الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وصول الدعم لمستحقيه

وصول الدعم لمستحقيه

محمد عبد الصادق

”.. حسناً فعلت حكومة محلب بفتح ملف الدعم في هذا التوقيت حتى تهيئ الناس لتحمل قرارات اقتصادية قد تكون صعبة الآن ولكنها ضرورية لتقليل عجز الموازنة، ولكن يلزم لنجاحها واقتناع المواطنين بها إعادة توزيع الأعباء بالتساوي بين الطبقات الاجتماعية بحيث يتحمل القادرون قدراً أكبر من الأعباء مساويا لدخولهم، ويتم دعم غير القادرين ليمكنهم الصمود في وجه التضخم الذي تجاوز كل المعدلات الآمنة.”
ــــــــــــــــــــــ
يبدو أن الرئيس القادم لمصر (سره باتع) لدرجة أن الحكومة الانتقالية الحالية تؤثره على نفسها، وتأخذ على عاتقها المثقل أصلاً بالهموم عبء إصدار قرارات اقتصادية سيئة السمعة برفع أسعار الكهرباء والغاز المنزلي، قبل أسابيع قليلة من وصول الرئيس الجديد إلى قصر الاتحادية ورغم أنها حكومة انتقالية ومهمتها تسيير الأعمال لحين انتخاب رئيس وبرلمان وحكومة يشكلها الرئيس المنتخب من الحزب صاحب الأغلبية في البرلمان كما ينص الدستور الجديد ـ وليس مطلوباً منها اتخاذ قرارات من هذا القبيل إلاً أنها تصدت للمهمة الصعبة (كرمال) الرئيس القادم ومن أجل تمهيد الطريق أمامه لولوج سدة الحكم، وتجنيبه وزر اتخاذ قرارات من هذا النوع، وهو يخطو أولى خطواته في حكم مصر. وبسبب هذه القرارات انهالت عليها اللعنات وحاصرتها الانتقادات من الإعلام الرسمي والخاص ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت سياطاً لا ترحم، خصوصاً بعد ثورة 25 يناير التي أسقطت الحصانة عن الجميع، فلم يعد هناك حكومة ولا مسؤول ولا حتى رئيس يستعصي على المساءلة أو يعلو فوق النقد.
وهذا التصرف النبيل من الحكومة الحالية يبعث على التفاؤل والأمل فيما هو قادم من علاقة الرئيس المنتظر نجاحه مع مؤسسات الدولة العميقة؛ التي طالما اشتكى سلفه الرئيس الإخواني محمد مرسي من عدم تعاونها، وكانت سببا من أسباب فشله في إدارة البلاد، وعجلت بسقوط حكمه على أيدي الشعب والجيش في 30/6/2013م .
نتمنى أن نرى ثمار هذه العلاقة الحميمة في صورة سياسات وانحيازات وقرارات تسهم في انتشال مصر من مستنقع الاضطرابات، وانعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي هوت فيه منذ الإطاحة بحسني مبارك ونظامه في فبراير 2011م، وفشل المجلس العسكري والإخوان في انتشالها من هذه الدوامة، التي أثرت على كافة مناحي الحياة في مصر وحولت حياة المواطن المصري لكابوس يختلط فيه الخوف مع اليأس وفقدان الأمل في المستقبل، وحالة من التشاؤم تتفشى أدت لحركة نزوح جماعي بين الشباب، ورغبة في الهجرة والسفر للخارج للفرار بجلدهم من هذه الأزمات التي طال أمدها، ولكن ما زال هناك كثير من المصريين يتمسكون بالأمل ويعولون كثيراً على الرئيس القادم للقضاء على هذه المشكلات وحل الأزمات وانتشال البلاد مما ألم بها.
وحسناً فعلت حكومة محلب بفتح ملف الدعم في هذا التوقيت حتى تهيئ الناس لتحمل قرارات اقتصادية قد تكون صعبة الآن ولكنها ضرورية لتقليل عجز الموازنة، ولكن يلزم لنجاحها واقتناع المواطنين بها إعادة توزيع الأعباء بالتساوي بين الطبقات الاجتماعية بحيث يتحمل القادرون قدراً أكبر من الأعباء مساويا لدخولهم، ويتم دعم غير القادرين ليمكنهم الصمود في وجه التضخم الذي تجاوز كل المعدلات الآمنة.
