الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “الكئيدة بارتي”

“الكئيدة بارتي”

”بداية، لنضع الأمور في نصابها بتقرير حقيقة أن الإسلام السياسي بشقيه: العنيف المتطرف ومظلته الكبرى من الإخوان تصاعد دوره في الأعوام الأخيرة لاعتبارات كثيرة بعضها محلي في الدول المعنية وبعضها إقليمي ودولي له علاقة بملء فراغ فك ارتباط أميركي مع المنطقة وسعي بعض القوى لاستخدام الإسلام السياسي أداة لتعظيم دورها.”
مع تسارع الأحداث في المنطقة، وفشل حسابات بعض القوى الإقليمية وانتهازية القوى الدولية في تحقيق مصالحها، يعود اسم “تنظيم القاعدة” ليحتل عناوين الأخبار في كل الأحداث الساخنة في المنطقة. ومرة أخرى ـ كما أوضحنا في هذه المساحة من قبل ـ نفضل استخدام اللفظ كما ينطقه الغرب بالإنجليزية “الكئيدة” ذلك لأنه وإن كان المسلحون المتطرفون من أبناء المنطقة ويستغلون دين أغلبيتها تبريرا لإرهابهم إلا أن التوصيف غربي تماما ويتسق مع استراتيجية الأطراف الدولية للحفاظ على مصالحها في الإقليم. ومن باكستان وأفغانستان إلى العراق وسوريا ولبنان، وحتى في مصر وليبيا وتونس واليمن، لا يمر يوم دون خبر يرد فيه لفظ الكئيدة. ويكاد المرء من تكرار الأخبار أن يتصور أننا في موسم هذا التنظيم، أو بالإنجليزية “كئيدة بارتي”، ولك أن تترجم بارتي كحفلة أو كحزب ـ سيان.
ودون اللجوء إلى تفسير المؤامرة، يمكن ببساطة أن يخلص المتابع المدقق لأخبار المنطقة إلى أن الكئيدة أصبحت شماعة مناسبة تعلق عليها كل الخيبات والإحباطات والممارسات، مثلما كان “الصراع العربي/الإسرائيلي” في وقت من الأوقات. لا يعني ذلك أن مسلحين متشددين يحملون أفكارا تشبه أفكار ابن لادن والظواهري يقومون بأعمال ارهابية هنا وهناك، مثلما كان الصراع مع اسرائيل ـ وما زال رغم التحولات الاستراتيجية في العقدين الأخيرين ـ سببا في كثير من نكبات المنطقة. إنما استخدام “الكئيدة بارتي” لتبرير سياسات خاطئة أو للتغطية على أسباب حقيقة لأزمات يعني الخطأ في التشخيص وبالتالي الإهمال في العلاج والهروب من الوصول إلى حلول لمشاكلنا.
ولا أريد الخوض في تفاصيل ما يتعلق بتنظيم القاعدة، حتى لا يسهم المرء في هذه “الهوجة” الإعلامية التي أتصور أنها تثير ضبابا متعمدا يبعدنا عن حقيقة ما يجري وبالتالي يصعب التعامل معه بشكل سليم. لكن إجمالا، هناك رأيان بشأن ذلك التنظيم الذي بدأت جذور تكوينه في نهاية الثمانينات حين تضافرت جهود الأجهزة الأميركية وتبرعات خليجية وتطوعات مصرية وغيرها في إنشاء ما سمي بعد ذلك “الأفغان العرب” لمحاربة الاحتلال السوفييتي في أفغانستان. الرأي الأول عبر عنه البروفيسور فواز جرجس في كتابه “القاعدة الصّعود والأفول – تفكيك نظرية الحرب على الإرهاب” ويرى فيه أن الخطاب الغربي بالغ كثيرا في حجم وقدرات وقوة التنظيم وأنه يكاد يكون انتهى تقريبا حتى قبل تصفية زعيمه أسامة بن لادن. والرأي الثاني عبر عنه الكاتب عبد الباري عطوان في كتابه “ما بعد بن لادن، الجيل الثاني من القاعدة” ويرى فيه أن التنظيم الأساسي ربما ضعف لكن الفكرة تقوى عبر تكوينات جديدة منتشرة أكثر من الشباب في الصومال وبوكو حرام في نيجيريا إلى أفرع التنظيم في المغرب العربي وسوريا والعراق وحتى في دول آسيوية.
