الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الخبرة وانتقاء المتميزين

الخبرة وانتقاء المتميزين

عادل سعد

العمل، أي الوظيفة هي حالة مواظبة ومهارة واستدراك للتصحيح في بعض الأحيان، ونتائج محسوبة، والوظيفة، أية وظيفة لا يمكن أن ترتفع إلى مستوى الإتقان إذا افتقدت واحدة من الحالات المشار إليها، فحينها تسقط في التسويف والسطحية وانعدام الرؤية وتقطيع الوقت بانعدام وجود خط بياني صاعد لها، ومن هنا نستطيع أن نتبين المزيد من التبرير الجميل والمحكم للحقيقة التي تقول (إنما الأعمال بالنيات)، وفي ذلك برهان على ما أجمعت عليه أغلب مدارس علم النفس بالقول (العبقرية ليست سوى جهد متواصل)، وهكذا لا يمكن للنبوغ أن يكتمل إلا من خلال الاستغراق بالعمل والتأسيس لتقاليد جوهرية تضمن سلامة نوعيته وتطورها.
لقد أردت لهذه المقدمة أن أتصفح قرار جامعة هارفارد في عرضها على أليكس فيرجسون للتدريس فيها بعد إعلان تقاعده من تدريب فريق مانشستر يونايتد لكرة القدم.
لقد أعلنت هذه الجامعة العريقة أنها تطمح بالإفادة من خبرة فيرجسون الطويلة في ميدان التدريب الرياضي لإلقاء محاضرات على طلبة كلية إدارة الأعمال التابعة لها ومن المؤمل أن يبدأ فيرجسون الشهر الحالي مهمته التدريسية الجديدة، المذهل في الأمر أن الجامعة طلبت منه أن يحاضر في موضوع الإدارة الناجحة وتوظيف ما توصل إليه من خبرة في قدرته على القيادة والتدريب، مشيرة إلى أنها تطمح أن يضع ما يمتلك من معارف (لمساعدة الطلبة على أحدث تغيير عميق في العالم).
أن تحرص هافارد بكل من تملك من عراقة أكاديمية وجاه علمي لضم فيرجسون إلى أسرتها التدريسية فهي لم تتحرك بهذا الاتجاه تحت طائلة عوز في خبراتها التدريسية، ولا من باب التمسح به لما يميزه من شهرة ووجاهة إعلامية واسعة، فهي أغنى علميًّا وشهرة من كل الأساتذة الذين لديها، أو الذين تريد ضمهم إلى كادرها العلمي.
إذًا لقرار هارفارد سبب آخر ينص فعلًا أنها لا تريد أن تفوت عليها خبرة يمكن أن تفيد، خاصة وأن فيرجسون ما زال قادرًا على العطاء والتأثير واستمرارية النضج، وربما أيضًا أن طلبة كلية إدارة الأعمال في الجامعة لا بدّ يصغوا جيدًا إليه، وربما بمحبة وود، خاصة وأنه جاء من مؤسسة رياضية عريقة، ولنا أن نتصور كم هي منزلة الرياضة وأبطالها عند طلبة بعمر الشباب.
وهارفارد أيضًا بهذه الخطوة تعزز حقيقة أن للخبرة الإدارية فيها محورين، الأول يعنى بالإطار العام، والثاني خاص وأعتقد أنها تعلق أهمية على ما يكتنزه عقل فيرجسون من معلومات وحقائق ونتائج عن الإطار العام درجة الأساس.
إن هناك صورا مشابهة إلى ما أقدمت عليه هارفارد في انتقاء فيرجسون، فالكثير من المؤسسات والشركات ومراكز عمل وبحث تضم الآن العشرات من أصحاب الخبرة الذين يراد الإفادة منهم لما لديهم من خبرات في العلاقات العامة والإدارة، واقتراح الفرص، والطريف في هذا الموضوع، أن شركة فرنسية استعانت بخبرة دبلوماسي متقاعد وعينته بوظيفة (شمام) لقياس جودة العطور التي تصنعها، لما له من باع طويل في التعاطي مع الآخرين، ومثل فرنسا في عدد من البلدان وهو بالتالي يملك (خبرة) في نوعية الرائحة لأنها مصدر جذب واهتمام!!
الخلاصة من كل ذلك، لنا أن نسأل: أين نحن في البلاد العربية من الحرص على انتقاء الخبرات الكبيرة التي أمضت سنوات عمرها في خدمة بلدانها، لا أكتمكم إذ أقول نستطيع أن نجدهم في مقاهي الأحياء يمضون وقتهم بملل أو طرحى منازلهم لا يسأل عنهم إلا القلة، وفي أجمل الأوقات كتبوا سيرهم، لكنهم لا يجدون من يطبع ويروج هذه السير.
هل نحن بحاجة إلى خطوات (تلاحق) الخبرات المتميزة (المتقاعدة) لننتشلهم من دائرة النسيان ونرعاهم ونديم الصلة معهم، أعتقد ذلك، لأن حبل التقصير لدينا طويل في هذا الميدان!

إلى الأعلى