الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل حقاً سينتهي الانقسام؟

هل حقاً سينتهي الانقسام؟

د. فايز رشيد

” .. كم من مرة جرى فيها الاتفاق بين وفدي حركتي فتح وحماس؟ نعم، أكثر من اتفاق تم التوقيع عليه من قبل الجانبين، ولكن لم يجر تنفيذ أي اتفاق منها. يعود الوفدان إلى مقرّيهما ويبقى كل شيءٍ على حاله، ويبدأ تبادل الاتهامات والاتهامات المضادة من قبل كلّ من الحركتين للأخرى. هذه الصورة كانت هي السائدة ولاتزال لدى جماهير الشعب الفلسطيني والأمة العربية،”
ـــــــــــــــــــ
المباحثات التي جرت في غزة بين وفدي منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس هي خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح فقد أسفرت عن اتفاق للمصالحة، نعم, الأوضاع الفلسطينية تمر في مرحلة حرجة ودقيقة تقتضي أن يتم تجاوز الانقسام وانجاز المصالحة والوصول إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية, وهي ورقة قوة لجميع الأطراف وفصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطينية. المباحثات أسفرت عن اتفاق بين الجانبين على تنفيذ اتفاقيتي القاهرة والدوحة، وتشكيل حكومة وفاق وطني من الكفاءات الفلسطينية في غضون خمسة أسابيع والاتفاق على مواعيد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية في غضون ستة أشهر. هذا الأمر يدعو إلى التفاؤل ولكن الحذر, فكم من مرة جرى فيها الاتفاق بين وفدي حركتي فتح وحماس؟ نعم، أكثر من اتفاق تم التوقيع عليه من قبل الجانبين، ولكن لم يجر تنفيذ أي اتفاق منها. يعود الوفدان إلى مقرّيهما ويبقى كل شيءٍ على حاله، ويبدأ تبادل الاتهامات والاتهامات المضادة من قبل كلّ من الحركتين للأخرى. هذه الصورة كانت هي السائدة ولاتزال لدى جماهير الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وهذا من جملة أسباب أدّت الى تراجع القضية الفلسطينية على جميع الأصعدة, والى تراجع المشروع الوطني الفلسطيني عقوداً إلى الوراء.
لذا من حق الشعب الفلسطيني والأمة العربية التشكيك في إمكانية تنفيذ الاتفاق, والنظر والترقب بحذرٍ بالغين إلى تجاوز الانقسام وعودة المياه إلى مجاريها, وبخاصة أن التناقض في كثيرٍ من المجالات لايزال قائماً سواء في النظرة السياسية للمشروع الوطني وعدم وضوح استراتيجية ورؤية سياسية جديدتين, فهناك تباين في وجهتي نظر كل من حركتي فتح وحماس على هذا الصعيد برغم التغييرات الحقيقية التي جرت على مواقف حركة حماس مؤخرا, والتي جعلتها في بعض المواقف قريبة إلى حد ما من توجهات السلطة الفلسطينية السياسية. من التناقضات أيضاً التنسيق الأمني بين السلطة والكيان الصهيوني والذي قال عنه الرئيس عباس: بأنه مهم ومن الضروري استمراره حتى لم لو يجر تمديد المفاوضات. نقول هذا لأنه في الوقت الذي كانت فيه المباحثات في غزة تدور بين الجانبين كان هناك اجتماعات أخرى تجري بين وفدي التفاوض الإسرائيلي والفلسطيني في القدس المحتلة برعاية أميركية (كان هذا قبل القرار الإسرائيلي بقطع المفاوضات مع السلطة احتجاجا على اتفاق المصالحة). من التناقضات أيضاً بين الجانبين: كيفية التنفيذ الفعلي لدمج أجهزة سلطتي رام الله وغزة, فبالمعنى الفعلي هناك أجهزة أمنية وشرطية وغيرهما لكل من السلطتين, وفي القطاع استطاعت حماس بناء أجهزة عديدة من أبناء الحركة والتابعين لها, وليس من السهل الاتفاق على دمج هذه لتكون أجهزة موحدة لسلطة واحدة في كلٍّ من رام الله وغزة. هذا على الصعيد الذاتي.
