الثلاثاء 25 فبراير 2020 م - ١ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: الأطفال العالقون بالموصل من ينقذهم؟

في الحدث: الأطفال العالقون بالموصل من ينقذهم؟

طارق أشقر

رغم أن الحروب بشكل عام أمر مرفوض، وينبغي أن يسعى كل ذي عقل لإيقافها أينما كانت جغرافيتها، وبأقل الخسائر الممكنة في حال تكون مبررات قيامها مصيرية، إلا أن ما نشرته منظمة (انقذوا الأطفال) العالمية في هذا الأسبوع حول وجود أكثر من ستمئة ألف طفل عالقين في الموصل، يزيد من قبح مفهوم الحروب والتقزز منها، ويرفع من سقف الدعوات بأن تتجنبها البشرية دائما، وذلك لقدسية حياة الإنسان.
إن مطالبة منظمة “انقذوا الأطفال” بضرورة فتح الممرات الآمنة للأطفال العالقين وعائلاتهم في الموصل، تأتي في وقت تشكل فيه معارك الموصل مرحلة مفصلية في تاريخ العراق والمنطقة العربية بمختلف أبعادها وحدودها الجغرافية والاجتماعية والتاريخية معا، خصوصا وأن المعارك موجهة في الأصل للقضاء على تنظيم “داعش” الذي ظل جاثما على مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق بعد بغداد منذ عام 2014، أو لطرده أو إضعافه على أسوأ الفروض.
كما أن المطالبة نفسها ـ بضرورة فتح الممرات للأطفال وعائلاتهم من المدنيين ـ تعتبر ذات أهمية كون أن عدد الأطفال المهددة حياتهم ليس بالعشرات أو المئات، بل يصل حسب المنظمة إلى ستمئة ألف في مدينة يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، بمعنى أن عدد العالقين من الأطفال يساوي أكثر من ربع سكان الموصل!.. وهي الكارثة بعينها إن لم تتمكن الجهات المعنية، سواء كانت الحكومة العراقية أو قوات التحالف الدولي أو البشمرجة أو قوات الحشد أو الأتراك أو غيرهم من إنقاذ ذلك العدد من رجال ونساء الغد.
كما أن وجود هذا العدد الكبير من الأطفال العالقين في جغرافية صراع يعرف أحد أطرافه بالعنف المتطرف، ألا وهو الطرف الداعئشي، يوسع من الخوف على الأطفال العالقين، خصوصا وأن التاريخ الداعشي رغم قصر مدته اشتهر بالحدة والتطرف في التعامل مع الأطفال الذين كثيرا ما تم استخدامهم هم والنساء دروعا بشرية أو مقاتلين يقتلون فيهم الطفولة والبراءة أولا ثم يوكلون إليهم مهام القتل والذبح وغيرها.
أما المخاوف الأخرى والتي نأمل أن لا يكون لها مبرر قوي، هي وجود ذلك العدد من الأطفال في جغرافية حرب استعرت في وقت ازدادت فيه حالة الاستقطاب الطائفي في العراق والعديد من مناحي المنطقة العربية المجاورة، راجين أن لا تقود الاستقطاب الطائفي الحاد إلى التعامي عن أهمية أرواح الأطفال كرصيد للأمتين العربية والإسلامية دون اعتبار لطائفة أو غيرها، وذلك لأنهم في نهاية المطاف بشر لهم الحق في الحياة، وسيكون عليهم واجب في المشاركة في بناء العراق في حال توافر لهم الاستقرار، والأمن والطمأنينة والتعليم والصحة لينشأوا تنشئة اجتماعية وطنية سليمة تدفعهم للانتماء الوطني لبلادهم والقومي لمنطقتهم.
وعليه وكيفما كانت الظروف الجيوسياسية لمعركة الموصل، ومهما كانت محاربة “داعش” ضرورية لضمان استقرار العراق وما حوله، يظل فتح الممرات الآمنة لهؤلاء الأطفال أكثر أهمية من أي حرب مهما كانت قدسيتها. آملين في أن ترق قلوب القائمين على حرب الموصل، سواء كانوا تحالف بمختلف مكوناته ومن هم ضدهم من دواعش، حتى لا يفقد العراق ثروة مستقبلية مقدارها العددي ستمئة ألف طفل، بينما مقدارها (الحقيقي) كنوز وطنية مستقبلية أغلى من النفط والسلاح والسلطة والجاه والطائفة معا …. فترى ما مصيرهم ومن ينقذهم إن لم يبادر العراف نفسه إلى إنقاذهم؟

إلى الأعلى