الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائية الفلسطينية رجاء بكرية لـ ” أشرعة”: وجودي في أراضي الـ 48 ميزة يجب أن تُسجّل تاريخيّا، سياسيّا وحسيّا

الروائية الفلسطينية رجاء بكرية لـ ” أشرعة”: وجودي في أراضي الـ 48 ميزة يجب أن تُسجّل تاريخيّا، سياسيّا وحسيّا

” نسونة الأدب مقابل تذكيره إساءة لمنظومة الأدب العامّة”
“ما أكتبُهُ يجب أن يشفّ له قلبي كي يؤثّرَ في القارئ”
” لست ممّن يعشقون العلاقات الثّنائيّة بين سيرة الكاتب وما يسجّله”
أجرى اللقاء وحيد تاجا:
أكدت الروائية الفلسطينية رجاء بكرية أنها ليست ” مع الرّواية التّقليديّة، بل مع قلب المفاهيم، والتّأسيس للون روائي شخصاني” .
وقالت في حوار مع ” أشرعة” : “ما أكتبُهُ يجب أن يشفّ له قلبي، كي يؤثّرَ في القارئ”. وحول الأدب النسوي أضافت: لا أؤيّد التّصنيف المجحف لنسويّة ما تكتبُهُ المرأة على اعتبار أنّه خانة منفصلة عن منظومة الأدب. وعن سبب اللجوء للجنس للتعبير عن الانكسارات والاحباطات أوضحت انه ” من الطّبيعي أن يكون الجسد مفتاح الاعترافات، لأنّه باعتقادي الصورة الأصدق لحقيقتنا”.
ويذكر ان رجاء بكرية كاتبة وفنانة تشكيلية فلسطينية من عرب ألـ 48. تسكن في مدينة حيفا. حاصلة على الماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة حيفا، وتعمل في حقل التعليم. شاركت في عدد من الورشات الفنية والمعارض الشخصية والجماعية في فلسطين وخارجها. ساهمت في العديد من المؤتمرات الأدبية المحلية والعربية والعالمية، نالت قصتها (الصندوقة) جائزة القصة النسائية في حوض المتوسط- مرسيليا، فرنسا، عام 1997.
صدرت لها مجموعة نثرية بعنوان “مزامير لأيلول”، ورواية بعنوان “عواء ذاكرة” ، ومجموعة قصصية بعنوان “الصندوقة”. ورواية “امرأة الرّسالة” ويصدر لها قريبا رواية بعنوان “عَيْن خَفشَة”.

* ـ هل يمكن إعطاؤنا لمحة عن البدايات .. الأجواء المحيطة .. بمن تأثرت من الكتاب ..ومن هم مصدر الإلهام حاليا..؟
يخيّل إليّ أحيانا أن لا بدايات للكلمة، هي ولدت حين ولدتَ، وعاشت تنتظر لحظة نُطقها، ثمّة توقيت للنّطق كما يجري الاعتقاد لدى إحدى الدّيانات التّوحيديّة. وحين أنطقتني الكلمة وكتبت، فهمتُ أنّي مطالبة بقراءات لا آخر لها. وتقريبا لم أترك كتابا لم أقرأه حتّى كتب أبي في السّياسة اعتديتُ عليها وأنا في الثّالث ابتدائي. وكان حين يسأل عن كتاب الثّورة لجمال عبد النّاصر لا أعترف أنّه تحت مخدّة النّوم حتّى أنهيه أو أملّ من صعوبَتِهِ وأُعيدُه. ودائما كانت لديّ كذبات تفسّر ظهوره المفاجئ، لأظلّ بعيدة عن الشّبهات. أحببتُ جورجي زيدان وإحسان عبد القدّوس ونجيب محفوظ، والمنفلوطي والمازني والعقّاد، وكوليت خوري وغادة السمّان لأنّها دمشقيّة. أغرمت بعد ذلك بالأدب اللاتيني، وبترجمات اللّغات المختلفة، كنت مهجوسة بالبحث عن كتب لم يقرأها أحد سواي، وعلى هذا كبر حُلُم الكلمة في رأسي.
