الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (هـدى ورحـمة للمحـسنين)
(هـدى ورحـمة للمحـسنين)

(هـدى ورحـمة للمحـسنين)

قال تعالى:(قـد يعـلم ما أنتم عـليه)، لعـل هـذا التعـبير فـريـد في القـرآن، فأحـوالكـم كلها ظاهـرها وباطـنها يعـلمها الله، وإحـاطـة عـلمه بـكل شـيء لا شـك فـيه، وهـو عـليـم بـكل أحـوالنا ظـاهـرا وباطـنا، والمراد بالعـلم الجـزاء الـذين يجـازيـنا به لأنه مقـرر ومحـدد، وهـو يعـلمه لا تخـفى عـنه خافـية، يعـلـم خـائنات الأعـين ومـا تخـفي الصـدور، فـقـد أحـاط بـكل شـيء عـلما.
قال الشاعـر:
لـقـد أسمـعـت لـو ناديت حـيا ولـكـن حـياة لمـن تـنـادي
والقـرآن للمـؤمـن خـير جـليس ومـؤنس له في وحــدته، كيـف لا يكـون كـذلك وهـو كـلام الله المنـزل عـلى رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم ، والجالس إلى القـرآن حـقا كأنه جـالس إلى حـكـيـم، وليجـرب كل مـنا وليقـرأ القـرآن بتمـعـن وتــدبـر فإنه يشـعـر بجـلـوسـه ذلك كـأنه جالـس إلى شخـص حـكـيـم، يـفـيـض عـليه مـن نـبع مـعـارفـه، ولـذلك لا تجـد لإزالـة الـوحـشة إلا القـرآن الكـريـم، سـواء وحـشة المرضى في مـنازلهـم أو المساجـين في سـجـونهـم، أو كل مـن كان وحـيـدا في مـكان مـا ، ولعــل الـرسـول الكـريـم صلى الله عـليه يشير الى هـذا بقـوله:(تـركـت فـيكـم واعـظـين : ناطـقا وصامـتا ، فالناطـق الـقـرآن والصامـت المـوت).
فإذا كان النبي (صلى الله عـليه وسـلم) قـد وصـف القـرآن بالناطـق، فـوصـفه بالحـكـيـم إذن صحـيـح، لأنه مـشـتـمـل عـلى حكـم بــل كأن فـيه تشـبيها بشخـص حـكـيـم يـلـقي الحـكـمـة لجـليـسه دون مـنٍّ أو ريـاء.
فحـافـظ القـرآن والمـتـدبـر أثـناء تـلاوته كان له مـرشـدا حكـيما بعـلـمه في كل وقـت لا يـقـول: إنني متعـب بحاجـة إلى نـوم ، أو مـنـشـغــل لي مـوعـد، وإذا كنـت حـافـظا للـقـرآن وأويت إلى فـراشـك فـبإمـكانك أن تقـرأ مـنه ما شـئت، وإذا لم تنـطـق به بلـسانـك فأنـت تتبعـه بـذهـنـك، وإذا كـنت ممـن يـتــدبـره فأنت الحـكـم حـقــا.
وليس القـرآن كالـرفـيـق الأحـمـق الجاهـل الـذي يغـضـبـك ويقـلقـك، والـذي لا تسـتفـيـد مـن مجالسته شـيئا سـوى تضييع الـوقـت، كـلا، فالقـرآن جـليس حـكيـم لا يتعـب ولا يـقـلـق، فـطـوبى لمـن كان معـه القـرآن الكـريـم، تـالـيا له ومـتـدبـرا لمـعـانـيه وعـامـلا بـأوامـره وواقـفـا عـنـد حـدوده، مـنتـهـيـا بنـواهـيه، مـتـفاعـلا مـع أسـلوبه، فالقـرآن الكـريـم نعـم الـرفـيـق الـذي لا يمـل ، ولا يـفـارقـك إلا إذا فـارقـتـه.
