الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: حُبُّ الوَطَنِ وَالاعتِزَازُ بهِ
خطبة الجمعة: حُبُّ الوَطَنِ وَالاعتِزَازُ بهِ

خطبة الجمعة: حُبُّ الوَطَنِ وَالاعتِزَازُ بهِ

الحَمْدُ للهِ ذِي الآلاءِ وَالنِّعَمِ، المُتَفَضِّـلِ عَلَى خَلْقِهِ بِأَنْوَاعِ العَطَايَا وَالكَرَمِ، وَنَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، غَرَسَ فِي النُّفُوسِ حُبَّ الوَطَنِ، فَوُجِدَتْ فِي رُبُوعِهِ الرَّاحَةُ وَالسَّكَنُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ لِوَطَنِهِ وَعَشِيرَتِهِ بِمَكَّةَ مُخْـلِصًا وَدَاعِيًا، وَصَارَ بِمَدِينَتِهِ مِنْ بَعْدِهَا هَادِيًا وَبَانِيًا، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا لأَوطَانِهِمْ بُنَاةً، وَلِحِمَاهَا حُمَاةً، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ وَسَارَ سِيرَتَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.
التقوى أساس الفلاح
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ-، بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالتَّقْوَى أَسَاسُ الفَلاحِ وَمِفْتَاحُ النَّجَاحِ، فَمَا بُنِيَ تَقَدُّمٌ مِنْ غَيْرِ تُقًى إِلاَّ انعَدَمَ، وَمَا شُيِّدَ بُنْيَانٌ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ انهَدَمَ، فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ تَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ، وَاشكُرُوهُ عَلَى فَضْـلِهِ وَعَطَائِهِ تُكْـتَبُوا مَعَ المُفْـلِحِينَ، ” ولَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا “، وَاعلَمُوا -أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- أَنَّ الوَطَنَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ وَلا تُسَاوَمُ بِالأَمْوَالِ وَالأَرْوَاحِ، بَلْ تُبْـذَلُ الأَمْوَالُ لأَجْـلِهَا وَتُرْخَصُ الأَرْوَاحُ فِي سَبِيلِ وَحْدَتِهَا وَالدِّفَاعِ عَنْهَا. إِنَّ الوَطَنَ كَلِمَةٌ صَغِيرَةٌ فِي مَبْـنَاهَا، عَظِيمَةٌ فِي مَعْـنَاهَا، كَلِمَةٌ مَا إِنْ تُذْكَرُ حَتَّى تَتَحَرَّكَ لَهَا المَشَاعِرُ وَتَتَفَاعَلَ مَعَهَا الأَحَاسِيسُ؛ كَيْفَ لا، وَحُبُّ الوَطَنِ حُبٌّ فِطْرِيٌّ مَغْرُوسٌ فِي النُّفُوسِ، مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ الخَلِيقَةُ، حَتَّى الحِيتَانُ فِي أَعْـمَاقِ بِحَارِهَا، وَالوُحُوشُ فِي غَابَاتِهَا، وَالطُّيُورُ فِي سَمَائِهَا، تَحِنُّ إِلَى أَوْطَانِهَا، وَلأَجْـلِ هَذَا كُلِّهِ -عِبَادَ اللهِ- كَانَ لِفَقْدِ الوَطَنِ فِي القَلْبِ أَلَمٌ قَلَّ أَنْ يُحْـتَمَلَ، وَلِفِرَاقِهِ فِي النَّفْسِ جُرْحٌ لا يَنْدَمِلُ؛ لِذَا قَرَنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ بَيْنَ مُفَارَقَةِ الوَطَنِ وَقَتْـلِ النَّفْسِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ” وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا “، وَنَهَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُدَاهَنَةِ مَنْ يَسْعَى لإِيذَاءِ النَّاسِ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ فَقَالَ: ” لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “، وَلأَجْـلِ هَذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنِ الوَطَنِ وَالذَّوْدُ عَنْ حِمَاهُ وَمُقَارَعَةُ الأَعْـدَاءِ مِنْ أَعْـظَمِ المَوَاطِنِ الَّتِي تُبْذَلُ فِيهَا الأَرْوَاحُ وَتُقَدَّمُ فِيهَا الدِّمَاءُ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ عَنِ المَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ” قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ “، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ عَنِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ: ” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ” .

