الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بإمكان السلطة الرد على العقوبات

بإمكان السلطة الرد على العقوبات

د. فايز رشيد

”تنوي الدولة الصهيونية بدء سلسلة عقوبات على الفلسطينيين بعد توقيع اتفاق المصالحة. بداية من الضروري التوضيح أن العقوبات هددت بها اسرائيل بعد (وقف) السلطة للمفاوضات مع اسرائيل، ذلك، وقبل توقيع اتفاق المصالحة. جاء هذا بعد قيام السلطة بتوقيع 15 اتفاقية مع منظمات تابعة للأمم المتحدة من أجل الدخول فيها، منها معاهدة جنيف.”
ــــــــــــــــــــــــ
انزعاج أميركي واسرائيلي من اتفاق المصالحة الذي جرى توقيعه بين وفدي منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس في غزة. انزعاج سوف يترجم إلى عقوبات اسرائيلية على السلطة، وربما بقطع أميركي للمعونات المقدمة إلى السلطة. هذا اذا ما توافرت النوايا لكل من حركتي فتح وحماس في المضي قدما في تنفيذ اتفاق المصالحة، الذي تم التوافق فيه على تنفيذ اتفاقيتي القاهرة والدوحة، وتشكيل حكومة وفاق وطني في مدة خمسة أسابيع، وتحديد انتخابات رئاسية وتشريعية في غضون ستة أشهر. نقول جملة (إذا ما توافرت النوايا لدى الجانين) لأننا اعتدنا عدم تنفيذ الاتفاقات بينهما، فكم من مرة جرى التوقيع على اتفاق بين الحركتين وبعد عودة كل من الوفدين إلى محل إقامته، عادت المياه إلى ما كانت عليه قبل الاتفاق وبدأ التراشق الإعلامي بينهما وكيل الاتهامات والأخرى المضادة من كل من الحركتين للأخرى. لذا من حق كل فلسطيني وعربي وصديق للفلسطينيين النظر بحذر وترقب شديدين على أمل تنفيذ اتفاق المصالحة هذه المرة.
على صعيد المفاوضات مع الكيان الصهيوني من الضروري التوضيح بأن مباحثات السلطة الفلسطينية مع الجانب الصهيوني لم تنقطع (قبل القرار الإسرائيلي بقطع المفاوضات مع السلطة عقابا لها على الاتفاق مع حماس)، فصائب عريقات تفاوض مع تسيبي ليفني عدة مرات في لقاءات ثلاثية برعاية المندوب الأميركي الصهيوني حتى العظم مارتن إنديك، أو في لقاءات ثنائية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي! ذلك يعني وفقما يقول البعض من المراقبين بأن تهديدات الرئيس عباس بقطع المفاوضات ليست أكثر من زوبعة في فنجان، وستعود المياه إلى مجاريها في استنئاف المفاوضات، وبخاصة أن أنباءً كثيرة تحدثت عن مفاوضات سرية مع الكيان الصهيوني تجري بعيداً عن التصريحات الإعلامية. المطلوب من السلطة إذا كانت جادة في عدم التفاوض: أن تقطع المفاوضات مرةً واحدة وإلى الأبد، وإلا فالأمر ليس أكثر من مسخرة، وفي ذلك إضعاف كبير للجانب الفلسطيني. من ناحية أخرى فإن اسرائيل بحاجة إلى المفاوضات مع الفلسطينيين للإيحاء اعلاميا بأن حركة سياسية ما تدور بينها وبينهم. أميركا أيضا بحاجة إلى استئناف المفاوضات لتتخلص من هذا الملف الذي أصبح مزعجا لها. لذا من المتوقع أن لا يطول القرار الاسرائيلي بقطع المفاوضات مع السلطة، وبخاصة إذا ما تم تشكيل ائتلاف حكومي من التكنوقراط (الكفاءات) والتزام الحكومة الجديدة باستراتيجية السلطة للحل، وبخاصة أن هناك متغيرات جدية ظهرت مؤخرا في مواقف حماس على صعيد النظرة الاستراتيجية والرؤيا السياسية لحل الدولتين، تقارب بين مواقفها ومواقف السلطة على الصعيد السياسي.
بالنسبة لاتفاق المصالحة. هناك عوامل تساعد على البدء في تنفيذه، من أبرز هذه العوامل: المأزق الذي تمر به حركة حماس بالنسبة لموقف مصر منها واعتبار محكمة قضائية مصرية لها بقرار ـ مؤسف ـ (تنظيما إرهابيا) وذلك بعد إسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر. هذا إلى جانب الحصار الإسرائيلي للقطاع منذ سنوات طويلة. العامل الثاني: هو أن خيار السلطة الاستراتيجي في اعتبار المفاوضات طريقا استراتيجيا للوصول الى الحقوق الوطنية الفلسطينية قد وصل الى درب مسدود، فتجربة واحد وعشرين عاما من المفاوضات لم تجلب سوى الكوارث للفلسطينيين. لذا فإن السلطة أيضا في مأزق. بالتالي فإن هذين العاملين يساعدان على تقريب وجهات النظر بين كل من حركتي فتح وحماس. على صعيد العوامل المباعدة بينهما: التنسيق الأمني للسلطة مع العدو الصهيوني فهذا ما رفضته وترفضه حماس. العامل الثاني: كيفية اقتسام السلطة بين الجانبين في كل من رام الله وغزة. العامل الثالث: دمج الأجهزة الأمنية لدى كل من السلطتين في أجهزة واحدة وموحدة.
