الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : انتخابات تحت حراب الاستعمار وأخرى تحت حراب الإرهاب

شراع : انتخابات تحت حراب الاستعمار وأخرى تحت حراب الإرهاب

خميس التوبي

بتقديم الرئيس السوري بشار الأسد طلب ترشحه لفترة رئاسية أخرى إلى المحكمة الدستورية ومجلس الشعب، يكون بذلك قد حسم الجدل الدائر حول ترشحه وموعده، ملبيًا في الوقت ذاته الرغبة العريضة لجموع الشعب السوري التي كانت تنتظر هذا القرار الشجاع والتاريخي.
وحين نصف القرار بالشجاع والتاريخي فإننا نعي ما يعنيه الوصف وما يتضمنه من دلالات، ذلك أن ظرف المرحلة لا يسمح بترك السفينة السورية تغرق بمن فيها في مستنقعات الإرهاب والتآمر التي أقامتها القوى الاستعمارية بالتعاون مع قوى ذيلية عميلة، والتي لا تزال ترعى هذه المستنقعات بكل ما أوتيت من مال وسلاح.
وبغض النظر عن موقف معشر المتآمرين من قرار الترشح للرئيس بشار الأسد والذي وضع تحت الأقدام كل وسائل ترهيبهم وترغيبهم وابتزازهم لإثنائه عن الترشح أو تأجيل موعد إجراء الانتخابات، فإن الانتخابات هي مشروع تعاقدي وطني وشأن داخلي بحت وخيار واستحقاق وطني يعني أولئك السوريين الشرفاء الذين ضحوا من أجل سوريا ولا يزالون، ووقفوا ضد المؤامرة التي تستهدف تدمير وطنهم وتستهدف إبادتهم وإقصاء الرقم السوري من معادلة التأثير العربي والإقليمي والدولي، وبالتالي من حق أي مواطن سوري شريف أن يخوض غمارها وفق الدستور والقانون، والرئيس بشار الأسد واحد من بين أكثر من عشرين مليون مواطن سوري.
موقف قوى التآمر على سوريا الرافض لإجراء الانتخابات السورية في موعدها وفق الدستور، والساعي بشتى السبل إلى تعطيلها ومنعها ودعم الإرهاب في سبيل ذلك، يؤكد أن الديمقراطية ليست صناعة محتكرة لدى القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية فحسب، وإنما وسيلة ابتزاز واستعمار واحتلال وتدمير، ولذلك وحسب التفصيل والتفسير الغربي فإن الانتخابات الديمقراطية هي التي تحقق الأهداف الاستعمارية للقوى الغربية، وما لم تحقق الانتخابات في حدها الأدنى الأطماع الاستعمارية فإنها تعد انتخابات غير شرعية وغير نزيهة ونتائجها غير معترف بها.
وفق هذا التقدير، التاريخ الديمقراطي الغربي في هذه الألفية يعطينا مجموعة من الأدلة على حقيقة ذلك، كاشفًا التناقضات الفجة في المواقف الغربية من انتخابات وأخرى تبعًا للمصالح، فعلى سبيل المثال الانتخابات التي جرت بأفغانستان تحت حراب الاستعمار والاحتلال الامبريالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة، كانت في نظر المحتلين من حيث الوزن النوعي والكمي انتخابات ديمقراطية شرعية نزيهة وشفافة ونتائجها معترف بها، وقد شاهد العالم المسرحية “الديمقراطية” التي مارسها المحتلون الأميركيون في أفغانستان تجاه مجلس القبائل المعروف باسم “اللويا جيركا” من أجل إضفاء الشرعية على احتلالهم بعد طردهم لحركة طالبان من كابل، ففي عام 2001م وحده انعقدت أربع جلسات للمجلس توزعت بين روما وقبرص وبون وباكستان، وكانت محدودة الحضور ومحصورة الاهتمام، وكان هدف القائمين عليها ترتيب أوضاعهم وأوضاع أفغانستان بما يحفظ مصالحهم ومكانتهم