الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصر .. والسودان .. وجوبا

مصر .. والسودان .. وجوبا

محمد عبد الصادق

”إذا كانت أميركا وإسرائيل لعبتا الدور الرئيسي في انفصال جنوب السودان منذ زمن ليس بالقليل فنحن العرب يقع علينا الجزء الأكبر من مسؤولية هذا الانفصال الذي لم يكن مفاجئا بل بدأ الإعداد له منذ أكثر من 60 عاما قبل استقلال السودان، وكان يتم التعاطي معه على استحياء مرة سياسيًّا بإعطاء الجنوب حقيبة وزارية أو حقيبتين أو أمنيًّا بإرسال قوات الجيش السوداني لمواجهة المتمردين…”

استغربت مشهد سيلفا كير رئيس جنوب السودان وهو يخرج لشعبه متحدثاً باللغة العربية بلهجة سودانية مميزة ليعلن إحباط محاولة الانقلاب التي قادها ضده نائبه السابق رياك مشار ـ ومبعث دهشتي هو إصرار جنوب السودان على جعل اللغة الإنجليزية هي لغة دولة الجنوب الرسمية، ورفضها الانضمام لجامعة الدول العربية، وحرص سيلفا كير على التحدث بالإنجليزية في خطاب الاستقلال عن الشمال، ثم إذا به وقت الشدة يخاطب شعبه باللغة التي يعرفها فإذا هي العربية.
وإذا كانت أميركا وإسرائيل لعبتا الدور الرئيسي في انفصال جنوب السودان منذ زمن ليس بالقليل فنحن العرب يقع علينا الجزء الأكبر من مسؤولية هذا الانفصال الذي لم يكن مفاجئا بل بدأ الإعداد له منذ أكثر من 60 عاما قبل استقلال السودان، وكان يتم التعاطي معه على استحياء مرة سياسيًّا بإعطاء الجنوب حقيبة وزارية أو حقيبتين أو أمنيًّا بإرسال قوات الجيش السوداني لمواجهة المتمردين الذين وجدوا الدعم المادي والمعنوي من الغرب ـ وأهملنا تماما الجانب التنموي والإنساني في تعاملنا مع قضية الجنوب خصوصاً في السنين الأخيرة.
وجمعني منذ فترة لقاء بأحد الإخوة السودانيين الجنوبيين وسألته عن سبب سعيهم وتصميمهم على الانفصال عن الشمال؟. وكانت إجابته تحمل قدراً كبيراً من المرارة والعتب بل وأحياناً النقمة على كل ما هو عربي وكان يقول في ألم: إننا لم نشعر يوما بأننا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات سواء في السودان بلدنا أو حتى في علاقاتنا التاريخية مع الشقيقة الكبرى مصر فالسودانيون الشماليون يتيهون علينا بأصلهم العربي ولونهم الفاتح وينظرون لنا نظرة فوقية مهما حصل الشخص منا على مؤهلات أو تبوأ من مناصب، وكذلك استخدمنا العرب والمصريون قديما في الأعمال الدنيا، وحديثاً لم يحسنوا ضيافتنا عندما ذهبنا للقاهرة أو طرابلس للدراسة أو العمل، وذكرني كيف تعامل الأمن المصري مع الجنوبيين الذين اعتصموا أمام مقر الأمم المتحدة بالقاهرة طلباً للجوء السياسي منذ سنوات، وكذلك عمليات التنكيل الجماعي التي نالت الجنوبيين على أيدي الميليشيات الليبيبة عقب سقوط القذافي، هذا في الوقت الذي فتح الغرب ذراعيه لنا ومنحنا حق اللجوء السياسي على أراضيه وأحسن معاملتنا ولم نجد هناك تمييزاً بسبب العرق أو الجنس أو اللون.
قلت له أرى تحاملاً في كلامك فالمعاملة السيئة تعرضنا لها جميعاً سواء في مصر أو السودان بسبب الأنظمة القمعية التي لم تفرق بين شمالي ولا جنوبي، فضلاً عن العلاقات التاريخية وروابط الدم والنسب بين المصريين والسودانيين شمالهم وجنوبهم، ويكفي أن تعرف أن أول رئيس جمهورية لمصر اللواء محمد نجيب كانت أمه سودانية وولد وعاش في السودان حتى دخوله الكلية الحربية في القاهرة ثم خدم في جنوب السودان عقب تخرجه ضابطاً في الجيش المصري بالسودان وكانت تربطه علاقات قرابة ونسب وصداقة بالجنوب وكانت أول زيارة له عقب نجاح ثورة يوليو 