الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في المشاريع الفائزة بجائزة الأغا خان للعمارة 2016 ( 2 )

قراءة في المشاريع الفائزة بجائزة الأغا خان للعمارة 2016 ( 2 )

نستمر في هذه الحلقة الثانية في عرض وقراءة المشاريع الستة الفائزة بدورة الأغا خان الثالثة عشرة. وفي هذه المساحة نعرض ثلاثة مشاريع هي مسجد بيت الرؤوف ومركز غياباندا للصداقة ومكتبة يوانير الصغيرة للأطفال بالصين. وقد وصفت أدبيات الجائزة مسجد بيت الرؤوف باحتوائه على رمزية مجردة لا تشوبها الأشكال التقليدية لعمارة المساجد. فقد ذهبت القبة والمآذن السائدة دائما، واللوحات الزخرفية من التصاميم والخطوط. في مكانها تقف جدران محكمة الإنشاء من الطوب التي تضفي على المبنى هالة فريدة من الروحانية. أما مركز الصداقة فتميز بأنه متآلف أحادي، وكسلسلة مستمرة من المواد في وئام مع محيطه، يجسد مركز الصداقة ما وصفه لوي كان بأنه “عمارة الأرض”. وتنظر لجنة التحكيم على أن كل جانب من هذا المشروع هو محليّ – إلهام محلي، بناؤون محليون ومواد محلية ومنظمة غير حكومية محلية – إلا أن قيمتها المعمارية هي بدون شك عالمية وتستحق التقدير والاهتمام على حد سواء. أما مكتبة يوانير الصغيرة للأطفال فقد امتازت بأهمية تطوير الموقع والمجتمع المحلي. فقد كانت أزقة بكين تختفي بسرعة. فالمجمعات السكنية مع طبقاتها من الفراغات والساحات المتعددة كان ينظر إليها غالبا على أنها في حالة فوضى وغير صحية، تقريبا مثل الأحياء الفقيرة. إذا وجدوا مكانا في المدينة الحديثة يكون غالبا في شكل معقم كمنطقة جذب سياحي ومليئة بمحلات الألبسة الصغيرة. ولذلك رأت اللجنة أن حي هوتونغ يوفر مثالا عن كيف يمكن لإعادة الاستخدام مع التكيف للمباني القديمة أن يصبح أساسا لشكل جديد من الحضرية المصغرة التي تبني معاملة تبادلية منتجة بين الخاص والعام. وهو منهج يمكن ان يحتمل تكراره في مواقع أخرى وضمن تنوع المجتمعات؟ وتاليا نقرأ هذه المشروعات على ضوء ما ورد في أدبيات الجائزة.
***
أولا: مسجد بيت الرؤوف، دكا، بنغلاديش المعماري: مارينا تبسوم، صاحب العمل: صوفيا خاتون
تعرّف أدبيات الجائزة مقومات فوز هذا المشروع الذي يتميز بخلوه من المفردات الكلاسيكية التي حفلت بها عمارة المساجد على مدى التاريخ الإسلامي. فالمسجد يمتاز بخلوه تماما من عناصر المسجد التقليدية كالمئذنة والقبة والمحراب والمنبر، لكنه يقدم فراغا معماريا بسيطا وجميلا من الخارج، وفراغا روحانيا هادئا من الداخل. ومن نواح عديدة فقد كان الالتزام بالضروري، سواء في تعريف الفراغ أو وسائل البناء، حاسما في صياغة تصميم مسجد بيت الرؤوف. فمن خلال القليل الذي تم توفيره، كالأرض التي تبرعت بها جدتها والأموال القليلة التي قدمها المجتمع المحلي، أنشأت المهندسة المعمارية مكانا أساسيا للتأمل والصلاة.
وقد أعلت لجنة التحكيم من شأن تصميم مسجد بيت الرؤوف البسيط والمبتكر فعبرت عن ذلك بالقول” في منطقة انتقالية محصورة بين كثافة حضرية عالية وعلى تخوم الريف، مسجد الطوب هو مبنى رائع النسب والذي هو معا أنيق وأبدي. ممول أساسا من قبل متبرعي المجتمع المحلي، تصميم المسجد يتحدى الوضع القائم ويدرك أن فراغ الصلاة يجب أن يعلي الروحانيات. المسجد يصنع ذلك من خلال خلق فراغ داخلي والذي هو غني بالنور والظل، ولكن في نفس الوقت يمتلك البساطة القوية التي تسمح بالتأمل العميق والتدبر أثناء الصلاة.
