الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة .. صراع السلطات الاجتماعية .. وكيفية إدارتها؟

العين .. الثالثة .. صراع السلطات الاجتماعية .. وكيفية إدارتها؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

استوقفنا كثيرا تصريح منسوب لمعالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسئول عن الشئون الخارجية يشير فيه إلى انتهاء مرحلة الفوضى الخلاقة داخل منطقتنا العربية، وهذا صحيح، لكننا دخلنا مرحلة أخطر من تلك المرحلة، وهي مرحلة تداعياتها، اي تداعيات مرحلة الفوضى الخلاقة، واستشعار السلطات والقوى الاجتماعية التقليدية بضرورة اعادة الاعتبار لمراكزها التقليدية والتي شكلت طوال عقود طويلة الواقع الاجتماعي للسلطة السياسية، وهو واقع استفاد منه القليل المؤثر على السلطة السياسية، وقد جاءت احداث عام 2011 لتدخل كل القوى والسلطات الاجتماعية في دوامة التعويم مع فقدان القوة والتأثير للسلطات القديمة، فهل تجد هذه السلطات في مرحلة انتهاء الفوضى الخلاقة فرصتها المؤاتية لاستعادة قوتها ومن ثم منافعها ومصالحها المتعددة الأشكال والأنواع؟ وهل هي وحدها في الساحة الآن؟
لن ينكر، وهو أصلا غير منكور، انتماء كل فرد إلى فئة اجتماعية، قديما العائلة والقبيلة، وحديثا، برزت معها أشكال جديدة بفعل التطورات السياسية مثل النقابات والتكتلات الانتخابية ومؤسسات المجتمع المدني الفئوية والعامة ..الخ وكل هذا يشكل الآن الواقع الاجتماعي الجديد للسلطة السياسية في بلادنا، وماذا يعني هذا للدولة في مسيرتها الجديدة؟ يعني أن هناك فاعلين جددا ومؤثرين قد ظهروا فوق السطح كسروا احتكار السلطة الاجتماعية، ويعني كذلك أن بلادنا سوف تشهد صراعات من القوى القديمة لاستعادة قوتها أو على الأقل مركزيتها داخل منظومة السلطة الاجتماعية الجديدة، ويعني كذلك، أن قضية الالتزام وفق تعدد الانتماءات سالفة الذكر، ستظل هي الفيصل الذي سوف يشكل النجاح من عدمه للسلطات الاجتماعية المتصارعة طوال مرحلتنا الوطنية المقبلة، وقد تظهر لنا المسألة من الناحية النظرية بأن الكفة سوف تتجه نحو الانتماءات المهنية والوظيفية الفئوية لو مارست مؤسسات المجتمع المدني أدوارها بصورة صحيحة وفعالة، فقد انتشرت هذه المؤسسات واحتوت الأفراد داخل مظلتها الدفاعية والرعائية في مواجهة اي انتهاك لحقوقهم سواء من قبل السلطات الحكومية أو السلطات الرسمية أو الجماعات الأخرى .. وهذا بدوره قد يفكك أو يفرغ انتماء الأفراد من سلطاتهم الاجتماعية التقليدية لو وجدوا في هذه المؤسسات الفعالية في الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم، مما سوف يبرز للدولة مفهوما جديدا للسلطة الاجتماعية وهي سلطة الجماعة كالنقابات والجمعيات .. وبإمكان هذه السلطات الجديدة أن تطالب المنتمي إليها ببعض الأعمال، وان توجه مسلكه الوجهة الملائمة لأهدافها المنشودة، وهنا سوف نجد تحولا كبيرا قد طرأ على مفهوم السلطة الاجتماعية التقليدية التي كان يتحكم فيها بالمطلق العائلة أو القبيلة، وهذا التحول إن لم يكن بذلك الفعالية الملموسة ماهية وحجما، الا أنه مشهد قد أصبح منظورا وليس مستشرفا له، فهناك حالات مد وجزر تظهر بين الفينة والأخرى هي التي تعطينا ذلك الحكم، كما أن مجتمعنا العماني قد أصبح منفتحا ومفتوحا على كل التطورات بفعل الأحداث السياسية الداخلية التي تطرأ منذ عام 2011، مما ينبغي القول صراحة بأن تعدد السلطات الاجتماعية قد أصبح من ملامح المرحلة الوطنية الراهنة، وهذا شيء طبيعي لنتاج التطور في بلادنا، كما أن صراعاتها تعد كذلك من التطورات الديناميكية الطبيعية لحيوية المجتمع وتقدمه، كما أن شعور السلطات الاجتماعية التقليدية بالقلق على وضعها شيء طبيعي كذلك، ومتوقع بديهة، وسوف يكون من الطبيعي أن تفجر السلطات التقليدية إكراهات اجتماعية بصورة دورية كرسائل للسلطة السياسية لكي تثبت أن دورها لم ينته، وانه لا يزال صالحا لكل المراحل، بينما