الثلاثاء 21 يناير 2020 م - ٢٥ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / الرواية العربية .. الارتقاء بالمحلية وأنْسَنَة العالمية ( 3 )

الرواية العربية .. الارتقاء بالمحلية وأنْسَنَة العالمية ( 3 )

4- في مواجهة عالمية طارئة واختزالية؟
تطرح بعض النجاحات المفاجئة والنصوص التي تدخل دائرة الشهرة، الكثير من الأسئلة المرتبطة بفعل القيمة: هل النجاح المحقق فعل حقيقي مرتبط ببنيات النص الداخلية وجودة الكتابة وتميزها الاستثنائي؟ أم مرتبط بالنظام الإعلامي كجهاز طاغ ومهيمن يفبرك وفق شروط أيديولوجية يتحكم فيها راهن اللحظة السياسية، أكثر مما ينصت إلى الإرادات الإبداعية الخلاقة؟ لنأخذ مثالين لفهم الصورة كما تفرض علينا بقوة هذا السلطان الخفي: الأول من الغرب المتحكم في سلطان المعرفة في وقتنا الحاضر، والثاني من صلب أرضنا العربية الفاقدة للأسف، لزمام المبادرة. دان براون وعلاء الدين الأسواني. لقد بيع من رواية شيفرة دافانشي Da Vinci Code لدان براون مثلا أكثر من 50 مليون نسخة. رقم خيالي لم يسبق لأية رواية بالمعنى الكلاسيكي أن حققته، بما في ذلك الكتابات الحاصلة على جائزة نوبل مجتمعة، حتى حكايات هاري بوتر Harry Poter الشعبية التي بيع منها أكثر 300 مليون نسخة لم تحقق هذا الرقم إلا مجتمعة بأجزائها السبعة مما يجعل متوسط مبيعات كل جزء لا يتعدى أكثر من 45 مليون نسخة على الرغم من شعبيتها الشبانية وخضوعها لنظام قرائي ساندته السينما بقوة. وإذن كيف صار نص دان براون نصا عالميا وتخطى الحواجز كلها في ظرف أقل من سنة على صدوره؟ يوجهنا النقد العالمي والعربي تحديدا إلى قوة النص الاستثنائية التي لا يراها إلا هو ويمجدها إلى أقصى الحدود، زارعا في ذوقنا شكا كبيرا، وينسى أنه،أي النقد العربي، تحول إلى حلقة صغيرة في مشروع أكبر منه. ننسى بموجب ذلك، أن هذا النص صاحبه من الدعاية ما حوله إلى ظاهرة نموذجية للقراءة وحتى نمطا حياتيا Un mode de vie إذ صار من المخجل في الدوائر نصف المثقفة والمهيمنة على المشهد الثقافي العربي، أن تقول إنك لم تقرأ Da Vinci code وأنك لا تعرف مغامرة روبر لونغدن الخارقة وقوة بصيرته وذكائه الكبير ولا متاعب وظروف اغتيال محافظ متحف اللوفر، جاك سونيير الذي كان يملك سر الشيفرة التي خطها بدمه قبل أن يندثر، ولا جنون الألبينوس الضخم سيلاس وجرائمه حفاظا على استمرار سر مريم المجدلية، ولا الفتاة الأنيقة الحاملة لكل الأسرار المبهمة صوفي نوفو من سلالة سيدنا المسيح السرية والمبهمة، وغيرهم ممن يؤثثون نقاشاتنا ومفاخرنا الثقافية؟ ما السحر في نص هو في النهاية، على الرغم من حنكته التقنية وغواياته العديدة، لا يتعدى أن يكون نصا بوليسيا بكل البهارات الضرورية التي يفترضها هذا النوع من الكتابة التي تقودنا في النهاية نحو فك العقدة؟ السؤال نفسه، وبقليل من التحفظ، ينسحب على عمارة يعقوبيان لعلاء الدين الأسواني. كيف خرج هذا النص من كومة النصوص التي صدرت في السنوات الأخيرة وتفرد عنها؟ ما هي الانزلاقات التي حدثت وفي أية لحظة حصلت لينسحب الكتاب من النظام الثقافي الكابي والمظلم، المهيمن على الكتاب العربي ويفرض نفسه على الواجهة الثقافية العربية والعالمية، فيباع بأعداد كبيرة عربيا، ويترجم إلى لغات متعددة، خصوصا الإنجليزية التي سوقته بشكل جيد في السوق العالمية والفرنسية ويباع من هذه الرواية أكثر من 200 ألف نسخة بحسب آخر الإحصائيات، وهي كمية أكثر من ممتازة إذا ما قيست بما يباع عالميا؟ لسنا هنا بصدد الحكم التقييمي على أعمال لم يعد المنطق السائد يشتغل فيها، ولكن محاولة فهم الظاهرة التي تتخفى وراء ما يسمى بالعالمية. كل ما قاله دان براون قاله نيكوس كازنتزاكيس قبل عشرات السنين في غواية المسيح الأخيرة وقاله بطريقة مماثلة من حيث البنية التاريخية البوليسية والتفاصيل، أمبرتو أيكو في روايته اسم الوردة، وما قاله علاء الدين الأسواني في روايته: عمارة يعقوبيان، قالته الرواية المصرية بامتياز مع محفوظ وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وغيرهم، قبل ذلك بعشرات السنين. هل هو جانب الرواية الشعبي أم الظرفية التي ترمي نحو الواجهة بنصوص وتطمس نصوصا أخرى؟ الشيء المؤكد والوحيد الذي لا يمكن أن نخطئ فيه، هو أن الأمر ههنا لا يتعلق بجودة كتابية ولكن بشيء آخر قد يكون الكاتب نفسه خارجه ولا يعرف صيرورته.

