الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أيها المثقفون العرب ,, من يصلح الملح إذا الملح فسد؟

أيها المثقفون العرب ,, من يصلح الملح إذا الملح فسد؟

محمد بن سعيد الفطيسي

”..بالطبع إننا هنا لا يمكن ان نعمم ذلك مطلقا، فالتعميم هنا ظلم عظيم ومدعاة لليأس والقنوط والمغالطة للحق والحقيقة، فكما وجد أولئك العملاء والخونة عبر العصور، وفي كل أمم العالم القديم والحديث، فقد قيض الله لهذه الأمة من الشرفاء الأوفياء المخلصين الكثير، فساهموا في بناء نهضتها وحضارتها،”
ــــــــــــــــــــــــــــ
إن المثقفين الشرفاء الأحرار بجميع شرائحهم وفئاتهم عبر العصور، كانوا وقود الأمم وقادتها وملهميها، إنهم الشموع التي احترقت عبر النضال والكفاح لتضيء للآخرين دروبهم، إنهم الصوت الحر في زمن الصمت والخيانة والعمالة والمداهنة والنفاق، والكلمة الجريئة الصادقة بين صراخ السعادين، الكلمة (التي تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها، وتجمعها، وتدفعها، إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي، فكل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان، أما الكلمات التي ولدت في الأفواه، وقذفت بها الألسنة، ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي، فقد ولدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام، ان أحدا لن يتبناها، لأنها ولدت ميتة، والناس لا يتبنون الأموات).
نعم … ان المثقفين الشرفاء، والكتاب الأحرار هم ضمائر الشعوب والأمم المثقلة بالجراح والهموم والألم، وصناع الحياة والحضارة ومصلحيها، والكبريت الذي احرق عشش القش والفساد التي حجبت الحقيقة عن الناس عبر التاريخ، إنهم الأجساد الطاهرة التي عبرت على جماجمها الأمم إلى سلم المجد والتقدم، والرئة التي طالما تنفست عبر منافذها الأرواح الهواء النقي الصافي، إنهم الملح الذي لا يصلح الطعام الحضاري ولا يستساغ إلا به.
ولو رجعنا إلى التاريخ قليلا لوجدنا ان تلك الشريحة من المثقفين الأحرار الشرفاء، قد اختاروا الموت على الحياة لأنهم وجدوا في موتهم حياة لغيرهم، وأحرقوا بالنار فاحترقوا فأناروا للعالم طريق الحقيقة والحق والحرية، ضيقت عليهم الدنيا بما رحبت، فلم ييأسوا ولم تكل أقلامهم ولم تبح أصواتهم ولم تخمد أنفاسهم، ظلموا في أوطانهم ونكل بهم ولكنهم في نهاية المطاف انتصروا لأنهم آمنوا بحقيقة واحدة، حقيقة ان الكلمة والكتابة التي لا يدفعها الكفاح والنضال والموت لأجلها، لا تزيد على كونها أدبا مستهلكا رديئا، وان الحق لا بد ان يحق ويتحقق، وانه مهما طال ليل الظلم وانتشر الفساد، فلا بد ان تشرق شمس الحقيقة على رؤوس الخونة والعملاء لقضايا أمتهم ولو بعد حين.
ولكن ماذا سيحدث للطعام إذا فسد الملح الذي يصلحه؟ ماذا سيحل بالأمم والشعوب التي يفسد ويخون زعماؤها وعلماؤها ومثقفوها ودعاتها ومصلحوها وكتابها وشعراؤها …الخ، ومن تعول عليهم أمر رفعتها وتقدمها ورقي حضارتها ومدنيتها؟ ماذا سيحل بها إذا ساد وتسيد الأمر دعاة الانحلال والفساد وكتاب المداهنة والخونة لقضايا أمتهم وثوابتها وقيمها، وعلماء الطغاة والشهوات والمجاملات؟ وشعراء الفتنة والمجون؟ (فالديدان والحشرات التي عاشت طويلا في المستنقع كفيلة بتدنيس كل مقدس، إذا نحن سمحنا لها بالحياة مرة أخرى في الأرض الطيبة، التي يجب ان تخلوا من الديدان والحشرات) والطفيليات.
