الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصحاب الحرف والحبر والدم..

أصحاب الحرف والحبر والدم..

علي عقلة عرسان

”إن تربتنا خصبة أيها العزيز الذي يفلح حقول الروح ويبذر الكلمات، والمناخ ملائم لعطائنا، والمدى الذي ذكرت لا تحده حدود فهناك مشاكل الجرحى والمعوقين والنازحين والمهجرين والمحرومين حتى من قول على قول، وهناك الذين يعانون من صنوف الاحتلال بين احتلال إسرائيل واحتلال الرؤوس والإرادات والأفئدة وكل الأحوال..”

الحرف مغموس بماء الورد، يحمل وجيب القلب وطعم الانفعال ولونه عند العاطفيين، والريشة عندهم شعاع يسطر على صفحات النسيم وأديم الماء والسماء، قصص الشوق والترنح على أعتاب التوق واندفاعة الحب ونزق الروح وانتفاضة الفكر والرعب. والحرف مغموس بالدم وألم الروح وشقاء الروح عند الثائرين والمقاومين والواقعين تحت رحمة الإرهاب وسيف الاضطهاد وظلم الجهلاء، إنه إناء الوعي وسطوع الغضب وصوت الحق واستغاثة العدل، والنصر القادم على أجنحة الشهداء والمناضلين، وهو دفقة الأمل في جسد المتعبين والتعساء البائسين في هذا الموقع أو ذاك من أرض البشر، والريشة عند أولئك رصاصة أو خنجر أو قذيفة، تحفر على وجه الوقت والحياة والأرض وقائع سجلتها مواقف الإنسان ضد الإنسان، وتجسد تغيّرات أملتها إرادته الواعية لما يريد، أو تحوله إلى أداة بأيدي عقول وإرادات واعية لما تريد، وهي في مختلف الأحوال تحدو مسيرة تتوثب وتواصل السير والصيرورة.
والحرف مغموس بالدمع والآه، يحمل مرارة الصبر ولمع سراب صقيل كحد السيف مسلطاً فوق لهاة الوامق في رمضاء العصر، عند الفقراء والمظلومين والمشردين في المخيمات وتحت الأشجار العارية في عواصف ثلج شتاء ليس كمثله شتاء، وعند المستضعفين ومن في حكمهم ومن يحكم باسمهم كل الحاكمين، إنه وعاء المعاناة وبيانها، ولسان الأمل، وميزان عدل ينتصب في الضمائر الحية ويتطلع إلى أن ينسكب أداء وصلاحاً وبلسماً وشفاء.. والريشة عندهم معول يهدم الحواجز والمستحيل، ويهد عروش الظلم وجبروت الطغاة أو يحلم بذلك ويعمل من أجله، ويكسر سطوة الإنسان على أخيه الإنسان، وهي تألق يبني كما بنى جن سليمان له وبأمره حصوناً وقصوراً.
والحرف يكون.. ويكون.. ويكون. وهو مدعو في زماننا وأوطاننا اليوم إلى أن ينهل من قلب المحب، وجرح الشعب، ودم الشهيد، وغضب الثائر الحق، وصبر الفقير وألم المحاصر .. لكي يصنع حلم الجماهير في التغيير والاكتفاء، في التحرر والتحرير والارتقاء، في الأمن والسلم أولاً ومراعاة ما أمر به إله الأرض والسماء. ففي أرضنا اليوم واقع جديد يفرض على الحرف أن يعرفه ويستقرئه ويستلهمه ويتعامل معه تعاملاً نوعياً مسؤولاً، مختلفاً عن كل ما سبق من تعامل للحرف مع الواقع ومع ما يتطلع إليه بشر وضع مع الدابة أو الحجر في قَرَن، وران عليه ما ران من قطران المحن. هناك في تربتنا الاجتماعية والنضالية والثقافية دعوة مفتوحة وملحة لاستنبات الكلمات والمواقف والموضوعات في حرارة الواقع ودقة الوقائع ومصداقية الوثائق، بعيداً عن الأبراج العاجية وتأثيراتها، وعن الدوامات الكلامية وضبابياتها، والشطحات الخيالية وصبواتها، والنظريات الطوباوية وتهويماتها، وبعيداً قبل كل شيء وبعد كل شيء عن التجارة بالكلام والوطنية، بالناس والحرية، وبالكرامة والرغيف.. فالحرف ليس للتضليل ولا لينثر بريقاً على جبين هذا وذاك ممن لا يستحقون أو ممن يدفعون ثمن الحرف وصانعه وما يتقنه من فنون، ولا هو ولا ينبغي أن يكون نجوماً على أكتاف وحوش وإرهابيين وطائفيين وقتلة انتهازيين، ولا لجعله منفاخ ساسة وبوق سياسة. وأداة يستخدمها أشخاص ذوو مواهب “خُلَّبيَّة” يتلطون في ظل هذا