*ـ لفت نظري قولك ” أنا امرأة تؤمن بقدرة الرّوح على قلب منظومة الصّحيح والخطأ، العدالة والظّلم وتأسيس مملكة للحقيقة الإنسانيّة.. “. فالي أي مدى يساهم الأدب والرواية فعليا بتأسيس تلك المملكة..؟
الأدب الّذي نكتبه هو محكمة حياديّة، لا تفرض قوانين على منظومة المفردة والفكرة، قادرة على التّأثير فقط على مسار رعشتها، منه تصل إلى كيان كامل إسمه كون. تخيّل أنت شكل الحقيقة بعمق جماليّاتها حين لا يشوّهها لغط البشر ونزاعاتهم على الصّحيح والجائز والخطأ. مملكة طازجة للحقيقة الخام، تملك براءة نبض القلب من لون دمهِ!
* ـ من يقرأ روايتك الأولى ” عواء ذاكرة”يجد نفسه أمام نص تداعيات غارق في الذاتية والرمزية.. وهو أقرب ما يكون إلى لوحة تجريدية منه إلى عمل روائي.؟

عواء ذاكرة هي روايتي الأولى. أعتبرها نصّ انثيال للذّاكرة. خلال شهرين من القصف الرّوحي كتبتها. مرّت أيّام لم يرني فيها ولا الهواء. هي ليست لوحة تجريديّة، ولكن رواية في قالب سوريالي تعبيريّ جدا لمن يجيد فكّ نوتة اللّحن، نوتة وليس طلسم. كنتُ سعيدة بتحليلها المدهش من قبل أستاذ النّقد الأدبي د. محمّد البوجي، في أزهر غزّة. فاجأني حدّ الصّدمة بما وصل إليه من جماليّات فائقة للنّص. طروحات لم أفترض وجودها وأنا أسجّلها بدم القلب. لقد فرضتُ منطقا آخر لشكل الرّواية الحداثيّة، ولا يهمّ الآن كم استظرف عدّها ضمن منتوجي الأدبي.

* ـ أيضا، هناك صعوبة في تصنيف نصك الروائي أدبيا، فضلا عن الغياب الواضح للحبكة الروائية التقليدية لصالح الكتابة المشهديّة .. والسؤال محاولتك هذه في عدم إخضاع نصك للتجنيس الأدبي .. هل هي حالة تمرد على النص .. أم على الذات .. أم على الحالة والتقاليد الإبداعية العربية ..؟

حين درستُ القصّة القصيرة لأوّل مرّة، حدث ذلك في الثّالث إبتدائي. كنت أشدّ رفيقاتي حماسا للتعرّف إلى عناصر القصّة. لكنّي بعد كلّ تعريف لأحدها بحثتُ عن الأبعد، والحاصل أنّ التّعريف الإجمالي لمكوّناتها أصابني بخيبة لا توصف. تخيّلت للحظة أنّ ما سيقوله الأستاذ سيقتصر فهمه عليّ، وأنّي سأنافس أربعين طالبا في قدرات استثنائيّة، لكن حين فهمت أنّها عناصر عاديّة، تشبه الكالسيوم والبوتاسيوم والزّنك ابتأست. وحين بدأت أقرأ بحثتُ في كلّ رواية عن شكل جديد للنّص، فلم أجد في الرّواية العربيّة ما يشبعُ جوعي، فركضت إلى الأدب المغاربي، والمُترجم. أذكر مللي الشّديد من تقليديّة نجيب محفوظ، ورغم ذلك قرأت ثلاثيّته كاملة، واعتبرتُ أنّي أُتخِمت من إنتاجه.
نعم في ذهني مَثُلَت فكرة ابتكار بساط طائر أكتبُ عليهِ نصّي، الرّوائي والقصصي، ومقاومة الدّارج والمستهلك، لأنّ القارئ العربي يستحقّ ألاّ يكونَ أقلّ حظّا من الأجنبي. بحثتُ عمّا يفتنَهُ في ضربة الدّهشة والحبكة والبطل الّذين أقدّمهم إليه.

* وهل تعتبرين الأدب المغاربي خارج الكتابة العربية !؟
اَلْأَدَب الْمَغَارِبِيُّ اعتبره خارج الكتابة العربيَّة، فهو متأَثِّر بالغرب، وعدا عن ذلك يحمل بصمات اختلافٍ، وصناعة فنية، تغرف من عبق الموروث الفني والتراثي الكثير، شخصيا تأثرت بتوظيف الطاهر بن جلون للتراث المغربي.

