السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تيارات التعرية الثقافية

تيارات التعرية الثقافية

أ.د. محمد الدعمي

”إن العولمة راحت تتسع وتتشعب على نحو أفقي: فبعدما كانت مفهوماً اقتصاديًّا حسب، تحولت اليوم إلى عملية مزج ثقافي وأخلاقي وديني وإثني لا يستثني أحداً، مهما بلغت حصانته ومقاومته من قوة دفاعية لتدخل إليه من حيث لا يدري، إذ يجدها في غرفة نومه وفي حمامه وحتى في خلوته بالبراري وهو يحاول الارتداد إلى البادية بهدف “اجترار” ما حفظه من ذكريات الآباء والأجداد…”
ـــــــــــــــــــــــ
بفضل وسائل الاتصال الخاطفة السرعة، يبدو أن العالم قد غادر العصر الذي كان فيه كتاب مثل الزعيم الشيوعي العراقي عزيز الحاج يحتج على “انتحال” إسرائيليين عدداً من المقامات والرقصات الشعبية المحلية العراقية، ذلك أن تيارات التعرية الثقافية المنبثقة عبر شبكة الاتصالات الدولية ووسائل الاتصال الاجتماعي راحت تهدم الجدران الفاصلة بين الثقافات القومية والدينية، وكأنها تستجيب لدافعية العولمة الثقافية الكاسحة التي، كما أراها، أخذت توجه الثقافة الآدمية نحو التوحد والوحدة تحت ظل أنموذج الثقافة الأميركية كي تُلبس الثقافات المختلفة بدلة جاهزة، ليس ثقافتنا فحسب، بل ثقافات الأوروبيين كذلك.
وإذا كان الإسرائيليون (من يهود بابل، خاصة) يتصرفون بدافع حبهم لبلاد الرافدين التي استقروا بها أكثر من 2760 عاماً، فإنهم لم يكونوا ينوون فعل “الانتحال”، كما صوره الحاج، بقدر ما كانوا يحاولون التعبير عن اعتزازهم بإرث ثقافي أسهموا هم، مع سواهم من الأقوام الرافدينية، بتكوينه عبر عملية المثاقفة البطيئة التي تواصلت طوال هذه القرون حتى أفرزت مبدعاً يهودياً عراقيًّا اسمه صالح الكويتي قدم لنا عدداً من ابدع الألحان والأغاني العراقية، منها “خدري الشاي، خدري” و “على شواطي دجلة مر”.
لذا، للمرء أن يعلن، بصوت عال، ان حقبة انتحال الموسيقى والملابس التراثية والعادات والتقاليد والرقصات التراثية (بوصفها سرقات) قد ولت، بدليل أن شبكات التواصل الاجتماعي راحت تقدم لنا راقصات يهززن أردافهن على نحو يفوق على ما كانت تفعله كل من نجوى فؤاد أو سهير زكي في السابق. لك أن تذهب إلى الـ”يوتيوب” لترى اليوم سويديات ودانماركيات يتفوقن على المحترفات المذكورات أعلاه في هز البطن والأرداف، درجة أن الراقصة المنحدرة من أسرة مسلمة الأصل، المسماة “شاكيرا” (اي شاكرة، أو ربما شكرية) أخذت تضع الراقصات الشرقيات بعيداً خلفها، عندما تلتوي أمام الجمهور الأميركي والعالمي، متيقنة من أن سر “السحر” في رقص المرأة إنما يتموقع بين القفص الصدري وبين الأرداف، شريطة أن تكون على ذبذبة متواصلة بلا توقف مع تعبير وجهي ينطوي على شعور فياض بالسعادة لإسعاد المشاهدين!
إن العولمة راحت تتسع وتتشعب على نحو أفقي: فبعدما كانت مفهوماً اقتصاديًّا حسب، تحولت اليوم إلى عملية مزج ثقافي وأخلاقي وديني وإثني لا يستثني أحداً، مهما بلغت حصانته ومقاومته من قوة دفاعية لتدخل إليه من حيث لا يدري، إذ يجدها في غرفة نومه وفي حمامه وحتى في خلوته بالبراري وهو يحاول الارتداد إلى البادية بهدف “اجترار” ما حفظه من ذكريات الآباء والأجداد على بضعة أميال من قصره في “مدن الملح” حيث تم استزراع أعلى ناطحات السحاب بما دره ما كان يرزح تحت أقدامنا قروناً طوال دون أن نفقه قيمته.

إلى الأعلى