الأربعاء 12 أغسطس 2020 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أوراق الخريف: قانون “جاستا” وعلامات الاستفهام ..؟

أوراق الخريف: قانون “جاستا” وعلامات الاستفهام ..؟

د. أحمد بن سالم باتميرا

كان يوم الـ٢٨ من سبتمبر٢٠١٦، يوما ليس عاديا على العالم، حيث صوّت الكونجرس الأميركي على قرار يبيح لأميركا مقاضاة الدول التي تتهمها بدعم الإرهاب، وهو قرار إذا نفذ سيكون له تبعات خطيرة على كثير من الدول وليس الدول العربية فقط..!
فكلنا يعلم دور الولايات المتحدة في الحروب التي نشبت في العديد من مناطق العالم والمجازر التي خلفتها في اليابان وفيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها، فهذا القانون سيفتح بابا لدول أخرى لمقاضاة دول في قضايا تتههما بالإرهاب والتفجيرات، وهو ما سيجعل العالم ينشعل بالدعاوى القضائية التي ستستمر سنوات بدلا عن استتباب الأمن والسلام في العالم والتنمية.
ورغم أن القرار ـ لم يذكر أي دولة بالاسم كما أعلن ـ ولكن التلميحات في واشنطن للشقيقة المملكة العربية السعودية في أحداث 11 سبتمبر المشؤوم، مع أن كل التحقيقات السابقة الأميركية لم تثبت ضلوع أي مسؤول سعودي في الأحداث، وهذا ما أعلنته واشنطن رسميا.
إن القرار سيكون سابقة وله تبعات ومخاطر على المصالح الأميركية ذاتها ومصالح أي دولة تسعى لتطبيق هذا القانون مستقبلا، فالمصالح ستتأثر، ونحن على ثقة تامة أن هناك عقلاء داخل مجلسي الكونجرس، وكذلك انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية في نوفمبر القادم ستسهم في إعادة ومراجعة القانون لمواجهة أوجه القصور فيه، خاصة وأن الرئيس أوباما حذر وأنذر منه، وكذلك فعلت الخارجية الأميركية.
وهناك دول تسعى لاستنزاف خيرات الأمة العربية وصناديقها السيادية، واستضعاف شعوبها والاستيلاء على ثروات الدول والشعوب. وما إقرار قانون “جاستا” لهو مكمل لهذا النهج واستمرار الربيع بطريقة أخرى.
لا أعتقد أنه يمكن محاسبة دولةٍ ما دون أدلة؟ وإذا ثبتت التهم، فالإجراءات القانونية ستأخذ سنوات، وستطرح الأسئلة، أين ستجرى المحاكمات؟ وهل القضاء سيكون منصفا؟ وما هي الدول التي ستصنّف في خانة الإرهاب والقتل والأعداء؟!
فالقانون الذي يسمح لأسر ضحايا الإرهاب في كل مكان بمقاضاة الدول الداعمة له لن يمنع أي مواطن أميركي أو غير أميركي من التوجه إلى القضاء بدعوى ضد فرد حاكما كان أو دولة، مطالبا بتعويض عما لحق به أو بأسرته من أضرار؛ لذا القرار خطير وأمتنا تواجه خطرا داهما يجب أن نعترف بذلك، لذا علينا التحرك لمواجهة هذا القرار عربيا وعالميا من خلال العلاقات والتحركات الثنائية والجماعية لإيقاف هذا الأمر وإلا سيكون هناك تحرك من دول وشعوب لتقديم دعاوى ضد كل الجرائم التي مارستها أميركا وغيرها. على أن يأتي هذا كله ضمن خطة مدروسة منسقة وبالذات في شقها السياسي والاقتصادي.
وبغض النظر عن ما صاحب القرار من تصريحات في واشنطن وخارجها، فإن المؤشر يوحي بأن العلاقات العربية مع أميركا بوجه عام تعاني من توترات مكتومة، بالرغم من المصالح الأميركية الكبيرة في المنطقة والتي لا يمكن تجاهلها. إلا إذا كان قانون العدالة ضد الإرهاب جزءا من مخطط لرسم خريطة الشرق الأوسط الجديد. فهل تكون هذه الحقيقة؟!
ومع ذلك لا يزال الجدل قائما حول القانون، وما زال الأمر يحتاج لوقت طويل، خاصة وأن مشروع القانون تم عرضه في توقيت حرج، أي قبل موسم الانتخابات الرئاسية بفترة قصيرة، وهو ما يمكن أن يعاد النظر فيه، في حال طرحه من جديد، لأن أعضاء في الكونجرس صوتوا ضد رغبتهم الحقيقية، لأسباب انتخابية.
وفي اعتقادي لن تتراجع أميركا عن قانون الإرهاب، إلا إذا رفض العالم التعامل معه، والامتناع عن حضور محاكماته، خاصة وأن تفسير مصطلح الإرهاب غير متفق عليه، وهذا يمكن استغلاله والتمسك به.
فهل نسيت دولة “جاستا” ما قامت به في هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية، وما جرى في فيتنام، وأيضا اليمن من خلال الطائرات دون طيار، أو من خلال العدوان المباشر كما حدث في غزو العراق وحاليا سوريا؟ ودعم الولايات المتحدة غير المحدود لإسرائيل مع أن المادة الثانية من الفقرة الثالثة من القانون توضح أن “الإرهاب الدولي لا يشمل الحرب”. وهذا ما يُحصّنها من أي تبعات أو إجراءات قانونية لمقاضاتها على الأعمال العدوانية الحربية التي قامت بها منذ عقود طويلة.
رئيس مجلس النواب الأميركي، بول ريان، ألمح إلى إمكانية تعديل “جاستا” لحماية الجنود الأميركيين على وجه الخصوص؛ ما يعني بقاء فاعليته ضد الدول المستهدفة سياسيا واقتصاديا. وقد يكون التعويضات المالية عنوان القانون الجديد.
والآن وبعد هذه الضجة الدولية غير المسبوقة، فهل يتراجع الرئيس القادم والكونجرس عن تبني هذا المشروع، ويعاود إغلاق ذلك الباب الذي يؤدي إلى محو الحصانات، وإدخال العالم في نظام الغاب وهدم مبدأ الحصانة السياسية والذي هو أحد أهم أسس الدبلوماسية العالمية الحديثة! ومع ذلك علينا السعي كدول ومنظمات لدحض هذا القرار، ومن ثم الإسراع باستعادة وتقوية الأواصر فيما بيننا كعرب، ولو كان الأمر كذلك لكنا الآن أكثر أمنا واستقرارا. ولكن القانون يضع علامات استفهام كبرى تحتاج لتحليل سياسي لأهدافه!

إلى الأعلى