الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. من مثال الألوسي إلى كمال اللبواني .. تاريخ من العمالة يتجدد

شراع .. من مثال الألوسي إلى كمال اللبواني .. تاريخ من العمالة يتجدد

خميس التوبي

من ابتلاءات هذه الأمة أن يصاب تاريخها بتشوهات وبقع سوداء تغطي بصورة طاغية الجانب المضيء من هذا التاريخ، وكلما أرادت أن تزيل هذه التشوهات والبقع لتخرجه للناس طاهرًا بطهارة رسالتها المحبة للتسامح والخير ورفض الظلم والخنوع والذل والعمالة والخيانة والنفاق والدسائس والتآمر، خرجت من بين ظهرانيها أيادي العبث والعمالة ورموز الخيانة والدسائس والتآمر والعقول الرجعية لتتولى عملية التشويه والإساءة، ساعيةً إلى كتابة تاريخ مغاير يتواكب مع توجهها ومسلكها، ويناسب سلوكها الأخلاقي.
وفي الوقت الذي تسعى فيه هذه الأمة جاهدة إلى التخلص من آلام الماضي والحاضر، وتعيد صياغة تاريخها ومستقبلها بسواعد أبنائها الشرفاء الأحرار، وبحبر الكرامة والكبرياء والاستقلال والسيادة ومحاربة الاحتلال، والانتصار لقضاياها العادلة، تجد ذاتها تغرق في وحل النفاق والعمالة والتآمر ومستنقع الانحطاط الأخلاقي، لتصبح وتمسي على انهيار مريع في منظومة القيم والمبادئ والأخلاق والسياسة والدبلوماسية وكل الأعراف التي تعارفت وعرفت بها هذه الأمة.
وما أشبه اليوم بالبارحة، حيث يكثر ممارسو القوادة على أوطانهم، وتستشري المضاجعات السياسية غير الشرعية، وتطفو على السطح اللقاءات غير الشرعية في السر والعلن، ففي البارحة كانت الأمة على موعد مع مؤامرة حيكت خيوطها بليل ضد العراق؛ مؤامرة تلطت خلف جبال شاهقة من الأكاذيب والفبركات والتشويه، كانت مقدمة للزلزال الأكبر والأضخم في تاريخ الأمة ألا وهو إسقاط العراق وإخراجه من جميع المعادلات العربية والإقليمية والدولية، ولنهب ثرواته وتجريفه من كل مقومات قوته وبقائه ووحدته، حيث مثَّلَ حل الجيش العراقي والاغتيالات الممنهجة للعقول العلمية العراقية في المجالات العسكرية والفيزياء النووية والكيمياء وفي مجال تصنيع الصواريخ والطب، وأساتذة الجامعات، بالتزامن مع بذر بذور الطائفية والكراهية والتفرقة وغرس شجرة الإرهاب، مثَّلَ كل ذلك عناوين عريضة لحقيقة جبال الكذب والفبركات والتشويه. وهنا نتذكر ما أكده الرئيس السوري بشار الأسد في إحدى المقابلات التلفزيونية أن من بين مطالب الغزاة الأميركيين من دمشق عدم استضافة العلماء العراقيين والكفاءات العراقية.
على أن المؤلم والصادم في ذلك، أن هذه الكارثة بمختلف جوانبها التي حلت بالعراق وبشعبه والتي يكابد مآسيها ويصحو ويمسي يوميًّا على أنهار الدماء والجثث الممزقة والممددة في الطرقات والأرصفة وتحت أسقف المنازل، كان من بين الواقفين خلفها من هم محسوبون على الشعب العراقي ويحملون هوية العراق، كأمثال أحمد الجلبي ومثال الألوسي اللذين برزا في تاريخ مؤامرة تدمير العراق من خلال علاقاتهما المرتبطة بالاستخبارات الأميركية والصهيونية وزياراتهما المتكررة.