* ـ يحسب لكِ، تلك القدرة على الانتقال بشفافية عالية في جملتك السردية من اللغة الروائية التقليدية إلى جملة تجنح للشعرية التصويرية، والتي أسس لها إميل حبيبي في (سرايا بنت الغول)..ما قولك ؟
هذا رأي النّقد، وأحترمه. أمّا أنا فلا أخطّط لذلك. أعرف فقط أنّ ما أكتبُهُ يجب أن يشفّ له قلبي، كي يؤثّرَ في القارئ. إميل حبيبي تاريخ جميل في فنّ الرّواية الفلسطينيّة، وأعشق ما كتبه، وأعتبره مؤسّساً لفنّ الرّواية الفلسطينيّة بامتياز في فلسطين ألـ 48 .
* ـ تعرضتِ في رواية” امرأة الرسالة” إلى تلك العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة…وكان ملفتا ذلك السبر الممتع لـ عوالم شخوص الرواية التي تعاني اضطرابات نفسية وعاطفية ووطنية مدمرة، خصوصا شخصية «نشوة»”. وسؤالي لماذا نلجأ دائما للجنس للتعبير عن الانكسارات والاحباطات ..؟
تماما، ما تقوله هو ما أردته أن يصل, الإضطرابات النّفسيّة والتّفكيك المشهدي للشّخوص عبر عقد شخصيّة طوّرها الواقع السياسي المركّب. عقدٌ تسبّبت بأزمات فكريّة وحسيّة عالية وانعكست على الطّبيعة الإنسانيّة للشّخصيّات، وبطلي الرّواية بالذّات، وكان يجب أن أمشي معها على وتر دقيق. أصغي إليها بتركيز شديد، وأنفّذ رغباتها. كلّ تجاوز صغير كان سيدمّر مسار الرّواية أيضا. المزاجيّة المفرطة للبطلة، والتيه البالغ لغسّان أربك القارئ أحيانا. حتّى أنّي غيّرت مسار الرّواية أكثر من مرّة. وغافلتني النّهاية. نهاية لم أرسمها بل رسمت نفسها.
وكان من الطّبيعي أن يكون الجسد مفتاح الاعترافات، لأنّه باعتقادي الصورة الأصدق لحقيقتنا. الجسد هو الشّكل الأولي لكلّ لقاء بين رجل وامرأة، لكن يفرق كيف وأين توظّفهُ، ومتى. والجنس بعينيّ ليس علاقة بوهيميّة بين رجل وامرأة بل أرق عاطفة على وحشيّتها أحيانا، يمكن أن تسجّل لانتصار إنسانيّتنا على بؤس واقعها بتيّاراته السّياسية والفكرية. فيه تنطفئ كلّ الخلافات والاختلافات، شرط أن نفهم منطقه.
درست الفنّ التّشكيلي أربع سنوات كاملة، وأنا أحاول تحليل علاقة فكر الجسد بمسودّات الرّسومات الّتي أصرّوا على تدريسنا خطوطها وتقاطعاتها، بثقافة غير عربيّة. هناك فهمت أزمة الجنس في مجتمعاتنا العربيّة. الثّقاقة العربيّة لم تقدّم الجنس بلغته الكونيّة العاشقة، عليك أن تعشق جسد الآخر بندوبهِ كي تصالح ذاتك بكلّ عقدها.
* ـ استوقفني سؤال أحد النقاد الذين تناولوا روايتك، ” كيف يمكن لامرأة عاشقة أن تسلّم جسدها لشخص غريب لا تعرف عنه سوى أشياء بسيطة؟. والسؤال كيف يمكن هذا على الصعيد الإنساني ..؟
نشوة في الرّواية لم تسلّم جسدها لكاظم العراقي، كانت تعاني من عقد نفسيّة مصدرها الخوف، فلجأت إلى فراشهِ، لكنّها لم تمنحه أكثر من علاقة سطحيّة بحتة. ما اقتبَسْتَهُ مصدره ربّما اختلاط المعاني لدى القارئ.