مَحَبَّةُ الوَطَنِ فِي النَّفْسِ عَظِيمَةٌ
عِبَادَ اللهِ:
لَمَّا كَانَتْ مَحَبَّةُ الوَطَنِ فِي النَّفْسِ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ فِرَاقُهُ عَلَى القَلْبِ مُؤْلِمًا، نَجِدُ أَنَّ أَعَدَاءَ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ يُهَدِّدُونَ أَنْبِياءَهُمْ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ نِعْمَةِ الوَطَنِ، قَالَ تَعَالَى : ” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ “، فَهَذَا شُعَيْبٌ -عَلَيْهِ السَّلامُ- قَالَ لَهُ المَلأُ الَّذِينَ استَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: ” لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ” ، وَهَذَا نَبِيُّ اللهِ لُوطٌ -عَلَيْهِ السَّلامُ- وَمَنْ مَعَهُ قَالَ عَنْهُمْ قَومُهُمْ: ” أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ “، وَقَدْ لاقَى سَيِّدُ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الإِيذَاءِ البَلِيغِ، فَهَا هُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى مَكَّةَ، وَطَنِهِ الحَبِيبِ إِلَى قَلْبِهِ، ” إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا “، قَائِلاً: ))مَا أَطْـيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ((. إِنَّهُ الوَطَنُ سَكِينَةُ النَّفْسِ، وَرَاحَةُ البَالِ، وَمَجْمَعُ الأَحِبَّةِ، وَمُنْطَلَقُ البِنَاءِ؛ اسْـأَلُوا عَنْ نِعْمَةِ الوَطَنِ مَنْ فَقَدَهَا، وَانظُرُوا إِلَى قِيمَتِهَا فِي مِيزَانِ مَنْ حُرِمَهَا، تُدْرِكُوا حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ، وَعَظِيمَ المِنَّةِ.

كُونُوا لِوَطَنِكُمْ خَيْرَ بُنَاةٍ
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مِنْ أَعْـظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْـنَا هَذَا الوَطَنَ الَّذِي نَتَفَيَّأُ ظِلالَهُ، وَنَعِيشُ أَجْوَاءَهُ، وَنَتَنَفَّسُ هَوَاءَهُ، نَجِدُ فِيهِ مَعْـنَى السَّكِينَةِ، وَحَقِيقَةَ الطُّمَأْنِينَةِ، فِيهِ تَتَّصِلُ أَمْجَادُ الأَجْدَادِ بِالأَحْـفَادِ، وَتَتَلاحَمُ قُلُوبُ الجَمَاعَاتِ وَالأَفْرَادِ. لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِوَطَنٍ ضَارِبَةٍ جُذُورُ مَجْدِهِ فِي أَرْضِ التَّأْرِيخِ، وَبَاسِقَةٍ غِرَاسُ تَسَامُحِهِ وَسِلْمِهِ فِي سَمَاءِ العِزِّ، قَدْ أَرْخَى اللهُ فِيهِ رِدَاءَ الأَمْنِ، وَقَوَّى بُنْيَانَ وَحْدَتِهِ، وَفَتَحَ عَلَيْـنَا أَبْوَابَ رِزقِهِ، فَلَهُ تَعَالَى الحَمْدُ وَالمِنَّةُ، إِنَّ الوَطَنَ -عِبَادَ اللهِ- إِذَا اجتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ النِّعَمُ فَقَدْ حَازَ أُسَّ الرَّخَاءِ، وَنَالَ قِوَامَ الحَضَارَةِ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ -عَلَيْهِ السَّلامُ- يَوْمَ أَنْ دَعَا رَبَّهُ لِيُهَـيِّئَ بِمَكَّةَ أَسْبَابَ السَّعَادَةِ قَالَ: ” رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ “، فَوَطَنٌ فِيهِ قُوتٌ وَرِزقٌ، وَتَوْحِيدٌ وَوَحْدَةٌ، وَأَمْـنٌ وَإِيمَانٌ، لَهُوَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللهِ تَسْـتَوْجِبُ الشُّكْرَ، وَمِنَّةٌ تَسْـتَدْعِي الحَمْدَ. إِنَّ وَطَنَنَا المُبَارَكَ هَذَا -عِبَادَ اللهِ- لَيَسْـتَحِقُّ مِنَّا التَّمَسُّـكَ بِهِ، وَالاعتِزَازَ بِالانتِمَاءِ إِلَيْهِ، وَصَوْنَ مُقَوِّمَاتِهِ وَإِنْجَازَاتِهِ، وَالعَمَلَ الدَّؤُوبَ لأَجْـلِ رِفْعَتِهِ وَعِزَّتِهِ؛ وَلْتَعْـلَمُوا أَنَّ مَحَبَّةَ الوَطَنِ وَالحِفَاظَ عَلَى أَمَانَتِهِ لَيْسَتْ شِعَارَاتٍ مُجَرَّدَةً، وَلا عِبَارَاتٍ جَوْفَاءَ، بَلْ لا بُدَّ أَنْ تَتَغَلْغَلَ فِي القَلْبِ إِيمَانًا، وَتَسْـكُنَ فِي النَّفْسِ اقتِنَاعًا، وَتُتَرْجِمَهَا الجَوَارِحُ وَالطَّاقَاتُ سُلُوكًا وَعَمَلاً، وَإِنَّنَا لَنَجِدُ -عِبَادَ اللهِ- فِي سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَصَحْـبِهِ أَسْمَى الأَمْـثِلَةِ لِحُبِّ الوَطَنِ المُتَعَمِّـقِ فِي القَلْبِ، وَلِتَرْجَمَتِهِ فِي الوَاقِعِ عَمَلاً وَبِنَاءً، فَالمُصْـطَفَى صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أَنْ أَسْـكَنَهُ اللهُ المَدِينَةَ وَرَضِيَهَا لَهُ وَطَنًا، سَكَنَ قَلْبَهُ حُبُّهَا، وَعَظُمَتْ فِي نَفْسِهِ مَكَانَتُهَا، رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ – أَيْ أَسْرَعَ بِهَا- وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا)، بَلْ إِنَّ ذَلِكَ الحُبَّ تَفَاعَلَ فِي نَفْسِهِ صلى الله عليه وسلم فَأَحَبَّ المَدِينَةَ بِكُلِّ مَا فِيهَا، حَتَّى قَالَ عَنْ أُحُدٍ وَهُوَ جَبَلٌ أَصَمُّ: ((هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))، وَلَقَد تَرْجَمَ المُصْـطَفَى ذَلِكَ الحُبَّ وَاقِعًا مُعَايَشًا، فَأَقَامَ فِي المَدِينَةِ أَسَاسَ العَدْلِ وَبَنَى فِيهَا دَوْلَةَ الإِسْلامِ، وَكَانَ مِنْ خَلْفِهِ صَحَابَتُهُ الكِرَامُ يُتَرْجِمُونَ حُبَّهُمْ لِهَذَا الوَطَنِ سَعْيًا وَعَمَلاً، وَدِفَاعًا وَحِفْظًا، وَتَكَافُلاً وَتَآلُفًا.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَكُونُوا لِوَطَنِكُمْ هَذَا خَيْرَ بُنَاةٍ، وَلِمُقَوِّمَاتِهِ وَأُسُسِهِ حُمَاةً، رَاعُوا نُظُمَهُ وَقِيَمَهُ، وَأَوْفُوا بِجَمِيعِ حُقُوقِهِ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ فِي أَدَاءِ رِسَالَتِهِ، وَوَصَفَهُ بِعَظِيمِ الخُلُقِ فِي شَخْصِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، ذُو الإِحْسَانِ وَالكَرَمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، جَاءَ لِلأَخْلاقِ مُتَمِّمًا، وَلِلسُّـلُوكِ مُقَوِّمًا، وَلِلبَشَرِيَّةِ هَادِيًا وَمُعَلِّمًا، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجمَعِينَ، وَمَنِ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.