ويمتاز موقع المسجد غير منتظم الشكل أنه مغطى بمصطبة عالية، والتي لا تحميه من الفيضانات فحسب ولكن توفر مكانا للتجمع منفصلا عن الشارع المزدحم في الأسفل. وفوق المصطبة يجلس المسجد، بشكله المربع الكامل، 23 مترا x 23 مترا وبارتفاع 7.6 مترا. وداخل هذا المربع توجد أسطوانة تم إحلالها بالزاوية الشمالية الغربية من الجدار المحيط لخلق عمق إضافي للرواق ومنطقة الوضوء في الجانبين المقابلين الجنوبي والشرقي على التوالي. وداخل هذه الأسطوانة يوجد مربع أصغر، 16.75 مترا لكل ضلع، وبارتفاع 10.6 متر، وهو أطول بثلاثة أمتار عن الجدار المحيط. وبتدويره ضمن الأسطوانة لتوجيهه نحو القبلة، هذا الجناح يحتوي على قاعة الصلاة، والتي تم فصلها عن بقية المنشأ بواسطة كوات ضوء علوية مفتوحة للسماء.
يوجد نظامان إنشائيان في المسجد، جدران الطوب الحاملة التي تحدد المحيط الخارجي والفراغات الصغيرة، والهيكل الخرساني الذي يمتد عبر قاعة الصلاة الخالية من الأعمدة. جدران الطوب تستغل العمق بين المربع الخارجي والأسطوانة الداخلية، وتسمح بتدعيم الفراغ الخلالي. وهذا بدوره يسمح للمساحات الموجودة بين المنشأ الحامل أن تكون من الطوب، تاركة الطوب بتناوب تبادلي وتدورها حول محور. في قاعة الصلاة الرئيسة نفسها توجد فجوة رأسية بسيطة تدل على اتجاه القبلة، لكن الفجوة الغائرة تمت فلطحتها نحو الخارج بحيث لا تشتت انتباه المصلين بواسطة خطوط النظر على الشوارع المزدحمة. ما يراه المصلون بدلا من ذلك هو الضوء المنعكس من الجدار الخلفي. مغمور بالنور، ومفتوح على العناصر، “يتنفس” المسجد.
كما رأت لجنة التحكيم في ترشيحها لفوز المسجد أنه “يظهر وكأنه متأثر بمصادر متعددة – أحد المرجعيات الأساسية التقليدية هو تراث منشآت الطوب الطيني الرسمية في سلطنة البنغال من القرن الخامس عشر؛ والتأثير الآخر من مجمع الكابيتول الذي بناه لوي كان في داكا.
وترى اللجنة” إن جودة البناء كثيرا ما ترفع جودة الحياة. ولا يبدو ذلك أكثر وضوحا في أي مكان أكثر من مسجد الرؤوف، والذي يحوي طبقات هندسية معقدة من الفراغات، غرفة صلاة مربعة محتواة ضمن جدران أسطوانية، والتي بدورها محاطة بمربع من منشأ من الطوب الطيني والتي هي بمثابة الوجه العام المتقشف للمبنى. ضمن قاعة الصلاة، خلقت المصممة تفاعلا حساسا من الجدران العارية والتي يغلفها الطوب الأحمر وتخترقها مناور رأسية من الضوء والتي تخلق رمزية مجردة وتقريبا أزلية عند مطالعتها بالتزامن مع بقع الضوء التي ترسم نقطا على سطح الأرضيات العارية في لحظات مختلفة من اليوم. “.