بداية، لنضع الأمور في نصابها بتقرير حقيقة أن الإسلام السياسي بشقيه: العنيف المتطرف ومظلته الكبرى من الإخوان تصاعد دوره في الأعوام الأخيرة لاعتبارات كثيرة بعضها محلي في الدول المعنية وبعضها إقليمي ودولي له علاقة بملء فراغ فك ارتباط أميركي مع المنطقة وسعي بعض القوى لاستخدام الإسلام السياسي أداة لتعظيم دورها. من هنا، فما يجري في المنطقة يتجاوز “شماعة الكئيدة” والأمثلة عديدة وواضحة وضح النهار. ولنأخذ الأقرب زمنيا الآن: العراق، فحكومة المالكي تتهم كل من يخالفها بأنه “كئيدة” مستدرة تعاطفا أميركيا معها بما أنها “تحارب عدوا مشتركا”. والواقع أن المالكي يريد أن يستمر في الحكم لفترة ثالثة، وقد خسر حتى حلفاءه من الشيعة لأنه مارس إقصاء لا يقل عن طريقة الإخوان وأردوغان. ويخلط الإعلام، مدركا أم مساقا، بين مسلحين من قبائل الرمادي وغيرها يرون أن الحكومة في بغداد تخسف حقهم ولم تلتفت لاعتصامهم على مدى شهور وبين مقاتلين متطرفين مرتبطين بفكر القاعدة.
أما سوريا مثلا، فمن الصعب تصور أن ما يجري الآن هو صراع بين جماعات مرتبطة بالقاعدة من ناحية وجيش النظام ومسلحي معارضته من ناحية أخرى. هل اتفق فرقاء الصراع بالدم والنار على مطلب أميركي/أوروبي بتطهير الصراع من عناصر الكئيدة؟ أي خطل هذا! الواقع أن المسلحين من غير الإسلاميين الذين نفخت فيهم قوى إقليمية ودولية بغية أن يكونوا بديلا للنظام السوري كانوا فقاعة هواء لا أكثر، ولم يعد هناك بعد انفثائها سوى متشددين إسلاميين وعناصر متطرفة أجنبية كلهم في الواقع ممثلون سياسيا بالإخوان في سوريا وقيادتهم في لندن وبلاد اسكندنافيا. وإذا كانت هذه الفصائل المسلحة المتشددة والمتطرفة تخدم أحدا، فهي تخدم النظام وحلفاءه من إيران وحزب الله وتفيد الإخوان ـ ولا عزاء لتركيا والأميركان، إلا إذا كانوا يريدون هذا بالتحديد. وما اسهل أن يرفع الكل شعار “مكافحة الإرهاب” ضمن الكئيدة بارتي في المنطقة لتشملهم تسويات جنيف2 أو غيرها. كذلك حال لبنان، المنقسم على ذاته دوما طائفيا وعرقيا ومذهبيا. فليس ما يجري فيه، وإن لم يكن بعيدا عن سوريا بعد تدخل حزب الله في القتال فيها وما سبقه من دعم 14 آذار للمسلحين السوريين المقاتلين ضد النظام، بحاجة لشماعة كئيدة ـ إذ إن به من الشماعات ما يكفي، لكن هذه سهلة وتبعد الناس عن أسباب العنف والدم الحقيقية.
لا تقليل من خطر التطرف الإسلامي، لكن الأخطر هو سياسات وممارسات دول وتنظيمات تحتاج إلى مراجعة وتصحيح قبل أن تنتهي الحفلة.

د. أيمن مصطفى
كاتب وصحفي عربي

إلى الأعلى