أما على الصعيد الموضوعي فإن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ستضغطان باتجاه إبقاء الانقسام الفلسطيني من خلال ممارسة ضغوط على الرئيس عباس لعدم الاتفاق مع حماس ( وقد بدأت بوادر هذه الضغوطات)، وهناك تهديدات بقطع المعونات الأميركية المقدّمة للسلطة, ومحاصرة حكومة التوافق الوطني المنوي تشكيلها وبخاصة أن عباس (ولو إعلامياً ) ما زال مصراً على الاشتراطات الفلسطينية لتمديد المفاوضات, والتي تم اختزالها إلى مسألتين:الأولى بحث جدي في ترسيم حدود الدولة الفلسطينية, والثانية تجميد الاستيطان بالطبع من المستحيل موافقة إسرائيل على الشرطين.(من الضغوطات: هناك تهديد اسرائيلي للسلطة بفرض عقوبات عليها). دولة الكيان الصهيوني ومنذ تأسيسها في عام 1948 لم ترسّم حدودها وهي ترفض ذلك, فالأحلام ما زالت تراود قسماً كبيراً من الإسرائيليين ( وبخاصة من المنتمين إلى الأحزاب الدينية واليمينية الفاشية) بتحقيق دولة إسرائيل الكبرى. أمّا وقف الاستيطان أو تجميده فالحكومة الحالية ورئيسها في غالبية أعضائها تؤمن بأن” من حق إسرائيل ممارسة الاستيطان على أرضها”والضفة الغربية بالنسبة لأصحاب هذا الحلم هي” يهودا والسامرة ” وحتى لو وافق نتنياهو على التجميد (وهذا من الاستحالة بمكان) فإن أطراف حكومته يهددون بالخروج منها وفرط الائتلاف.
ما كتبناه حول العوامل التي تباعد بين حركتي فتح وحماس وتجعل من تنفيذ الاتفاق بينهما مسألة صعبة. ذلك يقابل بعوامل تقرّب بينهما وتساعد على تجاوز الانقسام والوصول إلى المصالحة. من هذه العوامل: أن حركة حماس محاصرة من الجانب المصري بعد إسقاط حكم الإخوان في القاهرة وبعد قرار محكمة مصرية ( وهو قرار مؤسف) باعتبار حماس تنظيماً (إرهابياً), وقطع الاتصالات نهائياً معها. هذا يُضعف من سلطة حركة حماس في قطاع غزة وبخاصة أن القطاع يعاني حصاراً صهيونياً منذ سنوات طويلة، الأمر الذي يضع حركة حماس في مأزق ليس من السهل تجاوزه , لذا فإن تحقيق المصالحة يساعد الحركة ويُسهم كثيراً في تخفيف مأزقها.
بالنسبة للعامل الثاني وهو المأزق الذي تمر به السلطة الفلسطينية في رام الله بفعل أن الخيار الاستراتيجي الذي تبنته هو خيار المفاوضات والمفاوضات فقط, ووصول هذا الخيار إلى طريق مسدود تماماً بفعل الاشتراطات الإسرائيلية التعجيزية على الفلسطينيين. هذا الأمر يجبر السلطة على البحث عن خيارات بديلة تخفف ولو قليلاً من حدة مأزقها. هذان العاملان هما من أهم العوامل التي تجُبر كلاًّ من السلطتين على التقارب فيما بينهما، إضافة إلى أن المصالحة تشكل مطلباً وطنياً أساسياً من مطالب جماهير شعبنا الفلسطيني في كل مواقعه بالتالي فإن النجاح على هذا الصعيد سيعتبر استجابةً لمطلب شعبي فلسطيني.
يبقى القول: إننا نتمنى تجاوز الانقسام والوصول إلى المصالحة.

إلى الأعلى