في الحكم المزمع إقامته، وفي عام 2002م انعقدت جلسة للويا جيركا برئاسة الملك ظاهر شاه وأسست للحكم الوزاري الجديد وقطعت أي أمل بعودة الملكية، وفي عام 2003م انعقدت أكثر من جلسة اختيرت بموجبها حكومة مؤقتة برئاسة حامد قرضاي ونوقشت مسودة الدستور المقترح لأفغانستان، أما في العام 2004م فأقر الدستور من قبل اللويا جيركا ممهدة الطريق أمام أول انتخابات رئاسية، حيث أتت بحامد قرضاي رئيسًا، ثم تبعتها انتخابات تشريعية في العام 2005م، وفي هذا العام شهدت أفغانستان انتخابات رئاسية نتائجها غير محسومة بعد وتحت الاحتلال. أما في العراق فقد عبثت أصابع الغزو الأنجلو ـ أميركي بالوضع المستقر وفصَّلت النظام القائم ورسمت هوية العراق بما يتوافق مع التوجه الديمقراطي الاستعماري الأميركي، ويضمن التبعية المطلقة، فكان تشكيل مجلس الحكم الانتقالي إحدى المسرحيات الهزلية التي أخرجها الاحتلال الأميركي والتي صاغ محاصصتها الطائفية “المخضرم” الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي حاليًّا إلى سوريا، وهي محاصصة عبارة عن براميل بارود شديد الانفجار، ليتابع العالم مهزلة صياغة الدستور العراقي تحت حراب الاحتلال وزرع حقول الألغام في بنود الدستور كقضية كركوك والفيدرالية وهوية العراق، وكذلك إجراء الانتخابات تحت حراب الاحتلال والتي جاءت بإبراهيم الجعفري وعلاوي ونوري المالكي. لكن هذه الانتخابات الأفغانية والعراقية في نظر المحتلين والغزاة الغربيين هي انتخابات ديمقراطية شرعية وشفافة ونزيهة، والمحكومة بالاتفاقيتين الأمنيتين، وإن كانت الاتفاقية مع أفغانستان تواجه الرفض من قبل الرئيس قرضاي رغم تصويت اللويا جيركا على الموافقة لتوقيع الاتفاقية. والمفارقة الأخرى في أوكرانيا حيث تعتزم السلطة الانقلابية غير الشرعية إجراء انتخابات يراها الغرب الداعم للانقلاب والمؤيد انتخابات ديمقراطية، متجاهلًا تلك الملايين من المواطنين الأوكرانيين الذين سيقاطعونها، أو الذين يعدهم الغرب واقعين تحت الاحتلال الروسي في شبه جزيرة القرم.
ولما كانت الانتخابات السورية لا تجرى تحت مظلة القوى الاستعمارية الامبريالية ولا تسير على هوى المتآمرين، فإنه يجب نسف كل مقومات وعوامل الديمقراطية بحجة الدفاع عنها وعن الحريات وعن حقوق الإنسان. وفي الحقيقة إن الشعب السوري وجيشه الباسل أراد من إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها ليس كونها استحقاقًا وطنيًّا ودستوريًّا وحسب، بل أراد أن يجعل منها معركة ساحقة ماحقة للإرهاب وداعميه، لا تقل عن المعركة التي يخوضها الجيش العربي السوري ضد المؤامرة الإرهابية وتأمين المدن والأرياف والقرى، ولذلك فإن هناك صراعًا محتدمًا بين الحق والباطل وبين الخير والشر، بين شعب يواصل صناعة انتصاره، ورسم مستقبل وطنه بالذود عنه والالتفاف حول جيشه، وباختيار قياداته الوطنية، وبين متآمرين متاجرين بالدم والمعاناة يصنعون الكوارث والآلام والمآسي ضد الشعوب. إذن، ثمة بون شاسع بين انتخابات تجرى تحت مظلة الاستعمار وحرابه ومؤامراته، وانتخابات تجرى تحت خيار الحرية والاستقلال والسيادة والوحدة وردع الإرهاب ورفض الظلم والذل والتبعية.

إلى الأعلى