الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إنقاذ جنوب السودان من نفسه

إنقاذ جنوب السودان من نفسه

اندرو ناتسيوس

”بعد اتفاقية السلام الشامل في 2005 التي أنهت الحرب بين شمال وجنوب السودان، بنى سلفاكير، الرئيس الحالي لجنوب السودان، بلد من تحالف هش من القبائل والأقاليم. وقد عملت كمبعوث للولايات المتحدة لدى السودان في الفترة من 2006 الى 2007، وسلفاكير الذي كنت أعرفه في ذلك الوقت كان ملتزما بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.”

يواجه جنوب السودان اشد ازمة له حتى الآن. فالدولة الفتية، التي ولدت من رحم استفتاء شعبي عام 2011 بعد حرب طويلة مع السودان خلفت 2.5 مليون قتيل، هي الآن في مخاض أزمة سياسية تتطور إلى صراع قبلي.
بعد اتفاقية السلام الشامل في 2005 التي أنهت الحرب بين شمال وجنوب السودان، بنى سلفاكير، الرئيس الحالي لجنوب السودان، بلدا من تحالف هش من القبائل والأقاليم. وقد عملت كمبعوث للولايات المتحدة لدى السودان في الفترة من 2006 إلى 2007، وسلفاكير الذي كنت أعرفه في ذلك الوقت كان ملتزما بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. لكن منتقديه يذكرون الآن انه ركز السلطة في يديه واستخدم القمع بدلا من الاقناع في الحكم.
ينحدر سلفاكير من اكبر قبيلة في جنوب السودان وهي قبيلة الدينكا بينما يأتي نائبه السابق رياك مشار من ثاني اكبر قبيلة وهي قبيلة النوير. ولدى هاتين القبيلتين تاريخ من الصراع الاقتصادي والسياسي والمواجهة الدموية. في عام 1991 وبعد صراع على السلطة بين متمردي الجنوب، انشق مشار عن جون جرانج ونائبه سلفاكير من الجيش الشعبي لتحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان وتحالف بجماعته المسلحة من النوير مع الشمال.
وكان ذلك زواج مصلحة: فقد أيد مشار استقلال الجنوب بينما كان جرانج وسلفاكير يؤيدان حكما ذاتيا للجنوب في اطار سودان موحد. وعارضت الخرطوم الاستقلال، لكنها زودت مشار بالأسلحة لإبقاء جنوب السودان في حالة فوضى. وحاربت القوات الجنوبية نفسها لعقد من الزمن وارتكبت اعمالا وحشية رهيبة: قتلت آلافا من مدني الدينكا.
واخيرا توحدت القوات الجنوبية في عام 2001، تحت ضغط من الحكومة الأميركية. وبعد توقيع اتفاقية السلام مع الخرطوم في يناير2005، صار جرانج رئيسا للحكومة المؤقتة المتمتعة بشبه حكم ذاتي في جنوب السودان. وعندما قضى في يوليو من ذلك العام في حادث مروحية، خلفه سلفاكير على وجه السرعة واصبح مشار نائبا للرئيس سلفاكير. وقد عملا معا على موازنة المصالح الطائفية داخل الجنوب، وبشكل خاص توزيع الوظائف والعقود الحكومية. كما عملا معا على نزع فتيل التوترات عندما كان العنف الطائفي يهدد الاستقرار.
وصار الحنوب مستقلا بشكل تام في 9 يوليو 2011. غير ان توقعات الجماهير من عائدات السلام السريعة كانت مخيبة للآمال. فقد اتهم سلفاكير بعضا من وزرائه وقادة الجيش بالاستيلاء على 4 مليارات دولار. واستخدمت الحكومة القمع في اسكات منتقديها. وارتكب الجيش الشعبي لتحرير السودان انتهاكات لحقوق الانسان في ولاية جونقلي، شرق جنوب السودان، بحق قبيلة المورلي التي تسلحها الخرطوم لإحداث فوضى في المنطقة.