***
ثانيا: مركز الصداقة، غايباندا، بنغلاديش، المعماري: كاشف تشودوري أوربانا، صاحب العمل: منظمة الصداقة غير الحكومية
يتميز المركز بأنه عبارة عن منشأة تدريبية لمنظمة الصداقة غير الحكومية، والتي تعمل مع المجتمعات التي تعيش في السهول الريفية شمال بنغلاديش. في هذه المنطقة ترتفع المباني الدائمة تقليديا عن الأرض بمقدار 2.4 متر للحد من الفيضانات، لكن الميزانية لم تسمح بذلك هنا. وبدلا من ذلك، تم بناء ساتر ترابي حول الموقع بأدراج تقود للأسفل داخل المبنى من أطرافه المفتوحة. باعتماد مفردات المدينة المسورة، تم تنظيم البرنامج حول سلسلة من الأجنحة التي تنفتح للداخل على ساحات وبرك مائية. وبسبب الجدار الساتر لا يوجد ضوء أفقي، ولذلك فبشكل جوهري فالمركز مضاء من الأعلى. وهذا الاتصال بين عمارة الأرض وبين الضوء القادم للأسفل من الأعلى يصنع مبنى عناصريا جدا.
المسقط الأفقي يتميز بأنه شكل صليب متقاطع. الحركة تمتد على طول المركز لربط الدرجين الخارجيين بينما يقطع جزئا البرنامج الموقع في الاتجاه الآخر – كتلة “كا” تحتوي على الفراغات العامة مثل قاعات التدريس والمكاتب، وكتلة “خا” حيث السكن الأكثر خصوصية. وبين الكتلين توجد خزانات كبيرة لتجميع مياه الأمطار. أما التنسيق الحدائقي فيوجد على مستويين – على أرصفة الطوب في كل مناطق الحركة والساحات؛ وفوق الأسطح الترابية المغطاة بالخضرة والتي تعمل كعوازل وتمتص الأمطار.
بناء الطوب التقليدي يستخدم في سياق حداثي. وتم فرز الطوب بناء على الحجم والشكل واللون من قبل مهندسي الموقع الذين حافظوا فقط على ثلاثة من كل عشرة من الطوب المنتجة بواسطة الفرن المحلي. وبالطبع فقط الأكثر جمالية من الطوب تم استخدامها لصنع التشطيبات النهائية للطوب المكشوف بينما الباقية تم إدراجها في الأساسات والأجزاء غير المرئية من المبنى. المبنى في أجزاء منه معزز بالخرسانة لأنها منطقة زلازل.

وقد ورد في تقرير لجنة التحكيم في مركز الصداقة ما يؤهله للفوز بالجائزة المعايير التالية” فبالنظر إلى مجمع الطوب الغارق لمركز الصداقة، يتذكر المرء البقايا الأثرية للمعبد البوذي القريب فاسو بيهارا، المبني خلال القرنين الثالث والرابع. مركز الصداقة يطمس الحدود بين موقع أثري ومشروع معماري وتنسيق حدائق. من خلال تكوينه واستخدامه لأسطح عشبية يصبح جزءا لا يتجزأ من التنسيق الحدائقي الطبيعي المحيط به. هذه العلاقة مع الأرض “الأرضية” هي حرفية ومجازية في آن واحد. التخطيط الرباعي والبناء الماهر بالطوب يعكس استمرارية التقاليد المعمارية المحلية.
كذلك فإن “منهج التصميم التكاملي مسجل في كل جانب من المشروع، وعلى كل نطاق. وتراكب الفراغات الداخلية والخارجية مع معالجة الأسطح تجعل المبنى غير عادي ومبتكر. بمساحاته الغارقة في الأرض والنباتات التي تنمو على سطحه يندمج المجمع بشكل رائع في محيطه الطبيعي. علاقته بالتنسيق الحدائقي والتاريخ والآثار لافتة للنظر في كل النواحي. وامتدحت لجنة التحكيم “الاهتمام بالتفاصيل والمقياس الإنساني، والذي هو معبّر عنه ببساطة تصميم الأثاث المتقنة وفي صنع سلسلة من الأجنحة الصغيرة والبرك المائية وفي عناصر التنسيق الحدائقي. كلها تساعد على خلق جو ودّي لتدعم وظيفة المبنى لتمكين المجتمعات الريفية المهمّشة التي تعيش في سهول الفيضان الخطرة.