ستحاول السلطات الجديدة في المقابل العمل الشيء نفسه لإثبات الوجود، والأهم الذي ينبغي ان تدركه السلطة السياسية إذا ما وصلت إلى هذه التعددية من السلطات الاجتماعية وصراعاتها، أنه لا يمكن أن تجد أية فئة اجتماعية بلا سلطة ولا أنظمة .. فالأفراد إما سوف يكونون في نقابات أو جمعيات أو جماعات اجتماعية في صور عديدة ومتنوعة مهما اختلفت التسميات … هذا بحكم التطور السياسي، وهو تطور يتناغم وينسجم مع الكونية المعاصرة التي انحازت لحقيقة مهمة في كينونة الإنسان نفسه، وهي أن الإنسان ليس حيوانا اجتماعيا ومفكرا فحسب، وإنما لديه أهواء جامحة ورغبات لا تشبع ومن هذه الجزئية المهمة ينبغي القول بشفافية عالية أن وجود فئات اجتماعية عديدة ومختلفة منها تقليدية وأخرى حديثة سوف يفجر النزاعات الفردية والجماعية، وهذه ستكون أهم سمات مرحلتنا الوطنية، وهي طبيعية كذلك، لكن كيف يمكن للدولة ادارتها؟ وهذا الذي يدفع بنا إلى فتح هذا الملف الآن بالذات، فالمتأمل في واقع حياتنا الاجتماعية المعاصرة، سوف يلحظ اختفاء شكل أو نموذج السلطة المباشرة التي قد نجدها في فرد ما داخل الكيانات الاجتماعية أو كيانات معنوية محددة ومحدودة وفق ما كانت تقدمه لنا التجربة التاريخية الاجتماعية، حيث كان لبعض الأفراد الذين يمثلون السلطة الاجتماعية المباشرة لديهم المقدرة على فرض ارائهم على كافة الجماعة دون ان يتولى ممارستها أي احد منهم، ما من أحد يأمر، لكن الجميع يطيعون، فهل اختفى هذا النوع من السلطات؟ علينا معرفة ان هذا النوع من السلطات هي وليدة ظروف سياسية لا مجتمعية، وربما يكون بعضها من صنيعتها، وبتغير هذه الظروف تفقد هذه السلطة مركزيتها التقليدية، لكن، تظل هناك محاولات من النخب القديمة لعودة هذه السلطة للمرحلة الجديدة، إذ إنها لم تعد تحتكر المشهد الاجتماعي لوحدها كما كانت، وهذا ينقلنا إلى النوع الثاني من السلطات التي بدأت تتبلور اجتماعيًّا، وهي السلطة المكونة من مجموعة جماعات، يكون بينها علاقات منتظمة، وفعلا، فقد تشكلت هذه الجماعات عن طريق الانفتاح والحوار، كما ان هناك سلطة جديدة قد بدأ يكون لها شأن متصاعد، ونتوقع منها إحداث صراعات كبيرة، إذ لم تدرها الدولة كما يجب، وهو ما يطلق عليها السلطة المؤسسة، وهي تكمن في النقابات والجمعيات، حيث يكون ممارسة السلطة فيها من قبل مجلس إدارة النقابة أو الجمعية.
إذن، هكذا ينبغي رؤية مجتمعنا بل مجتمعاتنا المحلية وفق متغيراتها الديناميكية الجديدة سواء ظهرت تأثيرها الآن أو لاحقا، وكل ما سوف يظهر حاليا، ما هو الا اجتهادات فردية للسيطرة على السلطة الاجتماعية في كل نماذجها الثلاث، فهل ينبغي على الدولة اتباع النهج القديم عندما كانت السلطة الاجتماعية محتكرة من فرد أو مجموعة افراد يأمرون ويطيعون أم عليها ان تعتد بجميع السلطات الاجتماعية القديمة والجديدة؟ وكيف لها أن ترضى الكل؟ لن يتأتى لها ذلك سوى عن طريق دولة الحق بعد ان تكون اعلت من شأن توجه دولة المؤسسات والقانون بجناحيه العدال والمساواة بين ومع الكل، فتعدد السلطات الاجتماعية وتنوعها وتعقدها، واستحالة السيطرة عليها بالوسيلة القديمة لن يحكمها سوى القانون والمساواة في تطبيقه وبحيادية تامة وكاملة، وحتى السلطات نفسها لن ترضى من دونه أي خيار آخر، فمن له حق عليه أن يأخذه عن طريق القانون فقط، ودون ذلك ستجد الدولة نفسها في مجموعة اشكالات واشكاليات مجتمعية، ومن ثم ليس من خيار لبلد لديه ثقل اجتماعي عميق ومعقد جدا وسلطات متنازعة ومتصارعة سوى جعل القانون الحاكم للنزاعات الفردية والجماعية بين السلطات بعضها البعض أو بين السلطات الاجتماعية والسلطات الحكومية من جهة وجعل مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية لوحدها كفيلة بحل الإشكاليات دون الزج بسلطات اجتماعية يكون له قوة أكبر من قوة المؤسسات الدستورية والقانونية، وإلا، فنتأمل التداعيات فهى قد أصبحت على مرمى البصر وليست البصيرة؟

إلى الأعلى