كانت البطلة عالقة القلب والجسد بصنّارة غسّان، وعكّا. يقيم في بدنها كقطعة منها. وما كان ممكناً أن تقيم في غيره لأيّ سبب. لكن حين شعرت أنّها تتآكل روحيّا هجرت كاظم وتوحّدت مع ذاكرة غسّان في غرفة منفصلة. تركته لأنّهُ ليس أكثر من صديق، مضيف لها. وهذا تماما ما لا تتفهّمه الثّقافة العربيّة أنّه يمكن لرجل وامرأة أن يعيشا في ذات المكان دون أن يتواصلا جنسيّا. كاظم أحبّ نشوة، ولكنّ حبّه لا يُجيزُ لهُ أن يحتلّها دون مشيئتها، وهذا كان شرط الضّيافة ضمنيّا. إذ ليس بالضّرورة أن يؤدّي رفض امرأة لرجل إلى اغتصاب، كما يخيّل إلينا. وإنسانيّا، هذه ثقافة تُعاش وتمارس كأيّ جانب إنسانيّ آخر.
* ـ لماذا أظهرت ” غسان ” بتلك الشخصية الغارقة بالبحث عن الجنس والشهوة .. ولم يبق ذلك ” المناضل ” ضد الاحتلال والذي اعتقل وسجن لذلك..؟
أعتقد أنّ بعض هذه الإجابات تتوفّر في سياق الرّواية. نحن نتحدّث عن رجل شوّه روحه وجسده المحتل، حين دبّس به تهمة لم يقترفها، وعرّضه لصنوف من الممارسات الشّاذّة. عذّبه بما يكفي ليخرج رجلا آخر، فقد شهيّة المُتع، وجعله ورقة في مهبّ أيّ نسمة عاطفة، ولو من امرأة عابرة. انقلبت مفاهيمه للحياة، ونسي أجمل ما فيه قلبه.
*ـ في ذات السياق تنطلقين فكريا وأدبيّاً. من ثنائية التخلف الاجتماعي وظروف الاحتلال، ومن أن مقاومة التخلف تساوي مقاومة الاحتلال أو تسير في موازاته…ما مدى واقعية هذا الطرح برأيك ..؟
هذا الطّرح صحيح في عمقه. الإحتلال يحمل أبعادا عميقة للتخلّف في المجتمع الفلسطيني، خصوصا في الضّفة الغربيّة لأنّه يغلق منافذ الانفتاح ويضيّق على الرّوح. والمقاومة دائما تحمل روح التّغيير والانطلاق الرّوحي والفكري. هي سبب في التجدّد، وإشراع منافذ الألق. أنت لا تقاوم فقط محتلّا، ولكن مفاهيمه المتخلّفة عنك ككائن له الحق في اعتلاء صهوة أعلى مستحيل كي تحقّقه، وتخالف رؤيته، وممارسته. وأمام ذلك التحدّي الكبير وقف غسّان الفنّان الّذي لا يعترف بمواهب قلبه وكينونته مُحتلّه. هل تتخيّل معنى أن تصادر كينونة فنّان يهودي؟ أيّ أرض ستهتز لمجرّد أنّه يهوديٌّ وليس فلسطينيا؟
* ـ بالتالي لأيِّ مدى تعكس رواياتك السيرة الذاتية للكاتبة والإنسانة رجاء بكرية .. وكيف يمكن للكاتب أن يكون حياديا في تسيير شخصيات روايته في هذه الحالة.. ؟
لست ممّن يعشقون العلاقات الثّنائيّة بين سيرة الكاتب وما يسجّله، ولا أحاول، لكن إذا حدث وسقطت بعض التّفاصيل في سياق ما أكتب لا ألغيه، ولا أتجنّبه، لأنّه عمليّا أصبح ملكا لشخصيّة أرادت أن تأخذ منّي. نحن لا ننسى أبدا أنّ لأبطالنا القدرة على التّماهي معنا حين نقرّر أبعادهم وتفاصيلهم، ولو أنّنا نحاول إسكات أصواتهم في حناجرنا. إنّهم ينتصرون غالبا على إرادتنا، ويبدّلون خططنا، وهذا ربّما ما يرفعهم لمستوى الصّداقات الرّفيعة طوال فترة تواصلِكَ معهم.أصادق أبطالي بحدود، رغبة منّي في فهم عوالمهم المركّبة غالبا، وأرعف عليهم من وضوحي أو غرابتي. أحبّ ألا أقرّر عنهم. أراقبهم من بعيد وأراهم يغيّرون في شكل المعادلة الّتي قرّرها صانعهم لها.