1952م وتوليه رئاسة الجمهورية إلى السودان، وعبد الناصر عندما وجد رغبة لدى السودانيين في الاستقلال عن مصر قرر إعطاء السودانيين حق تقرير المصير وحرص على استمرار العلاقات الطيبة مع السودان جنوبه وشماله وظلت محطات واستراحات الري المصرية تقوم بدورها في مساعدة الجنوبيين وتقديم خدمات الغذاء والكساء والعلاج والتعليم لأبناء الجنوب حتى وقت قريب، بجانب دورها الأساسي في مراقبة مناسيب النيل وتطهير المجاري المائية ومساعدة الجنوبيين في الزراعة وتنظيم أمور الري.
والرئيس السادات أيضاً كانت أمه سودانية من مدينة دنقلا تزوجها أبوه حينما كان يعمل في الخدمات الطبية للجيش المصري في السودان وعاد والده من السودان عقب اغتيال السير لي ستاك قائد الجيش البريطاني بالسودان وما ترتب على ذلك من سحب القوات المصرية من السودان.
وكان للسادات علاقات قوية مع الرئيس السوداني الراحل جعفر النميري بدأت عندما أرسله جمال عبد الناصر في مارس 1970م لمساندة النميري في صراعه مع ما سمي وقتها بالقوى الرجعية التي حاولت خلعه من السلطة ولكن المساعدة المصرية أجهضت التمرد وبعد تولي السادات السطة توسط في النزاع بين النميري والجنوبيين واستطاع إقناع النميري في عام 1972 بالتفاوض مع الجنوبيين حتى توصل لحل للنزاع ووقف الحرب التي استمرت منذ الاستقلال عام 1955 وانتهى الاتفاق بمنح الجنوبيين الحكم الذاتي في اتفاقية أديس ابابا في مارس 1972، وكاد ملف الجنوب يهدأ وينتهي الصراع، لولا بروز شوكة الإخوان المسلمين في السودان عقب مقتل السادات في أوائل الثمانينات وخضوع النميري لابتزازهم وإصداره قوانين سبتمبر 1983 التي بموجبها طبق قوانين الشريعة الإسلامية على كافة أنحاء السودان بما فيها الجنوب الذي يدين أغلب سكانه بغير الإسلام (المسيحية وديانات إفريقية وثنية) والتي كانت الشرارة لاندلاع الحرب الأهلية من جديد بشكل أكثر قوة وشراسة حتى انتهى الأمر باستقلال الجنوب في عهد البشير.
أما عن علاقة حسني مبارك بالسودان فبدأت عام 1970 برفقة نائب رئيس الجمهورية وقتذاك أنور السادات موفدين من جمال عبد الناصر لمساعدة النميري في القضاء على التمرد وكان حسني مبارك قائد سرب الطيران المكلف بقصف جزيرة (أبا) معقل التمرد على النميري.
وظلت علاقة حسني مبارك جيدة مع النميري حتى سقوطه في 1985 عقب عودته من رحلة علاج في أميركا وخروج الشعب السوداني والنقابات والاحزاب ضده ورفضهم هبوط طائرته في مطار الخرطوم وقيام الفريق عبد الرحمن سوار الذهب بتولي السلطة مؤقتاً ولجوء النميري للقاهرة.
أما عن علاقة حسني مبارك بالبشير فكانت متوترة أغلب الوقت وخصوصاً بعد حادث أديس أبابا ومحاولة اغتيال حسني مبارك على أيدي جماعات متشددة إسلامية قيل وقتها إنها تلقت دعماً وتدريباً في السودان وكذلك بسبب علاقة البشير الوطيدة بجماعة الإخوان، بل تسربت معلومات عن تشجيع مبارك للحركة الشعبية لتحرير السودان (بفرعيها الجنوب والشمال) في صراعها مع البشير وتوفير مقر للحركة بإحدى المدن الساحلية المصرية وتسهيل اتصالاتها بالدوائر الغربية والأممية لمساعدتهم في الحصول على الاستقلال وإعلان دولة الجنوب.
ويبدو أننا كلنا مسؤولون عن اقتطاع جزء عزيز من الخارطة العربية بعد أن تركناه نهباً للغرب ولإسرائيل وحملات التبشير الشرسة التي نجحت في تغيير الهوية واستلاب الثقافة واللغة عن طريق إنشاء المدارس والإرساليات التي استطاعت التأثير على أبناء الجنوب البسطاء .. الفقراء ودفعهم لتغيير هويتهم وانتمائهم العروبي.

إلى الأعلى