***
ثالثا: مكتبة يوانير الصغيرة للأطفال ومركز الفنون، بكين، الصين المعماري: زاو /standardarchitecture زانغ كي، صاحب العمل: داشيلار للاستثمارات
إن محاولة العثور على استخدام جديد لهذا النموذج من المبنى التقليدي، نموذجا يمكن أن يخدم المجتمع المحلي، قد حدا بهذا المقترح لإيجاد فراغ يمكن أن يخدم الطلاب من المدرسة الابتدائية القريبة وما تبقى من سكان الحارات وغالبهم من كبار السن. وبجانب فراغ لمكتبة ومعرض للأطفال يستضيف المركز استوديو الحرف التقليدية المحلي ودروسا في الرسم والرقص. فلقد كان مفتاح التصميم تجديد وإعادة استخدام العناصر الموجودة في الساحة والتي تشمل منشآت غير نظامية مضافة مثل المطابخ. التحشيد تبع الظروف التي وجدت في الموقع، وتم تحديد ارتفاع الصناديق بارتفاع السقف حولها. إن تجميع كل الكتل والنشاطات هو شجرة أكاديمية عملاقة، ربما عمرها 600 سنة – بعمر الساحة نفسها.
المباني المعاد تصميمها في وسط الساحة تتكون من بنية خفيفة من الحديد وأساسات عائمة – جسور حديدية مفرغة موضوعة على الأرض – من أجل حماية جذور الشجرة. المواد – التي اختيرت لتندمج مع البيئة الحضرية المحيطة هي أساسا الطوب الرمادي سواء جديدا أو معاد تدويره، وللمكتبة استعملت خرسانة مختلطة مع الحبر الصيني – وهو ابتكار تم اختباره هنا للمرة الأولى.
داخل المكتبة أطّرت النوافذ مناظر غير عادية تطل على الساحة وتتبع الوظائف الداخلية – كزاوية القراءة المزججة على سبيل المثال التي يصل إليها الأطفال عن طريق تسلق بعض الدرجات. أما الأثاث القابل للتكيف – مقاعد يمكن أن تصبح طاولة مخصصة أو “كهف سري” مثلا – فيستوعب عفوية الطفولة.
في الخارج، يخلق إدخال درج خارجي بجانب كل منشأ منصات للنظر وسط أغصان الشجرة حيث يمكن لمستخدمي الساحة – من الأطفال والكبار على حد سواء – مسح الحي بصريا والاستمتاع بالهواء النادر المفعم بالكلوروفيل.
وقد رأت لجنة التحكيم أن ” للتحضر في الصين علاقة معقدة مع الماضي، إذ كيف يمكنك المضي قدما في ذات الوقت الذي تتبين فيه قيم التراث المبني؟ الاستجابة لهذا السؤال قادت في كثير من الأحيان إلى تناقض صارخ بين القديم والجديد، حيث ينظر للأخير على أنه العلامة الوحيدة للتقدم. ومع ذلك فقد استجلب آخرون منهجيات بديلة للتحضر. وعلى نحو متزايد هناك دعوة للمزيد من اعتبار أكثر دقة للقديم والقائم كأجزاء محتملة لا غنى عنها للتطور الحضري.
ولذلك فبحسب رأي لجنة التحكيم فقد كانت “مكتبة يوانير الصغيرة للأطفال ومركز الفنون هي ممثل نموذجي للتعديل وإعادة استخدام والتكيف لمبنى تاريخي. في بكين، كما في أماكن أخرى، يجري ترميم عدد متزايد من الحارات القديمة. لكن هذه الحارة ليست مشروع ترميم نموذجيا. من خلال توفير منشآت جديدة واستخدامات عامة جديدة في وسط ساحة المبنى فإنه يربط بقوة الحياة الخاصة للسكان الأكبر سنا مع الاستخدام العام لمكتبة الأطفال الجديدة ومركز الفنون.
ومن ناحية أخرى ترى لجنة التحكيم أن “الاستراتيجية المعمارية لهذا التدخل المتواضع والدقيق للغاية هي استخدام المباني القائمة والتنسيق الحدائقي كعماد للمبنى الجديد. لقد ساعد استخدام ألواح محدودة من المواد مثل الطوب والخشب والزجاج فراغ الساحة ليصبح أكثر كثافة من خلال إضافة منشآت جديدة. وللحديث بقية ..

د. وليد احمد السيد

إلى الأعلى