على صعيد آخر، تنوي الدولة الصهيونية بدء سلسلة عقوبات على الفلسطينيين بعد توقيع اتفاق المصالحة .بداية من الضروري التوضيح أن العقوبات هددت بها اسرائيل بعد (وقف) السلطة للمفاوضات مع اسرائيل، ذلك، وقبل توقيع اتفاق المصالحة. جاء هذا بعد قيام السلطة بتوقيع 15 اتفاقية مع منظمات تابعة للأمم الماحدة من أجل الدخول فيها، منها معاهدة جنيف. العقوبات الصهيونية بدأت بتجميد تحويل أموال الضرائب الفلسطينية التي تجنيها إسرائيل والبالغة حوالي 115 مليون دولار سنويًّا. الأمر الذي سيؤثر سلباً على ميزانية السلطة ودفع رواتب الموظفين (السلطة في الأصل مدينة ويصل حجم ديونها إلى أربعة مليارات ونصف المليار دولار). كما أن العقوبات ستطول مجالات أخرى للإقتصاد، ومجالات المياه والكهرباء والوقود، وحركة التنقل للفلسطينيين على الطرق الخارجية والداخلية وبخاصة في المنطقة (ج) التي تتولى الإشراف الأمني عليها إسرائيل. من العقوبات أيضاً: ارتفاع وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاعتقالات والاغتيالات وغيرها.
في السياق يمكن القول إن هذه العقوبات الصهيونية مطبقة حتى في ظل المفاوضات وفي ظل التجميد الفلسطيني لقرارات الانضمام إلى المنظمات الدولية، فالاستيطان (في ظل المفاوضات) هذا العام فاق السنة الماضية بنسبة 123% ثم الاغتيالات الصهيونية والاعتقالات للفلسطينيين ارتفعت وتيرتها هي الأخرى. كذلك هدم المنازل وتقييد حركة مرور الفلسطينيين على الحواجز الإسرائيلية. علينا أن لا ننسى أن الكيان الصهيوني لا يزال يحاصر قطاع غزة لسنوات طويلة على التوالي. المقصود القول إن هذه العقوبات مطبقة على شعبنا طالما ظل الاحتلال قائماً. فأين هو الجديد؟! من ناحية ثانية فقد جمدت إسرائيل تحويل أموال الضرائب الفلسطينية من قبل عدة مرات فهذا ليس أيضاً بجديد هذا أولاً.
ثانياً: بإمكان السلطة الفلسطينية الرد على هذه العقوبات من خلال: التمسك بالثوابت الفلسطينية، إلغاء التنسيق الأمني مع العدو، إلغاء اتفاق باريس الاقتصادي، التراجع عن كافة التنازلات التي قدمتها السلطة مجاناً للكيان الصهيوني: وثيقة عبد ربه ـ بيلين، التراجع عن عدم إغراق إسرائيل بملايين اللاجئين الفلسطينيين (وكان عباس قد وعد بذلك في لقائه مع 300 طالب من الكيان الصهيوني اجتمع بهم في مقر المقاطعة منذ بضعة شهور). إلغاء بنود تتعلق بالكفاح المسلح وأرض فلسطين التاريخية وبنود أخرى من الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1996 في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت هناك. تجاوز الانقسام هو أيضا رد على العقوبات الصهيونية كما العودة إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية وإعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وانتهاج استراتيجية ورؤيا سياسية جديدة تعيد إحياء المقاومة بكل وسائلها وسبلها بما في ذلك المقاومة المسلحة، قطع المفاوضات نهائيا مع العدو الصهيوني وإجراء مراجعة شاملة للمرحلة منذ اتفاقية أوسلو وصولا للمرحلة الراهنة.
وتظل قمة الردود هي إلغاء اتفاقيات أوسلو وما نتج عنها من تبعات ولو أدى ذلك إلى حل السلطة نفسها، وعودة الصراع إلى مربعه الأول! وليمارس الاحتلال دوره مباشرةً وليس بطريق غير مباشر، كما يمارسه حاليًّا. اتفاقيات أوسلو هي أساس البلاء ويتوجب إلغاؤها. لعلني استحضر ما سبق وأن قاله الراحل المفكر الفلسطيني إدوار سعيد عنها “إن الحفل الاستعراضي المبتذل الذي عقده البيت الأبيض إنما يواري مؤقتاً هول جسامة الاستسلام الفلسطيني. لذا دعونا نسمي الاتفاق باسمه الحقيقي: صك الاستسلام الفلسطيني، معاهدة فرساي الفلسطينية”. نعم بإمكان السلطة الرد على العقوبات الصهيونية، فكل ما عددناه من ردود هي أوراق قوة بين يدي السلطة، المهم أن تتوافر النوايا والإرادة لتنفيذ هذه الردود.

إلى الأعلى