فلقد ابتليت هذه الأمة العظيمة بمثل هؤلاء عبر سنوات عمرها “أطاله الله”، فمنهم من نشاهده يسير خلف مواكب الانحلال والفساد والمجون، بهدف الترويج لأفكار الضياع والتغريب والتحررية من الفضيلة والأخلاق والأديان، وآخرون من يتباكى على قضايا اليهود والصهاينة المجرمين، ويتبرك بهم لدى أعدائها، بل ويدافعون بكل ما أوتوا من قوة عن أحلامهم وقضاياهم وأمانيهم تحت دعوات المساواة والعدالة والرأي الآخر في المحافل والندوات والصحف والمجلات والمنتديات، والبعض منهم يسعى جاهدا لتمييع النصوص وتحريف الكلم عن مواضعه، وإزهاق الحق بهدف الحصول على الهبات والأموال او التقرب من ذوي السلطة.
نعم، وللأسف الشديد، لقد تسبب القسم الأول من هؤلاء العصبة من الخونة لهذه الأمة وقضاياها المصيرية بكثير من الخسائر في الموارد والأرواح، بل وكانوا السبب المباشر والرئيسي لتراجع دورنا الحضاري والمدني أمام بقية الأمم والشعوب اليوم، فخسرنا قضايانا العربية الكبرى بسبب أقلامهم وأفكارهم المسمومة والمأجورة، أما القسم الآخر من حملة براويز الدكتوراة والماجستير وبقية المسميات الأكاديمية فلم يزيدوا عن كونهم قد ساهموا في زيادة العبء على كاهل دولهم بسبب مصاريف تدريسهم وتدريبهم الطويلة، فالوطن العربي يحوي المئات من مخرجات التعليم من الجامعات والكليات التي تفقس كل عام ملايين الخريجين (الذين يساهمون في أزمة الغذاء العالمي، وأزمة المسكن وزيادة نسبة البطالة، وزيادة نسبة الحروب الخاسرة مع إسرائيل، وزيادة نسبة الحروب العربية ـ العربية).
وبالطبع فإننا هنا لا يمكن ان نعمم ذلك مطلقا، فالتعميم هنا ظلم عظيم ومدعاة لليأس والقنوط والمغالطة للحق والحقيقة، فكما وجد أولئك العملاء والخونة عبر العصور، وفي كل أمم العالم القديم والحديث، فقد قيض الله لهذه الأمة من الشرفاء الأوفياء المخلصين لها الكثير، فساهموا في بناء نهضتها وحضارتها، وقامت على أكتافهم ولحومهم عزتها ومجدها، وارتوت بدمائهم الطاهرة الزكية شرايين رفعتها وقوة أساساتها وقواعدها وأركانها الحضارية، فمن الشعراء من حول أبيات قصيدته إلى حديقة غناء بأروع وأنفس الكلمات، ساعيا من خلالها للترويج إلى السلام لا الاستسلام، والحب والتراحم وغيرها من صفات الخير والصلاح، ومن الكتاب والأدباء العرب من كانت كتاباته رصاص حي في وجه الطغيان والظلم والفساد والانحلال، وغيرهم من الأقلام الحرة الشريفة المناضلة في مختلف ميادين الفكر والثقافة والأدب في وطننا العربي الغالي.
فيا كتاب الأمة ومثقفوها، يا أصحاب الأقلام من الأدباء والشعراء والعلماء وغيرهم ممن يحسبون على مجتمع الفكر الإسلامي والعربي، إنكم ملح طعامها، فمن يصلح الطعام إذا الملح فسد، “إذا فسدتم أنتم” فاتقوا الله في هذه الأمة الكريمة، اتقوا الله في قضاياها وجراحها وهموم أبنائها وآلامهم، تريثوا قبل ان تبثوا سمومكم الفكرية وكتاباتكم الثقافية والأدبية المنحلة الماجنة، أو تنخروا في أساساتها بأميع كلماتكم وأفسقها، وتذكروا – انه ما من كاتب إلا سيفنى، ويبقي الدهر ما كتبت يداه، فلا تكتب بكفك غير شيء ، يسرك في القيامة ان تراه.
وجهوا أقلامكم لخدمة قضاياها وجراحها في فلسطين العربية المحتلة والعراق العربي الجريح والسودان والصومال وسوريا وغيرها من بلاد العرب والمسلمين، وجهوا كتاباتكم للتصدي لأعدائها من الصهاينة المجرمين واليهود الإرهابيين المحتلين لأجزاء غالية من تراب هذه الأمة والوطن العربي الغالي، وجهوا أقلامكم للوقوف في وجه مواكب الانحلال والسفور والفساد الأخلاقي، حاربوا باطل الظلم والكراهية بحق العدل والمساواة والحب والسلام، ونحن على يقين من العاقبة والعاقبة للصابرين.

إلى الأعلى