الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: صبر أيوب

باختصار: صبر أيوب

زهير ماجد

نحتاج لوقت، لصبر، لطول أناة .. نحتاج لقدرة على العمل المضني والصامت، نحتاج لكل هذا وأكثر .. نكاد نقول إنه لا أحد يريد إعطاءنا وقتا طالما ان الحديد حام ولا بد من الضرب عليه بقوة.
أما الصابرون فهم في النهاية الرابحون .. هكذا علمتنا السياسة، وهكذا قال الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لأحد القياديين اللبنانيين إذا كنت لا تملك صبرا في العمل السياسي فاذهب إلى العمل التجاري لعل أرباحه أسرع.
لكن من يعطي الوقت من أجل الحل .. قبل أن يتوفى الكاتب الكبير كازانتزاكي وكان يكتب روايته الأخيرة التي لم تكتمل، قال لزوجته ليتك تقفين في الشارع لتشحذي لي عشر دقائق من كل مار، فلربما أستطيع إكمال ما بدأت به. لكن لا أحد يتنازل عن ثانية من عمره، تماما مثلما لن يتنازل الغاضبون عن غضبهم ازاء بقاء سوريا عالية الرأس، مصانة بجيشها وشعبها ورئيسها. من المؤسف ان لا يراد صبرا لسوريا، بل تحطيم نفوذ ..
في هذه المرحلة بالذات لن يندم الصابرون، ان روح المكان الذي يسكنون تألف صبرهم، تغار من قدرتهم على البقاء كما تتطلب المعركة. هي حرب مهما تم تسميتها ومهما قيل فيها، وهي تقرير مصير لن يتحقق ثانية ان لم يكن الصبر سيده، هي حلم منسوج برد الاعتبار إلى السوري الذي ظلموه وأتعبوه وتآمروا عليه وأهانوه وخربوا ممتلكاته وقتلوا ما شاؤوا منه وجرحوا الأكثر.
لن يخرج احد عن صبره، فها هي واحدة من حكمته، قتال بلا هوادة بين أصحاب المعتقد الواحد، وها هو الصراع فيما بينهم يعطي الأمل بأن مشوارهم على الأرض السورية قد أصبح أقصر ولسوف لن يطول. هي لعنة سوريا لكل من لعب بدم ابنائها، ولمن مول تاريخه الأسود ليضعه بأيدي مجرمين وعصابات. هي لعنة دفع ثمنها عديدون، ولسوف يدفع آخرون ..
الحاجة ماسة في هذا الوقت إلى الصبر، به وحده نرغم الآخرين على الاعتراف بتفوق سوريا عليهم، وبقدرتها على ترجمة غضبها بما لا يوقعها في فوضى الخيارات .. كل سوري اليوم عليم بما عليه مؤامرة أبناء الجلد الواحد، صعب عليه تقبل الأمر، لكنها الحقيقة التي تحتاج لصبر، وحده من يقلب السحر على الساحر، وليس غيره من يحقق الانتصار لحظة استكمال ظروفه الكاملة.
نعرف صعوبة الأمر الذي نتابع تفاصيله اليومية. من يضع يده في النار غير ذاك الذي يضعها في الماء البارد .. ومن يشتم رائحة الموت ويراه على مدار الساعة، غير ذاك يجلس مرتاحا على طاولة وامام مشهد موح .. لا بد من فهم الآلام العظيمة التي تبني الأمم العظيمة، ونحن نعيش توقيتها، ونعرف كما تحتاج من ايام وليال وقدرة فائقة على هضم المرحلة.
يحقق الصبر ما يعجز المرء عن تحقيقه بتسارع. فمن تأنى نال ما تمنى كما يقول المثل. انها مدرسة اهل الخوارق الذين يحجزون أماكنهم لليوم الآخر، ليكونوا فيه وقد نالوا ما أرادوا. انها لعبة عض أصابع، من المبكر قولة الآه والخصم يتأمل الأفواه ليعرف كيف ينتقل إلى مرحلة أخرى وأعنف.

إلى الأعلى