الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. ثورة الشباب على نجيب محفوظ !

رؤى .. ثورة الشباب على نجيب محفوظ !

وكأنه ينبغي علينا أن ننتظر حتى الذكرى الثانية بعد المئة لمولد نجيب محفوظ لنقول إن إبداعه ينبغي أن يخضع للمساءلة!
في احتفالات مصر والعالم العربي بتسعينية نجيب محفوظ إن لم تخني الذاكرة، لم يرقني كقارئ تلك المواكب الاحتفائية بإبداع صاحب نوبل، والتي لا أقول إنها تنطوي على مبالغة في قيمته الإبداعية ، لكنها تمثل حاجزا أمام أي ناقد أو قارئ لأن يرى بعيون نقدية أعمال شيخ الرواية بل و تحجب عنا ما قد يعتري بعض أعماله من عوار فني، فكتبت مقالا في جريدة السياسي الأسبوعية تحت عنوان “جلباب نجيب محفوظ” ، كان المقال ينتمي ـ إن صحت التسمية لأدب التمرد ـ فكرة المقال أنني كروائي ، بغض النظر إن كانت قيمة ما أكتب متوسطة المستوى أو متواضعة، لا أرى من الملائم لي أو لغيري أو للأدب بشكل عام أن نلتزم بنهج محفوظ في الكتابة ، وأشرت إلى أنه على سبيل المثال كان يكتب القصة القصيرة بنفس الرواية، وهذا ربما لا يتسق مع مقتضيات القص القصير من التكثيف، على النقيض من فارس القصة القصيرة يوسف إدريس الذي أجاد بفنية عالية عملية التكثيف دون أن يجور على البناء الفني للعمل.
وبالطبع إخضاع أعمال محفوظ للنقد الموضوعي من قبل نقادنا مهما كانت مخارجه من إظهار شيء من العوار مسألة مطلوبة ، بل حتمية ، ليس الهدف منها هدم هذا الصرح الرواية المحفوظية أو الانتهاء إلى أن حصوله على جائزة نوبل مثلا كان وراءها أسباب أخرى غير جودة ما يكتب ، فنجيب محفوظ بلغ بالفن الروائي آفاقا لم يستطع حكاء عربي قبله الوصول إليها ، لكن الهدف إشهار لا قوية ضد التصنيم والنمذجة !
حين جاء آستور ألين السكرتير الدائم للأكاديمية الملكية السويدية إلى القاهرة في خريف 1988 لتهنئة محفوظ بحصوله على الجائزة وتوجيه الدعوة له لاستلامها خلال الحفل السنوي الذي تقيمه الأكاديمية في مطلع ديسمبر قال لكاتبنا الكبير: إن جائزة نوبل أنشئت منذ قرن كامل ، وقد فاز بها أدباء من مختلف أنحاء العالم ولم يفز بها حتى الآن أحد من العالم العربي، إن ذلك الوضع غير سليم ، فللعرب تاريخ أدبي عريق ، وعدم منح الجائزة لأديب عربي يمكن أن يمس مصداقيتها،
واستطرد آلين قائلا إن الأدب العربي عريق، له تاريخ ممتد ، وآن الأوان ليحصل على ما يستحق من تكريم!
وربما كلمات مثل هذه من المسئول الأول عن الجهة المانحة للجائزة ، قد تفسر من قبل البعض أن الجائزة منحت في الأساس للأدب العربي ، وليس لنجيب محفوظ في ذاته، أي أن أعضاء اللجنة قرروا أولا أن تمنح لأديب عربي. وكخطوة تالية : فلنبحث عن أديب عربي ، فإن لم يكن محفوظ ، فليكن ثان ، فإن لم يكن ثمة ثان ، فليكن ثالثا ، المهم أن يحمل جواز سفر عربيا !
وربما مخاوف آلين من أن تفسر كلماته على هذا النحو دفعته إلى أن يقول موجها حديثه لكاتبنا الكبير: إن الفن الروائي العربي أصبح مرادفا لاسم نجيب محفوظ ، فأنت الذي أعطيت الرواية شكلها العربي المميز وأثرت في أجيال من الروائيين من بعدك، فقد قطعت بأعمالك الأدبية مسافة طويلة من الواقعية النفسية إلى الميتافيزيقية الرمزية مرورا بأساليب وأشكال متعددة عالجت من خلالها موضوعات وجودية مهمة كالصراع بين العقل والعقيدة والحب كمصدر للقوة والصراع الوجودي للإنسان الأعزل.