الحاكم أو ذاك، هذا المعارض أو ذاك، هذا المستثمر في القتل والإرهاب والخراب أو ذاك.. فتربة الحرف وحوضه ومستنبته ليس الكتاب سمادها الوحيد ولا الخيال نباتها الواحد الفريد المفيد .. إنها الانغماس في عمق الأزمات والصراعات والصعوبات والمعاناة والتناقضات والمشكلات العويصة “السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، وهي متداخلة ومتفاعلة، تداخلاً وتفاعلاً، عضويي التكوين والتأثر والتأثير، وهي الغوص عميقاً في تكوين نفسي وقيمي وروحي وأخلاقي غدا مضطرباً ومتوثباً ومتطرفاً مريضاً في حالات. يدفعه إلى التفاعل والتغيير وإعادة التكون والتشكّل، معطى جديدٌ في حياة الناس، ليس الاستهلاك وقيمه ومظاهره إلا أحد عوامله، معطى يحمل نزوع المتناقضات إلى الاعتراك والاصطراع والاقتتال إلى حد الموت، ويشرع في فضاء الروح سيف الخوف من الآتي وعدم الثقة بالشخص المواتي جراء خبرة مرة كونها الزمن القريب في مختبر الحدث المرعب يراود نفس وضمير كل غبي وأريب.
وهذا الواقع هو الذي خلق مناخاً خاصاً يحتم ولادة خاصة ودعوة أخص، فإلى ذلك الذي يستنبت الحرف في الجرح ويغذيه من تربة الواقع وتواتر المواجع وانتشار البؤس والشقاء وبعض القنوط في الأرجاء أقول: أيها الحامل ضوءاً وتوهجاً ونوع رؤى وإيماناً متجذراً وقولاً يتجسد عملاً ويبذر أملاً ويستنبت إرادة حياة، ويشرع في مدى الآفاق شراعاً منقذاً.. أيها الناشد حقيقة تشفي، ومصداقية تعطي للوجود وللحوار معنى، ولما تقدمه للناس من معرفة ورأي وخبرة غنى، تعال أفلح أرضاً تحتاج إلى من يفلحها، وارتبط: أخذاً وعطاء، بأناس يحتاجون إلى من يعطيهم بإخلاص ويترجم عنهم بأمانة وعمق وشفافية وحيوية واقتدار وحسن نية.. تعال خذ حياة الحرف من حياة الظرف، وليدفع حرفُك الإنسان إلى التشبث بالحياة وبنوع من القيم والأمل فيها، ويستنبت في أعماقه ومن حوله إرادة خيرة وقدرة على ترجمة تلك الإرادة إلى عمل جماعي بقيادة راشدة، يفضي إلى وقف انتشار الشر، وتحول أشخاص إلى وحوش، وبيئة معطاء إلى بلقع ينتشر فيه البلاء والفناء.. تعال فعِّل عقلك وساعدك وعواطفك وإيمانك في تغيير لا يتم بقتل من يتم التغيير لأجله أو بواسطته ولمصلحته، تعال اعمل في الظرف القاهر ولا أقول الصعب، وفي عصر ضياع القيم واضطراب المعايير وموات الشيم وتشظي الأنفس.. تعال ثبت شراع المركب في خضم البحر العاصف وخذ على يد من يريد أن يخرقه ممارسة لما يسميه حريته.. تعال انغمس في الهم واترك الوهم، انغمس في البيئة واترك الدريئة، تعال ابني ولا تكتفي بالنهي عن التدمير، تعال إلى الناس والوطن والأرض لتلح فيها وتبذر بذارك الذي تدعي أنه الأصلح ولا تبعنا من وراء البحار أقوالاً متخمة بعوامل العجز وأنواع الفرار، بينما يداك في الماء وأيدينا في النار.. تعال إلى الأرض والفعل والمسؤولية، واقبض أجرك مثلنا بالعملة المحلية، وانزل إلى السوق لتشتري رغيفك، واعرف من أنت بين من تدعي أنك تمثلهم وتقبض باسمهم ومن أجلهم وترسل الموت إليهم أو تسببه لهم.. فكل اليوم يقتلنا أما ليحمينا ويحررنا أو ليخلصنا ويدافع عنا.. تعال إلى أرض البناء والعمل والوفاء واشقى فيها مع من يشقى فيها بسبب منك وبسبب من سواك.. تعال وإلا فلا حاجة لنا بغنائك أو نواحك أو طحينك أو سلاحك.. لأنه لن يكون هناك من يسمعك بعد أن ندر وجود من يصدقك، واعلم أنه لن يكون في غنائك بعد كل هذا البلاء والابتلاء ما يطرب.. فقد عفنا الغناء والمغني واللحن والملحن لكثرة ما سمعنا وما شفنا، وإلا ابق حيث ترتاح وأرحنا، وخذ ونأخذ بالمثل القائل: ” تسمع بالمعيدي خيراً من أن تراه” ..