فالألوسي هو مؤسس حزب الأمة العراقية، وانضم إلى المؤتمر الوطني العراقي بقيادة أحمد الجلبي واشترك في عملية اقتحام السفارة العراقية في برلين عام 2002م، وحكمت عليه محكمة ألمانية بالسجن ثلاثة أعوام خففت إلى الإقامة الجبرية. وبعد سقوط بغداد عاد إلى العراق، وفي 2004م قام بزيارة إلى كيان الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2008م قام بزيارة أخرى إلى كيان الاحتلال للمشاركة في مؤتمر دولي عن الإرهاب الذي قال ـ في حوار مع الشرق الأوسط .. والمفارقة أن الألوسي بدلًا من أن يشير إلى الأصابع الحقيقية ـ وهي أصابع يعرفها ـ والأهداف التي تقف وراء تدمير العراق ونهب ثرواته النفطية واستهداف العلماء والكفاءات العلمية، استغل مداخلته في المؤتمر لمهاجمة إيران واتهامها بأنها إلى جانب تنظيم القاعدة والجهل تمثل خطرًا أمنيًّا على العراق، مستميتًا في الدفاع عن ما أسماها التجربة السياسية بعد الغزو.
اليوم وفي ظل مؤامرة ما سمي “الربيع العربي”، يتكرر المشهد العراقي من خلال المؤامرة ضد سوريا التي لا يزال معشر المتآمرين يرفعون جبال أكاذيبهم وفبركاتهم وتشويهاتهم وتحريضاتهم ليحجبوا شمس الحقيقة عن مؤامرتهم، ليلحقوا بسوريا قلب العروبة النابض بالعراق مهد الحضارات وإخراجها من جميع المعادلات العربية والإقليمية والدولية.
ومثلما كشفت المؤامرة على العراق أسماء العملاء والخونة، تكشف المؤامرة على سوريا أسماء تحاول عبثًا أن تعيد استنساخ السيناريو العراقي بذرائع واهية ومن بوابة كيان الاحتلال الصهيوني ومغازلة قادة جرائم الحرب الصهاينة، سواء كانت بصورة جماعية؛ كما هو حال ما يسمى “الائتلاف” السوري المعارض الذي تم جلب بيادقه من أروقة الاستخبارات الغربية وفنادق أوروبا والولايات المتحدة، أو بصورة فردية؛ كما هو حال المدعو كمال اللبواني الذي يسير على نهج أسياده “بتمليك ما لا يملك لمن لا يستحقه”، عارضًا الجولان السوري المحتل لكيان الاحتلال الصهيوني عربونًا من أجل أن يتدخل عسكريًّا لتدمير سوريا، وإبادة شعبها وتشريده. ولم يكف اللبواني عن التغزل بمجرمي الحرب الصهاينة الذين يرى فيهم المثل والقدوة، وعن كيانهم المحتل الذي يرى فيه الديمقراطية الحقيقية، وفي آخر تقليعات عمالته إعلان استعداده لزيارة أسياده في كيان الاحتلال الصهيوني “إذا كان ذلك يخدم الشعب السوري والسلام لشعوب المنطقة”، وأن مبادرته للسلام مع كيان الاحتلال الصهيوني هي الحل للعدالة والحق والصراعات والفوضى في المنطقة.
حقًّا إنها مواقف تعبر عن مدى ما وصلت إليه المعارضات غير الوطنية من التبعية والعمالة والتآمر، وعن مدى الانحطاط الأخلاقي والسلوكي بتقمص أدوار بعيدة كل البعد عن مصالح الأوطان والشعوب لتحقيق مشاريع استعمارية امبريالية، والمتاجرة بحقوق الشعوب وبقضاياها العادلة، والقيام بتلميع الوجوه الكريهة والقميئة لأبشع احتلال عرفه التاريخ المعاصر، أدوار خسيسة تعمل على تغطية الإرهاب الصهيوني وجرائم الحرب الصهيونية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني والسوري واللبناني والعراقي والليبي والمصري وغيرها؛ أدوار تبين حالة التحول من يفترض به أن يكون معارضًا شريفًا سويًّا خلوقًا إلى معارض يمارس مهنة القوادة على وطنه وأشقائه وأبناء وطنه.
إن ما عرضه ويعرضه اللبواني لأسياده المحتلين الصهاينة لفلسطين ولجزء من أرض سوريا التي يدعي انتماءه إليها من مقايضات، لا يخرج عن سياق العلاقة العضوية القائمة بين العصابات الإرهابية وكيان الاحتلال الصهيوني والدعم الصهيوني غير المسبوق اللوجستي والمباشر لتلك العصابات التي تعيث فسادًا وتدمر سوريا باسمه.

إلى الأعلى