وما قاله سكرتير الأكاديمية الملكية ، تماثل مع بيان لجنة نوبل، فالجائزة منحت لمحفوظ لأنه روائي متفرد ، وتفرده في المعمار الروائي انعكس على أجيال من الروائيين العرب جاءت بعده، لكن إلى أي مدى يكون هذا التأثير ؟ ليس بالطبع إلى التقليد الأعمى، فإن كانت عباءة نجيب محفوظ تبهرنا، فهذا لا يعني أن يرتديها كل حكاء، هذا يناقض قانون التطور، التصنيم ينتهي بأية أمة إلى السلفية فالجمود، وإن كنت قد استخدمت لفظة السلفية فإني أعنيها تماما، فالسلفية ليست فقط المعني بها الفكر الديني، بل هو مصطلح قابل للتطبيق على كل المناحي الفكرية والثقافية، وتلك إحدى إشكالياتنا الكبرى، السلفية الأدونيسية والسلفية الناصرية والسلفية المحفوظية ، والسلفية الماركسية والسلفية اللينينية، والسلفية السميثية ” نسبة إلى عالم الاقتصاد آدم سميث” ، فالانبهار بأدونيس، يجعل تلاميذه لا يرون سوى ما كتب وأبدع ونظر، بل ويصبوا غضبهم على كل من يأتي بغير ما أتى، أو حتى يضيف إليه، هذا التصنيم يقود إلى تواكلية فكرية تصيب الأمة بالجمود فالتخلف ، لهذا السبب كتبت مقالي في جريدة السياسي منذ أكثر من عقد ، لكنني وأعترف بذلك لم أذهب بعيدا إلى قول ما بداخلي خوفا من دراويش نجيب محفوظ ، الذين بنوا مجدا زائفا لذواتهم من خلال التحليق حول صنمه ! وأعانني في تجنب مواجهتهم أن المقال نشر في جريدة محدودة الانتشار !
لكن في مصر الآن من فعل ذلك في جرأة ، فخلال الحوارات التي دارت في صالون نجيب محفوظ بالمجلس الأعلى للثقافة في الذكرى الثانية بعد المئة لمولده، قال شباب الروائيين ما عجز عن قوله الكبار ، وقد أبدى عدد من هؤلاء الشباب دهشتهم من محاولة البعض تحويل أعمال نجيب محفوظ إلى نصوص مقدسة لا ينبغي الاقتراب منها بالمساءلة ، الكاتب الشاب محمد عبد النبي قال إن العديد من الكتاب يشكل لهم نجيب محفوظ عقدة حقيقية، وذلك بسبب المستوى الفنى والأدبى الذى وصل إليه محفوظ، ، بينما بعض آخر يحاول الهروب من أدب نجيب محفوظ خشية أن يتسرب أسلوبه لأقلامهم، لكن الأكثر جسارة هو الذى يستطيع أن يقرأ نجيب محفوظ ويحلله بل ويسائله مستفيدا من بعض إبداعه وتاركا ما من شأنه أن يؤثر على استقلالية أسلوبه ، وجهر عبد النبي بما قد يراه دراويش محفوظ تجاوزا، حين قال: إنه شخصيا ليس من المعجبين برواية “الكرنك”، وأن ليس كل إبداع نجيب محفوظ يثير دهشته بالجملة مثلما يحدث للبعض فى حالة الانسحاق لمحفوظ ! وغير عبد النبي شباب آخرون حضروا الصالون وأخضعوا في مداخلاتهم أعمال محفوظ للنقد ، مثل الكاتب ياسر عبد الحافظ الذي قال إن لديه مشروعا يعكف على إنجازه منذ عام يخضع فيه أعمال محفوظ للمساءلة .
وللأسف، إن كان المثقفون يعيبون على شرائح الأمة أنها تقصي العقل وتسير حياتها على طريقة القطيع ، فهم – المثقفون أعني – ليسوا بمعصومين من هذا الداء ، فأحيانا نفاجأ بمواكب الاحتفاء لعمل ما ، ونضعه في مكانة عالية ، رغم أن القراءة الموضوعية لهذا العمل قد تنتهي بمنحه درجة متوسط ، أو حتى جيد ، لكنه ليس بالعمل السوبر الذي يجعله حديث المثقفين والنشر في الإعلام صباحا ومساء !، أليس هذا حال رواية عمارة يعقوبيان التي ينبغي دراستها جيدا ، ليس فقط معماريتها الفنية، بل ظاهرة هذا الانتشار غير المسبوق وغير المفهوم للرواية، رغم أنه همسا يقول الكثير من الروائيين والنقاد إنها ليست جديرة بمواكب التهليل التي زفت خلالها وكاتبها إلى القارات الست، وحتى كاتب كبير مثل الدكتور جابر عصفور لم يجهر برأيه في الرواية وصنفها ضمن الأدب الرائج وليس الأدب شديد التميز ، إلا حين دب الخلاف بينه وبين مؤلف الرواية علاء الأسواني، ودون هذا الهمس، ودون أراء قليلة مبعثرة ترى في الرواية عملا عاديا ، انخرط غالبيتنا في مواكب القطيع المهللة لعلاء الأسواني وروايته !
ومحفوظ نفسه ساق لنا مثالا جديرا بالاحتذاء لأن نجهر في شجاعة بأرائنا النقدية ، مهما كانت مكانة الموجهة إليه ، وهو نموذج أشار إليه الأديب يوسف القعيد خلال مناقشات الصالون ، ففي الوقت الذي كانت الأوساط الأدبية في العالم ومازالت تنظر إلى السلسلة الروائية “البحث عن الزمن الضائع” للكاتب الفرنسي الشهير مارسيل بروست على أنها من أعظم الأعمال الأدبية الفرنسية قال محفوظ إنها رواية سيئة!

محمد القصبي

إلى الأعلى