*ـ تهتمين كثيرا بالتفاصيل الصغيرة، ويسجل لكِ توظيف هذه التفاصيل بشكل رائع وتبدو الرواية اقرب إلى لوحة “المنمنات” او “الموازييك”، حتى ليرى القارئ انك تتربعين على ثروة كبيرة من التّفاصيل الصغيرة التي تلتقط بعين المبدع، وتختزل لتعيدين إنتاجها في لوحة حدثية دقيقة تنفتح على المشهد اليومي بكلّ جزئياته..؟
أنا امرأة مهووسة بالتّفاصيل، لكنّي لا أفتعل شكلها، ولا نظامها. تتوالد تلقائيّا في متن السّرد. وقد أختلف معك، لأنّها ليست بالتّنسيق الّذي تفترضه. تبدأ من الآخر أو الوسط، وتبعثر كلّ شيء، لكن ربّما عمق حميميّتها هو ما يمنح النّص دفئا يخيّل إليك أنّه رفوف مكتبة، بينما هو رفوف قلب وجسد مفتّحين حتّى آخرهما على جماليّات ما نجهله عن أنفسنا. لقد منحني التّشكيل الفنّي طاقة مدهشة على رسم المشاهد الإنسانيّة بفنيّة لم أخطّط لها، حتّى أنّي أشعر أحيانا أنّي ألاحق تفاصيل عالم أعيشه، رغم أنّي لم أره أبدا، وأعني أماكن وشخوصا وزوايا.

* ـ في إطار الحديث عن اللوحة ..تنهض روايتك في مجملها على الصورة حيث اندماج العناصر بعضها ببعض ..حتى أن احد النقاد رأى أن نص ” امرأة الرسالة ” يحتوي على أكثر من عشر لوحات تشكيلية تجريدية تعبر عن الأزمة..ما رأيك .. وما مدى انعكاس كونك فنانة تشكيلية على الرواية ..؟
لا أذكر هذا التّعليق، ولكن فرضا قيل. أعرف تماما أثر الحالة الفنيّة في مجمل كتابي، وامرأة الرّسالة تحديدا. لكنّي لا أعتقد أنّها لوحات تجريديّة، إنّما حسيّة عالية الإيقاع. تعبيريّة، حاضرة النّبض. هذا ما أعرفه أنا وقرّائي عنها. وصحيح أنّي خالفتُ النّمط التّقليدي في كتابة القصّة والرّواية، وأنشأت منطقا آخر لتداخل الأمكنة بالأزمنة بأزمات الشّخوص وأسلوب ظهورها، لكنّي مع ابتكاري هذا ابتكرتُ فنّا آخر للمتعة حين تقرأ، لأنّي أعتبرُ القارئ سيّدا فاعلا ومُفعِّلا لنصّي. لا أوافق على قارئ سلبيّ لا ينحاز أو يختلف مع البطل، ويكون شريكا في المسار التّصاعدي للحدث. أردت أزمة مواجهة حقيقيّة داخل النّص بين قارئ لا يعرفني وشخوصي. لكن الغريب في حياتي أنّ محاولة قلب نظام العلاقات ينسحب أيضا على حياتي الشّخصيّة، الأمر الّذي يضع علاقاتي في حالة اختبار دائم. لا أعرف مدى صحّتها، لكنّي متأكّدة من جوازها.
* ـ في حديثك عن الأدب النسوي أكدت على عدم صلاحية هذه التصنيفات لأدب المرأة لأن تأكيده يؤدي حتما لتهميش تقنيته ومضمونه، وسيجور بالتالي على تفرده . . هل يمكن إيضاح هذه الفكرة مع العلم ان الحديث عن الأدب النسوي لا يعني إلغاءه او التقليل من قيمته الفنية والجمالية عمليا..؟
على قناعة أنا باختلاف ما تكتبُهُ المرأة عن الرّجل، وأثر الطبيعة البيولجيّة للمرأة على خصوبة مفرداتها وخصوصيّتها، فمرجعيّاتي أكاديميّة في هذا المضمار، ورغم ذلك لا أؤيّد التّصنيف المجحف لنسويّة ما تكتبُهُ على اعتبار أنّه خانة منفصلة عن منظومة الأدب. هو أدب تكتبه المرأة لكنّه يسير جنبا إلى جنب مع ما يسجّله الرّجل، وينافسه بذات القوّة والحضور. ومثلما نكتشف أدبا ركيكا لكتّاب رجال سنعثر على ذات الحقيقة لدى كاتبات نساء. لكنّ الغريب أنّ المنظومة الأدبيّة العامّة تداري الأدب الضّعيف الّذي ينشئه الرّجل على نحو مفزع غالبا لمجرّد أنّه يحمل لقبا متقدّما مثلا. يغفرون ضحالة فكره وأدبه بسبب شهادته مثلا، والأمر بعينيّ يجب أن يعاد فيه النّظر.