وعبارة وصول الدعم لمستحقيه جملة تطاردني منذ تفتحت عيناي على الحياة منذ أكثر من نصف قرن؛ رغم تعدد الأنظمة، وتوالي الحكومات، ولكن ظلت المشكلة مستمرة دون حل وظلت مصر من الدول القليلة التي يوجد بها حتى الآن وزير للتموين، والذي شاهدته مؤخراً يقف مزهواً سعيداً أمام كاميرات المصورين وهو يحمل في يديه (رغيف) خبز (مفقع) ويزف البشرى للشعب المصري بتوصله لحل معضلة وصول الدعم لمستحقيه عن طريق إعداد قاعدة بيانات إلكترونية تحوي جميع المعلومات عن المواطن المصري، منذ مولده والتحاقه بالدراسة وتخرجه وحتى حصوله على وظيفة في الحكومة أو القطاع الخاص من عدمه ومقدار دخله وهل يستحق الدعم أم لا، وبناء على هذه المعلومات تم توزيع بطاقات ذكية على ملايين المواطنين بدلاً من البطاقة التموينية التقليدية التي كان يحصل المواطن المستحق للدعم عن طريقها على السلع التموينية بأسعار رمزية، وأخذ الوزير يشرح الطريقة وعدد الأرغفة التي سيحصل عليها المواطن من الخبز يوميا عن طريق البطاقة الذكية؛ والحقيقة أنا لم أستطع استيعاب ما يقوله الوزير ولا طريقة حساب النقاط واستبدال الخبز بسلع أخرى، وتحول الأمر بالنسبة لي (للوغاريتمات) وتساءلت لماذا كل هذه التفصيلات فإذا كانت الحكومة جادة في توصيل الدعم لمستحقيه، ولديها قاعدة بيانات بأحوال المواطنين وكل مواطن معه بطاقة ذكية وهناك مليارات تدعي الحكومة أنها تخصصها للدعم تذهب لغير المستحقين، بسبب فساد بعض التجار وأصحاب المخابز الذين يسربون ثلثي حصتهم من الدقيق للسوق السوداء ليباع بأضعاف السعر المدعم، ويجنون من وراء ذلك الملايين فما على الحكومة إلا اللجوء للدعم النقدي وإرسال مبلغ مالي مساو لحصة كل مواطن من الدعم، يصرفه عن طريق البطاقة الذكية، ويتم تحرير أسعار السلع المدعومة لأن التجارب التاريخية أثبتت أن وجود سعرين للسلعة الواحدة يخلق السوق السوداء، ويفتح الطريق للتربح والفساد، ولا مانع إذا كانت الحكومة المصرية راغبة في كبح جماح الأسعار أن تطرح سلعا بأسعار التكلفة أقل من سعر السوق خصوصاً وأنها تمتلك أكثر من 4 آلاف منفذ للجمعيات التعاونية التي تم إنشاؤها في الستينات والسبعينات أيام التوجه الاشتراكي.
ولن تحل مشاكل الجهاز الإداري في مصر إلا باستخدام التكنولوجيا الحديثة وتفعيل الربط الإلكتروني، فلكي يتم توصيل الدعم النقدي لمستحقيه كما أسلفنا، لا بد من قرار سيادي بإلزام جميع جهات العمل الحكومية والخاصة بفتح حساب بنكي للعامل، وضرورة أن يتم تحويل الراتب الشهري للموظف عن طريق البنك، كما يحدث في معظم البلدان العربية، ودول العالم المتحضر منذ سنوات,، ولكن للأسف فوجئت بأن زملائي في مؤسسة صحفية كبرى بمصر ما زالوا يقفون طابورا طويلاً أول كل شهر أمام (عم مصيلحي) أمين الخزينة ليتقاضوا راتبهم ـ عداً ونقداً ـ فما بالنا ببقية الهيئات والشركات الأقل حجما، والأمر لا يحتاج إلا إرادة سياسية وقراراً ملزماً فالبنية الأساسية في البنوك المصرية قادرة على استيعاب ملايين الحسابات بفروعها المنتشرة في كل أنحاء البلاد، وهذا النظام يمكن ربطه مع البطاقة المدنية المربوطة بقاعدة البيانات وعندما يصب كل مليم يتقاضاه الموظف أو العامل في حسابه يمكن بسهولة معرفة مدى استحقاقه للدعم من عدمه ونحن هنا لا نخترع العجلة فهذا النظام تم تطبيقه بنجاح ويمكن الاستفادة بالتجارب العربية والأجنبية، والأخذ بأفضلها وتطويعها بما يلائم الواقع المصري.
وأكثر ما يعانيه المواطن المصري هو التعامل مع الأجهزة والمصالح الخدمية الحكومية التي تتعمد وضع العراقيل والمصاعب أمامه؛ حتى يضطر للخضوع لابتزاز الموظف الفاسد ويدفع رشى لتخليص معاملته، والتكنولوجيا هي السبيل للقضاء على الفساد والترهل الإداري إذا كانت الدولة تريد التسهيل على المواطنين سواء في مجالات المرور أو الشهر العقاري أو استخراج تراخيص البناء وكافة المعاملات الحكومية التي ما زالت تستخدم المستندات الورقية وختم النسر وتتطلب موافقات من جهات عديدة ما أنزل الله بها من سلطان.
شعب يقترب تعداده من 90 مليونا أنهكه الصبر على الفشل، وأضناه الانتظار وغياب الأمل بفعل حكومات متعاقبة أهملت احتياجاته وتدنت بخدماته، وانحازت لأصحاب الحظوة والنفوذ على حساب الغلابة والمهمشين ـ هو أحوج ما يكون لحلول غير تقليدية لحل مشاكله وتحسين ظروفه المعيشية ومساعدته على قضاء مصالحه، وإنجاز معاملاته حتى لا تتحول إلى نوع من العذاب والإرهاق المادي والجسدي والمعنوي تجعل المواطن كارهاً لنفسه ومجتمعه والبشرية جمعاء.

إلى الأعلى