قال الله تعالى: (هـدى ورحـمة للمحـسنين) (لـقـمان ـ 3) هـذه هي أوصـاف القـرآن الأصـلية (هـدى)، فالقـرآن هـدى، وهـي صـفة لا تنـفـك عـنه ، حـتى لـكأنه أصـل الهـدى ، وهـو الهـدى الحـقـيقي لمـن ينـشـدها، فـبـدل أن يـقـول هـاد، قال:( هـدى )والهـدى ضـد الضـلال، تقـول: فـلان ضـل الطـريـق إذا تاه وتحـير وضـاع ، وعـكسه: اهـتـدى ، والاهـــداء هـو السـير إلى الصـراط المستقـيم ، الـذي يـوصـل إلى الغاية المطـلـوبة، تقـول : اهـده السـبيـل أي أرجـعه إلى الطـريـق، فإذا رددته إلى الطـريق فـقـد هـديـته ، يـقـول الله تعالى في القـرآن الكـريـم: (إن الـقـرآن يهـدي للتي هـي أقـوم ويبشـر المـؤمنـين الـذين يعـملـون الصالحــات) (الإسـراء ـ 9)، التي هـي أقـوم الطـرق وأقـوم لـكل شـيء ، في العـمـل الـدنـيـوي والأخـروي ، إلى الطـريـق الـذي غـايته هـذا النجاح والفـوز والفـلاح ، ذلك لقـوة أدلته وسـطـوع آياته ووضـوح بـراهـينه.
فأوامـره ونـواهـيه مـعـقـولة مقـبولة، لأنه لا يحـل إلا الطـيبات ولا يحـرم إلا الخـبائـث، ولا يأمـر إلا بالعـدل والإحـسان وإيتـاء ذي القـربى ، ولا ينهـى إلا عـن الفـحـشاء والمنـكـر والبغـي ، فهـو كله هـدى، والهـداية لا تنـفـك عـنه، وهـو طـريـق ممهـد مـليء بالمعـالـم للسالكـين، لا يضـل سـالكه أبــدا لأنه مظهـر أمـر الله ونهـيه.
وقـد ورد في الحـديـث النبـوي الشـريف عـن النبي (صلى الله عـليه وسـلم) قـوله:(مـن جـعـله أمامه قـاده إلى الجـنـة، ومـن جـعـله خـلفه سـاقـه إلى النار) فاجـعـل القـرآن الكـريـم أمامك وخـذه بيـدك كالمصباح فـلـن تضـل أبـدا، لأنه يسـلك بـك الطـريـق المستقـيم وتسير فـيه سـيرا مطـمئـنا حـتى تـبـلغ الغـاية التي هـي الخـلـود في الجـنة والـفـوز بـرضا الله.
و(رحـمـة) .. فما معـنى كـون الـقـرآن رحـمة؟ نـعـم هـو رحـمة عـامـة وخاصة، فهـو للبشـر عـامـة رحـمة، لأنه فـتح الباب أمام العـقـول لـلـتـفـكـر وللـتـدبـر، وللـنـظـر في آيـاته الكـونيـة في السـماوات والأرض، وتظهـر آيات الله تعالى في الـبر والبحـر والسماء ، وكل ما ينعـم به العـالم اليـوم من مخـتـرعـات سـببيه فـتح القـرآن الكـريـم لباب النـظـر الـذي كان مـسـدودا قـبـل ذلك ، فـقـد نـزع الأقـفـال، وفـك القـيـود وأزال المـوانـع التي وضـعـها الأحـبار والـرهـبان قـبـل عـلى الكـتب المـقـدسـة القـديمة إذا كانـوا يمنعـون الناس عـنها، فـلا يسـمح لأحـد غـير فـئـة قـليلة مـن الأحـبار والـرهـبان النـظـر فـيها، أما غـيرهـم فحـرام عـلـيه النـظـر فـيها فهـي محـتـكـرة لـتلك الفـئـة، ولا يتسـع الـوقـت لـسرد الآيات الـدالة عـلى هـذا، فـضـلا عـن جـمـيـعها، وعـجيبـة حـقـا الـدعـوة المـوجـودة في القـرآن الكـريـم إلى هـذا الـتـدبـر والتأمـل.
وهـو رحـمة عامة للمجـتمع الإسـلامي، ورحـمة لـكل مسـلم لأنه يعـلم الناس الصـبر ويعـلمهـم الرضا بـقـضاء الله والتـوكل عـليه، والعـمـل الـذي يـوصلهـم إلى مـعـرفـة خـالقـهـم ورازقـهـم، ويعـلم الناس أن هـذه الـدنيا لهـو ولـعــب، ويعـلم الناس أن الخـير كل الخـير في العـمـل الصالح، يعـلم الناس أن المصائب التي يصـابـون بهـا إنما هي ابـتـلاء واخـتبـار لهـم ، وأنهـم إذا صـبروا فإن الله تعالى يـوفـيهـم أجـرهـم بغـير حـساب، وهـو يمـلأ قـلـوبهـم رحـمة ورضى وطـمأنيـنة واسـتقـرارا.