شخصيّا أعتبر نسونة الأدب مقابل تذكيره إساءة لمنظومة الأدب العامّة. لكنّي بالمقابل منحازة تماما للمرأة وملتزمة بتسجيل تجربتها الحسيّة والإجتماعية، والسياسيّة أيضا، على اعتبار أنّها كائن مستَغل على امتداد التّاريخ البشري مهما علت وغلت، حقيقة يُؤسَفُ عليها، ولا يهمّني أن أسمّى نسويّة بذريعة ذلك.
*ـ هناك إشكالية مهمة برؤية المثقفين العرب إلى الأدباء والمثقفين في أراضي الـ 48 وعلاقة هؤلاء مع المؤسسات الإسرائيلية وحملهم جواز سفر “إسرائيليا “.. كيف تنظرين إلى تلك الإشكالية من موقعك كروائية في حيفا..؟
مسألة مدهشة حقّا؟ هل فكّر أولئك المثقّفون العرب بتحرير حيفا ويافا وعكاّ من الإحتلال الإسرائيلي، ومنحنا جوازات سفر فخريّة نتجاوز بها الحصار الثّقافي اللّايزال مفروضا علينا لمجرّد أنّنا تحت احتلال؟ لا أعرف تحديدا ماذا يتوقّعون مِنّا؟ أعتقد أنّنا أغرب حالة ثقافيّة في العالم، وحصارنا ضمن هذه التّعريف جور على حضورنا، لكنّي أؤمن أنّ أحدا لا يستطيع أن يحجر على أحد. فالحدود التكنولوجيّة لم تبق على معبر واحد مغلقا، غير المعابر الإسرائيليّة على حدود غزّة والقطاع. شخصيّاً مستاءة من رجعيّة الطرح، ضيق أفقِه، وانغلاقه تجاهنا، على عالم واسع أن يفهم معاناة ما نتثاقف عليه هنا، وألا يحاولوا زجّ الأسماء في سلّة حكم واحدة، ويتعاملوا مع ما ننتجُهُ بانتقائيّة وتفهّم كبيرين.
*قلت في حوار.. “ولعلّ الفلسطينيين في الضّفة والقطاع هم أكثر شريحة سياسيّة وفكريّة تفهم إشكاليّة وجودنا”، ولكن روائية أخرى ترى أن العلاقة بين فلسطيني الـ 48 من جهة وفلسطيني الضفة والقطاع من جهة أخرى علاقة إشكالية جدا.. حتى ان الحب بين فتاة من حيفا وشاب من جنين اقرب لـ “الحب الحرام ” نتيجة تلك العلاقات الشائكة.. ما قولك؟
طبعا أنا لا أوافق المقولة. هم يفهموننا لأنّهم على اطّلاع بإشكاليّات وجودنا هنا في الـ 48، ويفهمون معاناتنا جيّدا. وفي رام الله تجري العديد من العلاقات الثّقافيّة والإجتماعيّة كذلك. شخصيّا أقدّر شكل هذا التّواصل، عمقه، وحضوره. لكن باعتقادي أنّ الرّوائيّة الّتي أشارت للمقولة تقصد القوانين الجائرة الّتي قرّرتها الحكومة الإسرائيليّة بشأن لمّ الشّمل إذ ما ارتبط الأمر بانتقال الشّريك لمناطق الـ 48. ما عدا ذلك أعتبر ما قيل مبالغة غير مبرّرة، لكنّي أعتبر مصادر الموديل الحضاري الّذين يأخذون منه ينطوي على الكثير من الغرابة، وعدم الوضوح، شخصيّا لا أفهم كثيرا أبعاد ما يجري، لكنّي أعتبر الحبّ حبّاً كما في كلّ مكان وتحت كلّ ظرف.
