الثلاثاء 25 فبراير 2020 م - ١ رجب ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: ذاكرة حزينة لم يتعلم العرب منها

باختصار: ذاكرة حزينة لم يتعلم العرب منها

زهير ماجد

ليست المشكلة فقط في وعد بلفور الذي مرت ذكراه المئوية يوم أمس، بل هي الفاجعة في التعامل مع الأمة باستصغارها تماما، والنظر إليها على أنها أملاك خاصة يمكن التلاعب بمصائرها وبوضعها الجغرافي والإنساني. تحت هذا المفهوم جاء اتفاق سايكس بيكو، وفي امتداده، وقعت النكبة الكبرى 1948 في فلسطين، ثم الهجوم على مصر 1956 ثم هزيمتها 1967 ثم التلاعب بنتائج حرب أكتوبر، وصولا إلى حرب لبنان، ثم الجحيم العربي الذي ما زلنا نعيشه وسنظل .
أمة صغّرت أكتافها وقللت من هيبتها، ونفخت في روحها أسس الانقسام حتى أصبحت بائدة في ذهن الغرب رغم أنها موجودة.. ولولا ظهور النفط فيها لكانت منقرضة لدى هذا الغرب، إلا إذا أخذ بعين الاعتبار موقعها الجغرافي القديم وحتى الحديث، فهو أيضا لهذه الغايات سيظل يتلاعب بها، ومن المؤسف أن الكثرة كانت راضية وبعضها ما زال إلى اليوم .
لكن المؤسف الأكبر، أن الغرب جاهر في عداوة تجربة عربية كادت أن تحيي في الأمة مسألة حضورها ودورها وعودة الروح إليها إبان مرحلة الناصرية في مصر، لم يعجب بعض العرب هذا الأمر، وليس الغرب فقط، كانت هنالك يقظة تريد أن تمسح كل آثار صغرت صورة الأمة، تريد أن تعيد لها هيبتها التي خسرتها، ووحدتها التي تقاسمها هذا الغرب الذي ما زال إلى اليوم يعتبرها من أملاكه ويتصرف معها على هذا الأساس رغم أنه يقوم بتمثيل دور المحترم لها والمعترف باستقلالها .
حارب بعض العرب أكثر من الغرب تلك التجربة، دفعوا الأموال للخلاص من عبدالناصر، ووصلوا غاياتهم في العام 1967، بل إنهم ارتاحوا تماما يوم توفي هذا الزعيم، والذي أعقبه تغيير شامل، دفع بخلفه إلى خيار معاكس، فكان ذهابه إلى إسرائيل ليس فقط اعترافا بإسرائيل، بل إسقاطا للحق الفلسطيني وللحق العربي في خياراته الكبرى، ولم ينفع منذ ذلك التاريخ ما كتب على ورق الاتفاق المصري الإسرائيلي حول مصير القضية الفلسطينية.
ليس مفاجئا إذن أن يأكل الغرب اللحم العربي بما يتناسب مع أهدافه التي حقق العديد منها .. رغم الاستفاقة التي حدثت في تاريخها المعاصر الذي أشرنا إليه في مصر. وها هم العرب اليوم بعد كل هذا التاريخ وما تحقق على حساب مصيرهم وضده، يمارسون لعبة قتل الذات انتقاما من أية صورة مشرقة قائمة أو قد تقوم في حياة أمة باتت في حاجة ماسة إلى الخروج من محنتها المصيرية .
في الذكرى المئوية لوعد بلفور لا هيبة لأمة تقتل نفسها بمالها المقدس الذي سخره الله في أرضها كي تؤدي به أغراضا غير تلك التي تفعلها اليوم. سقطت فلسطين ليس لقوة عند اليهود أو الغرب، بل لأن العرب هم الذين أسقطوا أنفسهم وقدموها هدية للغرب وللكيان الجديد الذي قام على حسابهم.
في هذه المعمعة الدائرة في بلاد العرب والتي تهدد الجميع وحتى أولئك الذين يظنون بعدها عنهم، لم يبقَ أمل في التغيير، فهكذا تاريخ مغلق على الجرائم بحق مستقبل شعوب العرب، سيظل يطلق صفارة إنذاره، وبالاعتقاد بل أكاد أجزم أن الأمل بعيد في هكذا مناخ سائد بتحقيق تسوية تتغلب على التاريخ والحاضر والمستقبل معا .

إلى الأعلى