوم للاحتلال الأميركي للعراق وهو العاشر من ابريل، فأن أول بريطاني تقتله المقاومة في البصرة قد سقط في السادس من مايو ، كما سقط الجندي التشيكي الاول في مدينة واسط جنوب بغداد.
في العاشر من مايو 2003، فوجئ الصحفيون الغربيون بتظاهرة نظمها العسكريون العراقيون من جنود وضباط الجيش العراقي السابق،ونقل الصحفي الأميركي ريتشارد ليبي من صحيفة الواشنطن بوست تهديدات أطلقها المتظاهرون، وقال أن هؤلاء يطالبون برواتبهم، وفي الوقت ذاته يهددون بتجميع قوات ومحاربة الأميركيين، ورغم أن خطاب الذين خرجوا بهذه التظاهرة، لم يرتقي إلى الدرجة المطلوبة من خطاب المقاومة، لأنه ربط عدم المقاومة في حال حصل تسلم الرواتب، إلا أن له دلالات هامة، خاصة مايتعلق باللجوء إلى خيار المقاومة، ولم يتحدث هذا العدد القليل من المتظاهرين عن هذا الخيار، إلا نتيجة لانتشار الاخبار والمعلومات التي تتحدث عن هجمات ينفذ المقاومون العراقيون ضد القوات الأميركية، وهذا مايشجع البعض للبحث عن سبل تنفيذ هجمات مماثلة، سواء كانت بشكل فردي أو على شكل مجاميع، وهناك خيار البحث عن المجاميع من المقاومين الذين ينفذون تلك الهجمات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

66- اعتراف وزارة الدفاع الأميركية ونشرت تفاصيل عن القتلى المواقع الخاصة بخسائر القوات الأميركية في العراق.
67- بيان الجيش الأميركي وقد اعترف بمقتل الجنود يوم 5-5-2003.
68- اعلنت صحيفة واشنطن غلوب مقتل مراسلة الصحيفة اليزابيث نيومز(46 عاما ) في العراق في 9-5-2003
69- المصدر اذاعة البي بي سي والصحف البريطانية يوم 6-5-2003.وبيان وزارة الدفاع البريطانية التي اعترفت بالخسائر بين قواتها في البصرة بجنوب العراق.
70- نشرت الصحف البريطانية وموقع الب ي بي سي تصريحات الذين شاركوا بمراسم التشييع في لندن.
71- وكالة اسيوشيتدبريس اعلنت مقتل الجندي من التشيك في العراق ، وقد اصيب بهجوم للمقاومة في العراق يوم 9-5-2003 .
72- قالت اسيوشيتدبريس أن الجندي قد نقل إلى أحد مستشفيات براج يوم 12-5- 2003 إلا أنه توفى بسبب فشل كلوي نتيجة الإصابات التي تعرض لها خلال الهجوم على القوات التشيكية المتواجدة في جنوب العراق.

إلى الأعلى