يا صاحب الحرف النظيف الباحث عن رسالة وإبداع وانتماء عزيز وشرف ومنعة وارتفاع.. تعال ضع حرفك في مناخ يختلف عن كل ما عرفت وما شكَّل مناخ عطاء لك في السابق، فنحن اليوم في مواجهة من أجل المواجهة، وتجري في أحشاء مجتمعنا تغيرات جديرة بأن تشهد ولادتها وتسهم في رصدها وقيادتها، فما عاد حرف اليوم.. في واقع الناس اليوم، قادراً على أن يكون حرف الأدب الجميل إذا ما اكتفى بأن ينشد جمال الأسلوب والتركيب والصورة، وفصاحة اللفظ والمحسنات البيانية والبديعية، وتحتشد فيه العواطف والمواقف، فعوامل حياة الأدب ومناهله اختلفت اليوم نسبيًّا باختلاف عوامل ومقومات حياة الناس واهتماماتهم وضائقاتهم ومعاناتهم، واختلفت كذلك باختلاف الظروف والشروط التي يحتمها ما يفرض عليهم من مناخ عمل وحياة.
وعلينا أن نغرس اليوم حروفنا في مدننا المدمرة وقرانا المهجورة ومزارعنا التي أضحت مقابرنا، ونتقرى آثارنا التي أصبح بعضها ذكرى وسطوراً في سجلات المتاحف التي تحمل بعض تاريخ وطننا وحضارة أمتنا وملامح من شخصيتنا وخصوصينا.. وأن نتنفس مع سكانها لنتأصل في تربة الأصيل وألا نكتفي بالانغراس في التراث المكتوب والكتاب المجلوب، حتى يتسنى لأدبنا أن يحمل روح الأمة وهويتها، وما يهم الأحياء فيها، ونستمد شيئاً ونعطي للحياة أشياء، لأن الحرب والإرهاب والغزو كل ذلك يمحو كل هذه المعالم ويجتث الجذور.
إن معايشة الفلاحين والعمال والفراء والتعرف على مشكلاتهم وشؤونهم وشجونهم، النوم في العراء أو في المخيمات والمعسكرات والمدارس، في العتمة والبرد ومعرفة من يقدمون حياتهم أو تسرق منهم تلك الحياة، والتعرف على أوضاع أهلهم ومعاناة ذويهم وعلى أوضاع المجندين والجنود والعاملين في زمن الموت المجاني،، ومعرفة أوضاع من يقاتلون على غير هدى فيقتلون أو يُقتلون.. كل ذلك وسواه تستمد منه الكتابة نسغ حياة جديداً في معطى واقعي عصري جديد، ويجب أن تستمد الكتابة نسغ حياة جيداً في معطى عصري جديد دائماً، ويجب أن تستمد نسغ الحياة، ولا بد أن تأخذ وتعطي وتتفاعل ويكون لها ما تقوله في مثل هذا المناخ على الخصوص، لأن ما يجري هو الذي يصنع صور الحياة وصورة الفن والأدب اللذين يعبران عنا وعما نراه ونريده في حياة.. هي تكليف ويمكن أن تكون فيها خيارات أياً كانت وكانت وأياً كانت المعاناة فيها.
إن تربتنا خصبة أيها العزيز الذي يفلح حقول الروح ويبذر الكلمات، والمناخ ملائم لعطائنا، والمدى الذي ذكرت لا تحده حدود فهناك مشاكل الجرحى والمعوقين والنازحين والمهجرين والمحرومين حتى من قول على قول، وهناك الذين يعانون من صنوف الاحتلال بين احتلال إسرائيل واحتلال الرؤوس والإرادات والأفئدة وكل الأحوال.. إن تربة حرفنا خصبة يا حامل الحرف برقاً في ديم النفوس، وليس هناك ما يسوِّغ أن نبقى في مناف أو معازل أو صوامع، قريبة أو بعيدة، مهما عزت مواقعنا ومواضعنا.. هناك دم حي يبذل، ونضال يومي يخاض في وطننا ومن أجله، ضد العدو المحتل وضد من توطن في نفوسهم ورؤوسهم السوء والغزو والقتل والظلم وشهوة العدوان وحرمان الآخرين من حقهم في الحياة ومن الحوار والحرية والشعور بالعدل والمساواة والكرامة والحياة، وهناك كثرة منتفضة على سطح الواقع يدفعها الوهم والطموح والجموح إلى مزيد من الجموح.
تربة حرفنا خصبة، وشرف الكلمات موفور لمن يريد لكلماته حياة وشرفاً وبقاء، والواقع يقدم أكثر بكثير مما يحلم واقعي بوجوده، في حياة تعمق صلة الأدب بالحياة وتأثر الأحياء بالأدب، وفي واقع ينتظر أن تدخله الحروف.
فلنأخذ من واقعنا بصدق، وليحمل أدبنا مصداقية تعيد للكلمة فاعلية وشرفاً وتألقاً في المصداقية والإبداع، وليكن في حبرنا حرارة ما يسفك في أرضنا من دم، فنحن أصحاب الحرف والحبر وأصحاب الدم.

إلى الأعلى