الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : ملتقى فتيات ظفار .. وعي نسائي جديد

العين .. الثالثة : ملتقى فتيات ظفار .. وعي نسائي جديد

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

عنوان مقال اليوم يطرح مجموعة إشكاليات كبيرة جدا، وهي مقصودة بذاتها لذاتها من أجل تحريك المياه الراكدة التي بسببها يتولد لدينا إحساس مرتفع بأن البنية الفوقية لمجتمعنا تسير إلى الخلف وليس إلى الأمام، وتستدعي الماضي الآن بقوة لمواجهة الحاضر، فكيف ينبغي أن ننطلق للمستقبل؟ ربما يكون وراء ذلك استمرارية نفس الأدوار المصطنعة أو الموجهة، وهذه إحدى الإشكاليات الكبرى التي يثيرها العنوان، وهو بذلك يعني أن هناك دورين داخل مجتمعنا، دورا طبيعيا وتلقائيا، وهو محدود جدا، ودورا مصطنعا وموجها، وهو الغالب، وفيه أي الدور المصطنع والموجه يغرق الوعي مهما كانت مؤهلاته العلمية، ومن صفتي الدورين يلتبس الوعي بهما، بحيث يمكننا القول في المقابل بأن هناك وعيا مصطنعا ووعيا طبيعيا وتلقائيا أي غير مصطنع، ولا نقصد بالوعي المصطنع هنا الزعم والادعاء بالوعي وإن كان محتواه ودلالته الاجتماعية تتحمل هذا التفسير في حالات كثيرة، وإنما المقصود هو الوعي الممارس الذي صنعته الحكومة أو احتوته في مرحلة لاحقة، وعطلت مفاعيله حتى لا يفجر إكراهات داخلية.
وقد رأينا كيف رمت جمعيات المرأة العمانية نفسها في أحضان وزارة التنمية الاجتماعية عبر مديرياتها المنتشرة في المحافظات رغم أن الجمعية في ذاتها تعبر عن وعي نسائي رفيع وأصيل بذاتية المرأة ودورها الاجتماعي في حياتنا المعاصرة، لكن الظروف قد دفعت بهذا الوعي إلى أن يكون جزءا من منظومة الحكومة، أي تجرد من محيطه الذاتي والذي من أجله انبثقت فكرة الجمعيات وتأسست عليها، ربما يكون بسب إغراءات سياسة الجذب والاحتواء وربما يكون وراءه كذلك استعداد الوعي نفسه للارتماء في الأحضان الحكومية الدافئة من تلقاء نفسه، لماذا؟ لتحقيق منافع ذاتية مثل وجود طموح كبير للوصول إلى المناصب العليا أو من أجل المال .. الخ ويسيطر على النخب النسائية في عدد من جمعيات المرأة الآن ذلكما الهاجسان بصورة غير طبيعية مما اثر سلبا على دوره في المجتمع النسائي، بينما الوعي الذي تقدمه مجموعة فتيات ظفار هو وعي حر ومستقل وراءه قوة التعليم وقوة الإيمان بضرورة خدمة المجتمع دون مقابل، ووراءه كذلك إرادة قوة تعطيل بعض العادات والتقاليد الاجتماعية التي تحول أن يكون لهذا النوع من الوعي حركة نسائية في ظفار في مجالات عديدة كمجال العمل التطوعي الاجتماعي الذي ينظر إليه بأنه حق للرجل فقط، والاستقلالية والحرية التي وردت سابقا لا تعني أن هذا الوعي سوف يقف ضد الحكومة وتوجهاتها، ولا ضد المجتمع بعاداته وتقاليده الأصيلة، وإنما المقصود به أن تفاعله مع بيئته الاجتماعية ستكون من وحي الحاجة الاجتماعية ومستجداتها ومن منظور البنى التحتية لا الفوقية، وتناغما مع الحركة الكونية المفتوحة، فلدى صاحبات هذا الوعي معرفة شاملة بمنظومة العادات والتقاليد، بل هن من صلبها لا قفزا فوقها، ولديهن فكر معتدل لكنه مختلف عن الموجود في الساحة، وبالتالي هن يعلمن بوعيهن المرتفع حاجة المرأة عامة والفتاة خاصة، الحاجة الحقيقية لا المصطنعة، من هنا، فقد وضعن برنامج مدته عام هدفه تنمية المرأة في محافظة ظفار كلها وليس في صلالة فقط، ويعد هذا البرنامج مغايرا لكافة البرامج التي قدمت للمرأة من حيث ماهيته ومساراته،، وهو يهدف إلى تنمية قدرات المرأة وإكسابها مهارات جديدة لمواجهة الحياة وتعقيداتها في إطار زمني قصير المدى، وسوف يستعين في تنفيذه بخبرات عمانية من داخل المحافظة ومن خارجها بما فيهم أكاديميات من جامعة السلطان قابوس، وهذه المبادرة النسائية ليست الأولى في البلاد، لكنها الأولى في ظفار، ويرجع الفضل فيها إلى امرأة شكل دور المرأة المحدود والمتواضع داخل مجتمعها المحلي شغلها الشاغل، فانبثقت الفكرة منها، وتوافق معها فورا ربات بيوت ومعلمات، وكانت النتيجة ولادة هذا الملتقى الخير والمبارك بمشيئة الله، ومن حسن الصدف أن يتزامن ولادته مع انتهاء ندوة القيم التي نظمها مجلس الدولة مؤخرا، ومن ثم فإننا نرى فيه وسيلة جديدة وفعالة لتعزيز وترسيخ ممارسات مجتمعية نسائية صحيحة وهجر ممارسات لم تعد صالحة زمنيا، ومن الممكن عن طريق نصف المجتمع في عدده، وكل المجتمع من حيث دوره العضوي، المرأة كزوجة، والمرأة كأم، والمرأة كأخت، كخالة وكعمة .. أن يحمل معه المجتمع كله لو صنعنا دورا طبيعيا وتلقائيا وحقيقيا للمرأة، وملتقى فتيات ظفار للثقافة يفتح لنا هذه الآفاق الرحبة والجديدة داخل مجتمعنا المحلي، فهو وعي نسائي جديد لا يصادر الأدوار الأخرى، وإنما يكملها من منظور مختلف، وقد يحفزها للارتقاء، والتساؤل الذي ينبغي أن يطرح هنا، يتعلق بدعم هذه المبادرة، إذ إن هذا الجهد الكبير لا بد أن يدعم ماليا ومعنويا، ويأتي أكبر الداعمين المفترضين، اللجنة الوطنية للشباب، والقطاعين الخاص والأهلي، فالبرنامج السنوي للملتقى يحتاج لرأسمال لتنفيذه، كما أن مبادئ وأهداف الملتقى تتلاقى وتتناغم مع الأهداف والمبادئ نفسها للجنة الوطنية للشباب، وهنا تتجلى لنا طبيعة الشراكة الثلاثية لخدمة المجتمع، كما تظهر لنا أهمية الاستقلالية والحرية لمؤسسات المجتمع المدني ومثل هذه المبادرات، أجندتها وطنية، وتمويلها داخلي، وتديرها نخب نسائية خالصة دون انتظار المقابل المالي بأي صور من صوره المتعددة أو التطلع لمناصب حكومي، فهل ستبادر اللجنة الوطنية للشباب لدعم جهود فتيات ظفار التطوعية؟ وهل سنسمع من القطاع الخاص من جانبه دعم ورعاية برامج الملتقى؟
سنتابع نتائج هذه التجربة الجديدة في ظفار، وسنقيم صور الدعم وخلفياته، وسنوضح حجم المردود الإيجابي لها، فهذه حركة نسائية جديدة قد انطلقت بوعي جديد، وراءها إرادة قوية محصنة بالتعليم والإيمان والوعي، إرادة رسالتها وطنية وجامعة لكل النساء، ونتائجها ستنعكس علينا إيجابا نحن معشر الرجال، بل وعلى الوطن كله، ولا نعتقد أنها ستقف عند مسماها ووضعها الفعلي، وإنما قد تتشكل وفق أية صيغة قانونية أو على الأقل قد يكون لها دور في تفعيل أدوار نسائية قائمة في إطار مؤسسات قانونية، وهذا الاستشراف وإن كنا لم نجده ضمن مخططات أو أفكار صاحبات الملتقى إلا أننا نعتبره طبيعيا لمثل هذه التطورات، فالأمور سوف تدفع بها قدما سواء كان مخططا له أم لا، وكل من يدرس تطور الحركة النسائية العربية بما فيها الخليجية سوف يتأكد له أن هناك حركة نسائية جديدة قد انطلقت من ظفار، وعلينا احترامها وتقديرها، ورعايتها عبر الشراكة الثلاثية سالفة الذكر بدلا من أن تبحث عن تمويل لبرامجها من جهات أجنبية أو تجد نفسها في مرحلة الرجوع من حيث بدأت، ولا نعتقد أنها ستصل إلى ذلك الاحتمالين أبدا، لأننا هنا نراهن على الوعي المؤسس والمنفذ والداعم، ولأن هناك الكثير من يؤمن برسالة الملتقى التطوعية كوسيلة جديدة لخدمة المجتمع النسائي في ظفار.

إلى الأعلى