اغْرِسُوا فِي أَبنَائِكُمْ حُبَّ الوَطَنِ وَالاعتِزَازَ به
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مَحَبَّةَ الوطَنِ تَقْتَضِي عَدَمَ الإتْيَانِ بِمَا مِنْ شَأنِهِ المِسَاسُ بِوَحْدَتِهِ وَلُحْمَتِهِ، فَالتَّفْرِقَةُ والتَّشَرْذُمُ -لأَيِّ اعْتِبَارٍ كَانَتْ- وَبَالٌ وَمَهْلَكَةٌ، لأَجْلِ ذَلِكَ حَذَّرَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ مِنْهَا كَثيرًا فِي كِتَابِهِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ” وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ “، وَقَدْ أَخْبَرَ المُصْطَفَى فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوقِفٍ عَلَى أَهَمِّـيَّةِ التَّآلُفِ وَخُطُورَةِ التَّفْرِقَةِ وَالتَّنَازُعِ، مِنْ ذَلِكَ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم : ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: صَلاحُ ذَاتِ البَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ))، فَكَمْ أُهْـلِكَتْ مِنْ قَبْلِنا أُمَمٌ بِسَبَبِ تَنَازُعِهِا، وَامَّحَتْ حَضَارَاتٌ بِسَبَبِ تَفَرُّقِ أَهْـلِهَا. إِنَّ أَوَّلَ نَوَاةٍ لِبِنَاءِ الوَطَنِ وَقِيَامِ الدَّوْلَةِ وَتَأْسِيسِ الحَضَارَةِ هِيَ الوَحْدَةُ والتَّكَافُلُ والتَّآلُفُ بَيْنَ أَفْرَادِ المُجْـتَمَعِ، وَهَذَا مَا حَرَصَ عَلَيْهِ نَبِيُّنَا الكَرِيمُ صلى الله عليه وسلم وَهُو يَضَعُ أُسُسَ الدَّوْلَةِ المُسْلِمَةِ فِي المَدِينَةِ، فَآخَى بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَوَضَعَ وَثِيقَةَ المَدِينَةِ، وَبَثَّ رُوحَ التَّآلُفِ وَالمَحَبَّةِ. إِنَّ هُنَاكَ – يَا عِبَادَ اللهِ- مَنْ لا يَحْـلُو لَهُمْ إِلاَّ قَطْعُ حِبَالِ تَآلُفِكُمْ، وَتَمْزِيقُ أَوْصَالِ وَحدَتِكُمْ، وَهَدْمُ بِنَاءِ دَوْلَتِكُمْ، فَلا يَفْتَؤُونَ يَنْشُرُونَ الشَّائِعَاتِ، وَيَبُثُّونَ الافْتِرَاءَاتِ، لأَجْـلِ إِضْعَافِ مَنْزِلَةِ الوَطَنِ فِي النُّفُوسِ، وَهَدْمِ الشُّعُورِ بِالاعتِزَازِ بِهِ، مُسْتَغِلِّينَ فِي ذَلِك التِّقْنِيَّةَ الحَدِيثَةَ وَوَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الاجْـتِمَاعِيِّ. فَاحْذَرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- مِنْ أَنْ تَصْـنَعُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ لِهَؤُلاءِ أَبْوَاقًا، أَوْ أَنْ تَجْعَلُوا نَوَادِيَكُمْ لِبِضَاعَتِهِمْ أَسْوَاقًا، فَإنَّ فِي ذَلكَ خِيَانَةً وَتَضْيِيْعًا للأمَانةِ.
فَاتَّقُوا اللهَ – أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- وَقِفُوا صَفًّا واحِدًا فِي وَجْهِ كُلِّ مُرْجِفٍ، وَتَنَبَّهُوا لِسَعْيِ كُلِّ مُفْسِدٍ، اغْرِسُوا فِي أَبنَائِكُمْ حُبَّ الوَطَنِ وَالاعتِزَازَ بِإِنْجَازَاتِهِ الحَاضِرَةِ وَمَجْدِهِ التَّلِيدِ، حَتَّى يُحَقِّقُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَعْنَى المُوَاطَنَةِ الصَّالِحَةِ، فَهُمْ أَمَلُ الوَطَنِ وَبُنَاةُ الغَدِ.
هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً:” إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا “.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُوْمًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُوْمًا، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْمًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوفِيقِكَ، وَاحفَظْهُ بِعَينِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَستَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرفَةَ عِينٍ، وَلاَ أَدنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ، وَأَصلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا وكُلِّ أَرزَاقِنَا يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، َالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ “.

إلى الأعلى