في مارس الماضي، انتقد مشار القيادة الاستبدادية لسلفاكير، كما اعلن ايضا انه يمكن ان يتحدى سلفاكير على قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وسوف يخوض سباق الرئاسة في 2015. واقال سلفاكير مشار من منصبه كنائب للرئيس في يوليو الماضي الأمر الذي عجل بانهيار توازن السلطة القبلي في الحكومة الهشة.
ويحتج منتقدو سلفاكير في الجنوب بأنه استبعد الاصلاحيين في حزبه واحاط نفسه بدلا من ذلك بالموالين له من منطقة موطن رأسه والمساعدين السابقين للرئيس السوداني عمر البشير. وتوصل سلفاكير إلى عدد من التسويات مع الخرطوم حول تشاطر عائدات النفط ووضع اقليم أيبي الحدودي محل النزاع. وقد يحتج بأن ذلك كان من اجل احلال الاستقرار على علاقة جنوب السودان بالسودان، لكن اخرين يرون انه قد تنازل في ذلك كثيرا.
وعلى الرغم من ان الصراع بين سلفاكير ومشار ليس على أساس عرقي، الا ان خصامهما السياسي ينذر حاليا بالتحول الى حرب قبلية. وقد تفجرت التوترات بين الدينكا والنوير داخل الحرس الرئاسي في 15 ديسمبر، بعدما أمر سلفاكير جنود النوير بالتخلي عن اسلحتهم بسبب شكه في ولائهم. وتم ذلك بالفعل، وعندئذ قام جنود الدينكا بجمع الأسلحة وحدث اطلاق نار.
وادعى سلفاكير ان هذه محاولة انقلاب وامر باعتقال 11 من الاعضاء الكبار في الحركة الشعبية لتحرير السودان. ونفذ جنود الدينكا عمليات قتل مستهدفة واسعة بحق المدنيين من النوير في جوبا. كما تم قصف منزل مشار في العاصمة من قبال مدفعية الحكومة وقتل موظفوه.
ومنذ ذلك الوقت فر مشار وجنوده الى موطنهم في النوير في ولايتي النيل الأعلى والوحدة. وتذكر الامم المتحدة ووسائل الاعلام ان مسلحي النوير المتحالفين مع مشار ارتكبوا اعمالا وحشية انتقامية واسعة النطاق ضد المدنيين من الدينكا. كما سيطرت قوات مشار على الحقول النفطية في مواقع قبيلة النوير، التي تعد اداة هائلة للنفوذ ومرد ذلك ان النفط يسهم بأكثر من 90% من عائدات جوبا.
ويذكر ان الرئيس السوداني عمر البشير قد اقترح على سلفاكير ارسال قوات من الشمال لحماية حقول نفط الجنوب. ورفض سلفاكير وان كان مشار قد اعلن عن نيته التفاوض على اتفاق نفطي خاص به مع الخرطوم. وسوف يسمح ذلك للخرطوم بأن تلاعب الاطراف الجنوبية ضد بعضهم البعض.
وقد قرر مجلس الامن الدولي مؤخرا ارسال مزيد من القوات الى جنوب السودان لضمان حماية المدنيين. غير ان هناك الكثير المطلوب عمله.
فيتعين على سلفاكير الافراج عن المعتقلين السياسيين من الحركة الشعبية لتحرير السودان. كما يجب عليه ايضا تشكيل حكومة مؤقتة ريثما يتم اجراء انتخابات. وبدوره يجب على مشار وقف كل العمليات العسكرية الهجومية وسحب قواته من حقول النفط. واذا رفض، يجب على الأمم المتحدة ان تفرض عقوبات.
على الرغم ان سلفاكير ومشار يعلنان انهما يؤيدان المصالحة، الا انهما يحاولان تحقيق مكاسب عسكرية اولا بغية تعزيز مواقفهما التفاوضية. ومن ثم يتعين العمل على اجراء محادثات بينهما في اسرع وقت ممكن. وقد عرض الرئيس الاوغندي يوري موسيفيني العمل كوسيط، غير ان وسائل اعلام اوغندية افادت بأنه ارسل قوات خاصة لحماية جوبا من قوات مشار التي تقترب منها. فهو ليس محايدا ويجب ايجاد وسيط آخر، ربما يكون الحكومة الاثيوبية.
قبل عقد من الزمن، احتج البشير بأنه لا يجب منح الجنوب استقلال لأن الجنوبيين لن يستطيعوا حكم أنفسهم ويمكن ان ينزلقوا إلى صراع عرقي. وعلى الجنوبيين ألا يثبتوا صحة ذلك.

إلى الأعلى