* ـ كيف تنظرين إلى الروايات الإسرائيلية الجديدة التي تحاول إظهار الرغبة في التعايش مع العرب، وأين يمكن تصنيفها ..؟
أعتبر نفسي متابعة جيّدة للأدب الإسرائيلي، وأحبّ روايات أ.بيهوشوع رغم تطرّف آرائه تجاه الفلسطينيّين، وعاموس عوز. ما يزعجني في معظم الرّوايات الإسرائيليّة أنّها أصبحت مُصَنَّعة، حتّى الكتب الّتي يروّجون لها، تعرض في معظمها لكل ما هو إسرائيلي ويهودي، وأعني الكتب الأكثر مبيعاً، فليس بالضّرورة أن يكون الكتاب ذا قيمة فنيّة عالية، ولكن شرطه أن يثير التّاريخ اليهودي وفظاعات النّازيّة مثلا، وأنا أتساءل لِمَ لا يفعل الفلسطينيّون ذات الشّيء؟
وعليه لا أرى الكتابات الّتي تروّج للتقارب اليهودي العربي، وإذا وجدت فهي بطبيعة الحال تجاريّة، ومُصنّعة.
* ـ وكيف ترين المشهد الروائي الفلسطيني في الداخل .. وأين هو من حيث المضمون والفنية في الضفة والقطاع أو في الشتات .. ؟
الهمّ الفلسطيني واحد، ومحوره الإحتلال سواء في الدّاخل الفلسطيني أو مناطق الـ 67. باعتقادي الرّواية في الدّاخل لم تقطع شوطا طويلا، ابتدأها إميل حبيبي بأعمال رائعة، وتابعها محمّد نفّاع في ألقها. طبعا لدينا بعض الأسماء لكنّها تحتاج إلى مزيد من التمرّس والتّجريب. شخصيّا لست مع الرّواية التّقليديّة، بل مع قلب المفاهيم، والتّأسيس لـ لون روائي شخصاني، طبعا يتفاوت الأمر بين تجربة وأُخرى.
في الـ 67 نملك أسماء جميلة في الكتابة الرّوائيّة منحها الشّتات تجربة وحضورا، كالرّوائي يحيى يخلف، وليانة بدر ومحمود شقير، وسحر خليفة وسواهم، بينما الأقلام الشّبابيّة والنّسائيّة تحتاج شوطا طويلا من التّجربة والثّقافة، وأدب الفيسبوك ولو تعاظم قراؤه لا يعني لي الكثير تجربة وحضورا، وأضيف، ليس كلّ ما تخرجه مطابع رام الله من روايات صالحة للقراءة. وقعت بين يدي روايات لا تُقرأ لفرط ترهّلها، وانمساح تجربتها، ورغم ذلك وجدتُ من هلّلَ لها، وشرّع حضورها. بعيني، مثل هذه الظّواهر يجب أن تُحرَج، وعلى الملأ. فالرّواية فنٌ علينا أن نرتقي به، ما نفعله أحيانا لفرط حماسنا أنّنا نتفنّن في مسح جماليّاته، كأنّنا نقتصّ من فقر ما نعرفهُ عن الحياة..
* ـ سؤال قبل الأخير. على الصعيد الإبداعي، هل تعتبرين وجودك في أراضي الـ48 ميزة .. أم انه حرمك من ميزة ما ؟
أعتبر وجودي في الـ 48 ميزة يجب أن تُسجّل تاريخيّا، سياسيّا وحسيّا. نحن أغرب ظاهرة فكريّة، والجميل فيها موقعها، ورسمها التّاريخي. وفلسطينيّتنا في حالة مواجهة مع الوقت والظّرف. ونحن من أبقى على اسم الزّيتون ورائحة الميرميّة والزّعتر. تُراث المخيّلة والقلب، هل يوجد أبعد من القلب؟
*. ماهي آخر أعمالك..
عملي الجديد القادم هو “عَيْن خَفشَة”، رواية استغرقتني ما يقارب ستّ عشرة سنة، تحت الطّبع، ستكون كلّ ما أعرفه عن حكاية التّغريبة الفلسطينيّة الجارحة.. القاتلُ والمقتول فيها ندّان.

إلى الأعلى