5- هل العالمية قدر لا يمكن تفاديه؟

القيمة التي يفرضها علينا الإعلام المهيمن ليست هي القيمة الإنسانية المتوخاة أبدا وهي عالمية اللحظة والاختزال، وليست عالمية الديمومة والبقاء كما كان الأمر دائما أمام الأعمال التي تؤثث اليوم ذاكرة كل واحد فينا. من الصعب تفادي السؤال الخفي: من يصنع الشهرة، النص أم الجهاز أو النظام المهيمن بمعناه الأكثر شمولية؟ من المؤكد أن الذي فرض ليون تولستوي ككاتب عالمي ليس هو الجهاز ولكن الكتابة والكتابة وحدها. في سنة 1901 عندما اقترحت عليه جائزة نوبل في أول دورة لها قال رافضا المقترح: شكرا لكم وأرى من الأفضل أن تمنحوا كل هذا المال لناس القوقاس الفقراء الذين يموتون جوعا، فهم أولى بها. بلزاك في كوميدياه الإنسانية، زولا في سيرة عائلة رجون مكار Les Rougons Macquards وفلوبير وشارل ديكنز وشكسبير وت.س إليوت، نيتشه، سرفانتس، مارسيل بروست وجيمس جويس والمعري وألف ليلة وليلة وهنري ميلر وابن طفيل وغيرهم، لم يفرضهم الجهاز. سلطان هؤلاء الأدبي كان أكبر من الجهاز، وعبرَتْ نصوصهم الذاكرة الجمعية لتتحول إلى مكون من مكونات الذاكرة الإنسانية. هل منعت محاكم التفتيش المقدس والإسلام المتطرف جنون سرفانتس وعقلانية ابن رشد من المرور عبر كل الحواجز المنصوبة والانتشار عبر العالم؟ سؤال يستحق التذكير والتأمل في ظل عالم فقد الكثير من توازناته الممكنة، وفرض ما اشتهاه على الذائقة العامة، لكن للتاريخ سلطانه الموازي أيضا، الذي جعل أسماء كثيرة تنهض من رماد النسيان. فإذا كانت العالمية هاجسا إنسانيا طبيعيا، تأسيسها على بعض الحق أكثر من واجب على المثقف العالمي والعربي تحديدا، الذي لا يلتفت له إلا لاختزاله في دائرة الضيق والصور الكاريكاتورية الأكثر شيوعا وتداولا، ويتم تضخيمها والتركيز عليها. الأدب عموما والرواية بالخصوص، لم تنج من هذه الاختزالية أيضا للأسف.

واسيني الأعرج

إلى الأعلى