والمـؤمـن في أشـد حـالات المصائب في مـرض شـديـد أو في سـجـن مظـلم، أو في فـقـر مـدقـع، أو في مجـابهـة عـدو إلا ويجـد القـرآن بجانبه رحـمة يحـنـو عـليه ويـقـول له : إن ما اصـبت به إنما هـو بإرادة الله وقـضائه ، وفي ذلك كل الخـير لك وإذا صـبرت لها فإنها تكـفـر ذنـوبـك وخـطايـاك وهي لا بـد أن تنـجـلي ويأتي اليسـر بعـد العـسر ، والفـرج بعـد الشـدة ، ولا يـدوم خـير هـذه الـدنيا ولا شـرها ، ولا خـير في خـير بعـده الـنار ولا شـر في شـر بعـده الجـنة.
بهـذه الأفـكار تـنـزل الـرحـمة في قـلب المـؤمـن،فـيكـون صـبـورا ضحـوكا فـرحا مسـرورا في أشـد حالات البأسـاء والضراء ، وأمـا الكـافـر فـلـن يجـد مـثـل هـذه الـرحـمـة وهـذا السـرور أبـدا ، فـتجـده يتحـسر عـلى ما لم يـدرك، وكتـب السير مـلأ بالمـواقـف والعـبر لمـن تــدبـر في عـواقـب الأمـور.
إن كــتـب التاريخ مشـحـونة بحـكايات المبتـلـين الصابـرين الـذين يصـل أحـدهـم إلى أن يـكـون مقـطـوع اليـدين والرجـلين وأعـمى وهـو يـذكـر الله مسـرورا، ويـقـول: اللهـم لـك الحـمد فـما دام لي قـلب يعـرف الله ولـسان يـذكـره فـهـذا فـضل عـظـيـم مـن الله وكـرم إذ ابــلاني ووفـقـني لـذكـره وشـكـره.
إذن : فهـو في رحـمة لأنه يخـفـف عـن القـلـوب وطـأة المصائب مهما ثـقـلت ، فـقـد تنـزل مصيبة عـلى المـؤمـن تـزن قـنـطارا فـيلجـأ إلى القـرآن الكـريـم يتـلـوه ويـتـدبـره، قال تعالى:(ونـنـزل مـن الـقـرآن ما هـو شـفـاء ورحـمـة للمـؤمـنين ولا يـزيـد الظـالمـين إلا خـسـارا) (الإسـراء ـ 82)، ويـقـول: مـرحـبا بـكل مـا أراده الله، فإذا المصيبة تخـف حـتى تصـبح لا وزن لهـا، بجـانب ما أعـد الله للصـابـرين مـن الأجـر والثـواب فـصـارت لاتـزن شـيئا أبـدا، والقـرآن الكـريم يجـعـل المـؤمـن الـذي حسـنت عـلاقـته مـع الله مطـمـئنا، وإذا كانـت به سـيئة بشيء ألـم به فإنه يـذكـر ذنـبه ويتـوب مـنه، وينيـب إلى ربه، فـيمـلأ الـرجـاء قـلبه، فـيكـون بـذلك في رحـمة الله .
وكل فـرد مـن أفـراد المـؤمنـين، رجـلا كان أو امـرأة يحـفـظ القـرآن كله أو بعـضه، أو كان لا يحـفـظـه فإنه يحـمـل مـعانيه ويـدرك معـنى التـوكل عـلى الله والرضى بقـضائه، والتـفـويض إليـه والصبر عـلى المصائب ، وما ورد فـيه مـن الأجـر فـيحمد الله ربه عـلى كل نعـمة أنعـمها عـليه سـواء ما يأكـل أو ما يشـرب أو غـير ذلك مـن النعـم فـيقـول: اللهـم لك الحـمد عـلى كـل ذلك، كـما قال الأعـرابي: اللهـم لـك الحـمد ، تمـر البـصـرة، وزيـت الشـام، ومـاء الفــرات، والمـرأة المسـلمـة في قعـر بيتها تأكل لقـيمـات مـن الشعـير ، ثـم تـلعـق أصابها وتقـول : اللهـم الـحمـد ، أليس كـذلك؟.
.. وللحـديث بقـية إن شـاء الله في حـلقة قـادمة.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى