السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصر وعودة “المفاتيح”

مصر وعودة “المفاتيح”

”ربما لا يكون الإعلام و”تطهيره” أولوية مقابل أولويات أخرى كاستعادة الأمن وضبط الاقتصاد وتحسين أحوال الناس المعيشية، لكن كل الجهود في تلك المجالات قد لا تعطي أوكلها لو ظل الإعلام المصري على حاله الذي وصل إليه في السنوات الأخيرة. مع ذلك، لا يمكن لأي من المرشحين الاستغناء تماما عن الإعلام…”
ـــــــــــــــــــــــــــ
شاعت في الإعلام المصري ووسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا تساؤلات حول عدم ظهور المرشح الرئاسي المشير عبد الفتاح السيسي علنا ومخاطبته الجماهير حول أفكاره وبرنامجه الانتخابي، بينما منافسه حمدين صباحي يتحدث في كل القضايا باستمرار. وبغض النظر عن التلفيق والكذب الإخواني حول التزام السيسي السرية خشية على حياته، فالواقع أن المرشحين يتبعان أسلوبا انتخابيا تقليديا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الفورة الجماهيرية مطلع عام 2011. هذا التقليد الانتخابي ليس قاصرا على مصر ولا دول المنطقة، بل هو قاعدة انتخابية في انحاء العالم التي تجري انتخابات على أي مستوى.
ذلك التقليد هو محاولة كسب ما يسمى “قيادات الرأي العام” أو بلغة الحملات الانتخابية “الشخصيات المفاتيح”. وفي بلداننا يكون المفاتيح في الأغلب شيوخ قبائل أو كبار العائلات أو المرجعيات المجتمعية في الريف أو “الشخصيات العامة” وقيادات المهن في الحضر. والواقع ان ذلك ما يجري فعلا في مصر منذ أعلن كل من السيسي وصباحي ترشحهما للرئاسة، وحتى قبل بداية فترة الدعاية الانتخابية رسميا. فحمدين صباحي يلتقي قيادات أحزاب سياسية، وشخصيات عامة مؤثرة في مجال ما وأيضا “الشباب”. كذلك يفعل السيسي بلقاءات مع قيادات مهنيين وشخصيات قيادية من قطاعات معينة وكذلك “الشباب”. ولعل كون الشباب قاسما مشتركا يعد النتيجة الجانبية الأهم لعملية التغيير التي بدأت في مصر، وغيرها من دول المنطقة، قبل نحو ثلاث سنوات.
دون ذلك، يمكن القول ان الانتخابات الرئاسية المصرية ضمن خريطة الطريق ما بعد الاطاحة بالإخوان تعد بداية العودة للطريقة التقليدية في السياسة: الانتخابات تعتمد على المفاتيح وليس فقط الحمية الجماهيرية التي ميزت الانتفاضات الشعبية. وحتى الآن، ونتيجة لقاءات الشخصيات المفاتيح، هناك حزبان أعلنا تأييدهما لصباحي وحزبان أيضا أعلنا تأييدهما للسيسي .. والبقية تلي. ويلتقي المرشحان بأعضاء النقابات والشخصيات الفنية والرياضية وممثلين عن شرائح من الشعب المصري (تذكرك بأيام قديمة حين كان رؤساء الطوائف والمهن ينوبون عن بقية جماهير مصر في كل شيء) لضمان تأييدهم في الانتخابات. وذلك ما يجري في كل الدنيا تقريبا، وقبل 2011 كانت كل الانتخابات تتم هكذا من محلية إلى برلمانية وعامة.
قد ينظر البعض إلى ذلك على انه مؤشر لعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل التغيير، خاصة من يتخوفون من “عودة مظاهر حكم مبارك” للحياة العامة والسياسية المصرية. لكن ذلك تخوف مبالغ فيه، فالأمور لا تعود للوراء وحتى عودة بعض الرموز من رجال الأعمال لا تعني عودة النظام القديم، فهؤلاء بالتحديد يسعون من أجل مصالحهم سواء مع مبارك أو الإخوان أو اي رئيس جديد. لكن هناك مشكلة حقيقية في الإعلام المصري الذي يعزز تلك المخاوف بل ويزيد عليها بممارساته الفجة في بعض الأحيان. والمشكلة أن رموز ذلك الإعلام في اغلبها هي من كانت رموزا في فترة حكم مبارك (وربما السادات لبعضها) ثم رموزا وقت الثورة (بادعاء الثورية أو موالاة الفلول) ورموزا في فترة حكم الإخوان وإلى الآن. وربما تكون من بين مهام الحكم الجديد في مصر تنقية المشهد الإعلامي من كثير من الشوائب ـ ودعونا من موضوع الحرية المطلقة وترك الأمر للجمهور كي يفرز ما يستحق ويهمل ما لا يستحق.
فالإعلام مفتاح رئيسي في حد ذاته، وإن كان صعبا التعامل مع كل المفاتيح (المجتمعية) دفعة واحدة، فربما يحتاج الرئيس الجديد ـ أيا كان ـ إلى أن لا يربط عنقه بأي دين لمفتاح إعلامي من الآن ليسهل عليه حين يفوز ويتولى منصبه أن ينقي تلك الساحة تحديدا من الشوائب. ربما لا يكون الإعلام و”تطهيره” أولوية مقابل أولويات أخرى كاستعادة الأمن وضبط الاقتصاد وتحسين أحوال الناس المعيشية، لكن كل الجهود في تلك المجالات قد لا تعطي أوكلها لو ظل الإعلام المصري على حاله الذي وصل إليه في السنوات الأخيرة. مع ذلك، لا يمكن لأي من المرشحين الاستغناء تماما عن الإعلام كما أن لقاءات الانتخابات التقليدية تلك لا تغني عن الخطاب الجماهيري (والذي يحتاج الإعلام لتوصيله) ضمن الحملات الانتخابية واطلاق الوعود والتعهدات.
ويبقى أن كل تلك اللقاءات مع المفاتيح والحملات الجماهيرية إنما تستهدف زيادة المشاركة الشعبية في عملية التصويت حتى يكون للرئيس القادم شرعية كافية تمكنه من اتخاذ خطوات واجراءات أقل ما توصف به أنها ستكون قاسية اقتصاديا وربما حاسمة سياسيا إذا أريد لمصر أن تنهض من كبوتها. فإلى أي مدى يمكن التعويل على زيادة المشاركة؟ بداية، لا أتصور أن دعوات الإخوان للمقاطعة ذات أهمية ـ ناهيك عن أن كذبهم وخداعهم التقليدي ربما يعني أنهم سيدفعون أتباعهم ومواليهم للتصويت. هناك عدة عوامل ستؤثر بلا شك في نسبة إقبال الناخبين المصريين على التصويت في الانتخابات الرئاسية، منها أن التنافس بين مرشحين يبدوان مشتركين في الكثير ما يجعل الاستقطاب ليس شديدا بينهما. فكلاهما يقول إنه “مرشح ثورة”، وكلاهما يستدعي الماضي الناصري بدرجة او بأخرى وكلاهما موسوم بالوطنية و.. و.. الخ. ثم إن الشعور العام بأن أحد المرشحين يبدو مضمون الفوز قد يجعل أعدادا كبيرة لا تذهب للتصويت ـ وإن كانت تلك ليست مشكلة كبيرة، فمفاجآت الانتخابات تجعل الكل يتحسب ويحشد أنصاره ومؤيديه. يبقى العامل الحاسم في تحديد نسبة الإقبال هو مدى حرص المصريين على استعادة الاستقرار والرغبة في المضي قدما بدلا من الغرق في جدال الماضي التعيس.

د. أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى