الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / قضايا / السباق إلى الإليزيه .. اليمين واثق من الفوز واليسار يتخبط وشاب وحيد يربك الحسابات
السباق إلى الإليزيه .. اليمين واثق من الفوز واليسار يتخبط وشاب وحيد يربك الحسابات

السباق إلى الإليزيه .. اليمين واثق من الفوز واليسار يتخبط وشاب وحيد يربك الحسابات

ــ فوز ترامب في أميركا أعطى زخماً لزعماء محافظين في فرنسا

طارق سرحان

مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، تكثف استطلاعات الرأي توقعاتها بشأن الفائز المرجح، لكن في ظل تراجع الكثير من الثقة في تلك الاستطلاعات، عقب فوز الرئيس الاميركي المنتخب دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، الذي وجه ضربة قاسمة للاستطلاعات التي توقعت فوز غريمته الديمقراطية هيلاري كلينتون، تظل المنافسة على منصب الرئاسة الفرنسية مفتوحة على كل الاحتمالات.
بعيدا عن استطلاعات الرأي، التي كانت قد وضعت السياسي المحافظ آلان جوبيه (71 عاما) وهو أحد مرشحي يمين الوسط لخوض معركة الرئاسة، في الصدارة بعد تأكيد منه خلال لقائه مع صحيفة ليزيكو الفرنسية، أنه الوحيد القادر على الوقوف بوجه موجة اليمين المتطرف ــ في إشارة الى مارين لوبان (48 عاما) زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية وابنة جان ماري لوبان، مؤسس حزب “الجبهة الوطنية” ورئيسه السابق، والذي قاده طيلة 40 عاماً ليتنازل عن رئاسته لمصلحة ابنته، فقد شهدت الدورة الاولى من الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين، مفاجأة غير متوقعة بفوز فرنسوا فيون (62 عاما) ، رئيس الوزراء السابق، حيث أبرزت نتائج فرز الأصوات حصوله على 44.1 بالمئة من أصل 82% من الاصوات، ما يعني دخوله الدورة الثانية من الانتخابات المزمع عقدها في 27 من هذا الشهر. ويليه رئيس الوزراء الأسبق ألان جوبيه، مع 28.2% من الأصوات.
وخرج الرئيس السابق نيكولا ساركوزي (61 عاما) خاسرا من الدورة الأولى، التي دعمه فيها 21% فقط من الناخبين الفرنسيين. وأقر ساركوزي بهزيمته، معلنا أنه سيصوت لصالح فيون في الدورة الثانية، موضحا أن توجهات الأخير السياسية أقرب إلى مواقفه. وأعلن ساركوزي عن انسحابه من الحياة السياسية، موصيا أنصاره بـ”عدم الانقياد لمتطرفين أبدا”.
وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي ينظم فيها اليمين الفرنسي انتخابات تمهيدية لاختيار مرشحه للرئاسة على خلاف الحزب الاشتراكي الذي خاض هذه التجربة للمرة الأولى عام 2011 واختار فرنسوا أولاند مرشحا لرئاسة عام 2012. حيث يحق للمواطن الفرنسي الوارد اسمه بالقوائم الانتخابية المشاركة في عملية التصويت بشرط توقيعه تعهدا باحترامه لقيم الجمهورية، ودفعه مبلغا رمزيا هو اثنان يورو. ومن هنا يرى العديد من المراقبين ان ناخبي اليسار من الممكن ان يكون لهم دور مهم في اختيار مرشح اليمين.
أما فيماخص اليسار الحاكم، فيبدو أن فرنسا تودّع اليسارية شيئاً فشيئاً، فخلال الـ20 عاماً الماضية ازداد حجم اليمين شعبياً، وأصبح اليسار يغرد خارج السرب حيث يتوقع أن يهزم وفقا لاستطلاعات الرأي. التي تشير الى امتعاض كثير من الفرنسيين من سياسات اليسار الحاكم حاليا، مؤكدة أن ذلك يعني فرصة كبيرة أمام اليمين للعودة إلى السلطة.
وانطلاقا من تراجع شعبيته والانقسامات داخله، فإن اليسار قد يخرج من الدورة الأولى في أبريل 2017. وهذا يعني وفق استطلاعات الرأي أن المواجهة النهائية قد تكون بين مرشح اليمين المنبثق من الانتخابات التمهيدية وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان.
ووسط كل ذلك يأتي مرشح شاب “38 عاما” ليربك حسابات اليمين واليسار، فبإعلان وزير الاقتصاد الفرنسي السابق ايمانويل ماكرون ترشحه للرئاسة مؤخرا، يخشى أن يؤدي إلى زيادة الشرذمة في اليسار ويؤثر على أصوات جوبيه.

ــ اليمين والتحدي أمام الجبهة الوطنية
بهذا المانشيت عنونت صحيفة “لوموند” الفرنسية صدر صفحتها الأولى، التي رأت أن اليمين الوسطي يسعى لتسمية أفضل منازع لمارين لوبان لاقتناعه بفوز مرشحه أيا يكن، ولكن الأمور ليست بهذه السهولة.
ونشرت الصحيفة دراسة تظهر فيها تقلصا مقلقا في قاعدة اليمين التقليدي منذ منتصف عهد نيكولا ساركوزي عام 2010، فيما حصد حزب الجبهة الوطنية أكثر من 3 ملايين صوت إضافي في الانتخابات الفرعية ما بين 2011 و2015.
وحول اليسار، فقد رأت لوموند في افتتاحيتها، أنه لم يستخلص العبر من دروس التاريخ ومن مغبة شرذمة الأصوات، على خلفية اتجاهه لتعدد المرشحين من خارج الحزب الاشتراكي.
المشهد السياسي يجعل من حزب مارين لوبان اليميني المتطرف الرقم الصعب في رئاسيات 2017، مع اقتناع زعيمة الجبهة الوطنية بأن آراءها المعادية للهجرة والاسلام يمكن أن توصلها الى قصر الاليزيه في غضون خمسة أشهر.
لوبان اعتمدت خط التقشف الإعلامي، وهي تستعد لخوض المعركة بعيدا عن الأضواء، وهي ترى في فوز ترامب بالرئاسة الاميركية، بروز عالم جديد تطمح هي بأن تكون أحد أبطاله.

ــ فيون يقلب التوقعات

حقق فرانسوا فيون اختراقا كبيرا في السباق الى الأليزيه، بتصدره في الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين والوسط الفرنسي، وهو يتبنى برنامجا ليبراليا على الصعيد الاقتصادي ومحافظا على المستوى الاجتماعي.
كان فيون رئيس وزراء الرئيس نيكولا ساركوزي على مدى 5 أعوام، وهذا يفسر، ربما، انحياز ساركوزي له بعد خسارته بالانتخابات التمهيدية الأولى، ليعطي صوته لفيون بدلاً من جوبيه. وتقول بعض الأصوات إن فيون كان مستعدا للانحناء أمام ساركوزي الذي كان يطرح نفسه “كرئيس نشيط وفاعل”.
وفيون عدا عن أناقته المعروفة وهدوئه، فهو يتمتع بحس فكاهي، ويقال إنه يشبه البريطانيين في أناقته وطبعه، وهاوٍ للتسلق وكرة القدم وسباق السيارات، ومتزوج من بريطانية ولديه 5 أولاد.
وتسلم مناصب حكومية عديدة كان آخرها رئاسته للحكومة، وأولها كانت بوزارة التعليم العالي لسنتين، ووزارة الاتصالات والبريد سنتين أيضاً، ومن ثم وزارة الشؤون الاجتماعية والشغل والتضامن سنتين، وأخيراً وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي لعام واحد.
وبرغم من يمينيته ، فقد اقترح فيون، إلغاء 500,000 وظيفة عمومية ليوفر على الخزينة مئة مليار يورو خلال خمس سنوات، كما اقترح لهذا الهدف رفع ساعات العمل الأسبوعية إلى 39 بعد أن حددها إصلاح أقرّه الاشتراكيون قبل سنوات بـ35 ساعة فقط. كما أنه يريد رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً بعد أن رفعه ساركوزي إلى 62 عاماً عن السن الذي حدده ميتران بـ60 عاماً، ورغم كل تلك الاقتراحات والطروحات فإن الناخبين اليمينيين صوتوا له.
وحول سياسته الخارجية فإنه يختلف تماماً عن توجه جوبيه، فالأول يريد تعاوناً استراتيجياً مع روسيا على طريقة ترمب بينما يُذّكِرُه جوبيه بأن حزبهما هو حزب ديغول السيادي الرافض لأي انحياز.
وبينما يرى جوبيه أن إيران تلعب دوراً خطيراً في الشرق الأوسط وأن بشار الأسد يجب أن يرحل عن السلطة يقول فيون إن الطريقة الوحيدة لدحر داعش هي التحالف مع مَن يقاتلها على الأرض وتحديداً الأكراد والجيش العراقي وحزب الله اللبناني والجيش السوري. كما أنه قد أعلن عدة مرات أنه سيعيد فتح سفارة فرنسا في دمشق وسيعاود التعامل مع بشار الأسد. ويقول فيون “إذا انتصر داعش، سيكون أمام مسيحيي الشرق الموتُ أو حقيبة السفر”.
وفيون صديق شخصي لبوتين، وتربطه به علاقة ود وثقة وصداقة حتى أنه يلعب البليار معه ويمضي إجازات معه في منزله الريفي في سوتشي. ولطالما تحدثت وسائل الإعلام الفرنسية عن علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويعود تاريخ بناء هذه العلاقة بين الطرفين إلى الحقبة التي ترأس فيها فيون الحكومة الفرنسية بين 2007 و2012.

ــ المرشح الشاب وشعار التجديد

وزير الاقتصاد الفرنسي السابق إيمانويل ماكرون بدوره، أعاد خلط الأوراق، عقب ترشحه للانتخابات الرئاسية متقدما تحت شعار التجديد بعد وصول النظام السياسي إلى “طريق مسدود” وفق تعبيره. ودعا ماكرون إلى “الخروج من الوضع السياسي الراهن” ومن “وصفات القرن الماضي” في مواجهة تحديات عالم متغير.
كان ماكرون مقربا من الرئيس الاشتراكي فرانسوا أولاند الذي يعاني من تدني شعبيته إلى أدني مستوى قبل أن يستقيل من الحكومة في أغسطس بعد أن شكل حركة يقول إنها لا تنتمي لا إلى اليمين ولا إلى اليسار. وقال في خطاب القاه في بوبينيي الضاحية الشعبية في شمال شرق باريس ودعا فيه إلى “ثورة ديموقراطية عميقة”، “رأيت من الداخل فراع نظامنا السياسي، أنا ارفض هذا النظام”. ويضيف مستهدفا اليمين كما اليسار، إنها “الوجوه نفسها والرجال نفسهم والأفكار نفسها”.
وترك ماكرون بصمته بتخفيف القيود عن قطاع الخدمات، بما فيه النقل، خلال توليه الوزارة في حكومة أولاند. ولم يشغل أي منصب منتخب.
بدأ ماكرون يعد لترشحه في مارس عندما أسس حركة “إلى الأمام” معلنا انه يؤمن بحرية أن يقول المرء “ما يفكر فيه مهما كان الثمن” ثم استقال من الحكومة وظل متكتما حول نواياه. حتى سنتين خلتا، كان ماكرون شخصية غير معروفة من الجمهور لكنه وخلال فترة قصيرة قياسية بات يحظى بشعبية كبيرة وبمستوى تنظيمي عال إذ بات لديه 100 ألف منتسب نظاميين بالإضافة إلى أكثر من 1700 لجنة محلية وهبات تزيد على 2,7 مليون يورو. ويؤكد المقربون منه انه يضمن تأييد حوالي خمسين نائبا.
ويجتذب خطابه شباب المدن وأوساط الأعمال وبشكل أوسع ينجذب الفرنسيون إلى الوجوه الجديدة على رقعة سياسية متقادمة. وحتى قبل أن يعرض برنامجه السياسي بات يحظى ب 49% من الآراء الإيجابية وفق استطلاع نشر حديثا. وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، يقول الاقتصادي الذي بدأ حياته المهنية في بنك روتشيلد انه يريد تبسيط “التشريعات المتصلبة”. وفيما يتعلق بالمسائل الاجتماعية، يتبنى مواقف ليبرالية. فقد عارض على سبيل المثال مشروع سحب الجنسية ممن يحملون جنسيتين ودينوا بالإرهاب الذي اقترحه أولاند.
ويخشى أن يؤدي ترشحه إلى زيادة الشرذمة في اليسار الذي يتوقع أن يهزم وفق استطلاعات الرأي منذ الدورة الأولى للانتخابات في 27 أبريل أمام اليمين المتطرف بعد فوز دونالد ترامب في الولايات المتحدة وأمام معسكر اليمين المصمم على العودة إلى الإليزيه.
وعلق رئيس الوزراء مانويل فالس بقوله “الحكم يتطلب خبرة والتخلي عن المغامرات الفردية”. وحذر هولاند من أن “رهان (انتخابات 2017) هو رص الصفوف واللحمة” وان اليسار لا يمكنه خوض الانتخابات الرئاسية “إذا لم يكن موحدا”. ويتعين على أولاند أن يعلن خلال شهر أن كان يريد الترشح لولاية ثانية رغم شعبيته المتدهورة.
وقال وزير الدولة للتجارة الخارجية ماتياس فكل أن ماكرون “مرشح أولئك الذين يريدون تفتيت اليسار”. واعتبر السكرتير الأولى للحزب الاشتراكي جان كريستوف كامباديلي “انه امر مثير للغضب”.
وفي اليمين، يقول البعض إن “الفرنسيين لن يضعوا مصيرهم في يد شخص ليست لديه خبرة” في حين يقول آخرون انه ينبغي عدم التعامل باستخفاف إزاء مرشح يقدم نفسه بوصفه “حصانا ابيض” في حين انه أيد تماما السياسة الاقتصادية المعتمدة منذ 2012. أما اليمين المتطرف فيعتبر أن ترشيحه ليس سوى إضافة للعرض الليبرالي “المزدحم أساسا”. وقالت مارين لوبان “لا اعتقد أن مرشح البنوك يمكن أن يمثل التجديد”.

ــ تأثير ترامب وفرص لوبان

أعطى انتخاب الجمهوري دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة زخماً لزعماء محافظين في فرنسا التي يمكن أن تكون الميدان التالي للشعبويين، مع رؤية زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان، إنها إذا انتخبت رئيسة لفرنسا، في العام المقبل، فإن ذلك سيشكل ثلاثيا من الزعماء العالميين مع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتن “سيكون مفيدا للسلام العالمي”.
وأضافت لوبان للصحفيين: “توجد حركة عالمية. حركة عالمية ترفض العولمة غير الخاضعة للمراقبة. الليبرالية المفرطة الهدامة، القضاء على الدول القومية، واختفاء الحدود”. وعندما سئلت هل ستشكل ثلاثيا من الزعماء مع بوتن الذي واجه انتقادات شديدة من زعماء أوروبيين على تأييده الرئيس السوري بشار الأسد، وترامب الذي استغل مثلها المشاعر المناهضة للمهاجرين لزيادة شعبيته فقالت للصحفيين: “ذلك سيكون مفيدا للسلام العالمي”. ولوبان، المناهضة للاتحاد الأوروبي والهجرة، هي الوحيدة بين الزعماء السياسيين الفرنسيين التي ساندت ترامب في الانتخابات.
ولدى لوبان نقاط كثيرة تتشاركها مع ترامب، لا سيما في التفلّت من “إيتيكيت” الحديث السياسي، ومقاربة المواضيع الحسّاسة بكل فجاجة وعنصريّة، أبرزها تلك المتعلقة باللاجئين والمهاجرين. ومع فرح لوبان بنتيجة الانتخابات الأميركيّة، ومسارعتها للتهنئة و”أخذ المعنويات”، بدأت التساؤلات بشأن مفاعيل وصول اليمين المتطرّف إلى رأس الجمهورية الفرنسية، التي تباهت طويلاً بمبادئ “الحرية والأخوة والمساواة”.
ولم يستبعد رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس فوز لوبان، بالانتخابات الرئاسية القادمة في فرنسا. وقال فالس، ردا على سؤال عن احتمال فوز لوبان على خلفية انتخاب دونالد ترامب رئيسا أميركيا: “إنه أمر ممكن”، مضيفا: “كل استطلاعات الرأي تشير إلى أن المرشحة مارين لوبان ستشارك في الجولة الثانية (من انتخابات الرئاسة للعام 2017)، وذلك يعني أن الحياة السياسية الفرسية ستتغير بالكامل”.
وفي تصريح، أدلى به في منتدى اقتصادي في العاصمة الألمانية برلين، حذر فالس من الخطر الذي يمثله، بحسب رأيه، أقصى اليمين بالنسبة إلى بلاده. وذكر رئيس الوزراء أنه بعيد عن خلط الأمور “فترامب كان مشرحا عن حزب كبير هو الحزب الجمهوري الذي كان إلى جانبه أغلبية الكونجرس وولايات كثيرة في الولايات المتحدة. لكن لا شك في أن خطابه ومقترحاته تثير القلق”. وسبق لحزب “الجبهة الوطنية” أن شارك في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في العام 2002، عندما فاجأ جان ماري لوبان، مؤسس الحزب وأب المرشحة الحالية عنه، بالتغلب على رئيس الوزراء الاشتراكي، ليونيل جوسبان، قبل أن يخسر المنافسة مع اليميني جاك شيراك.
بدورها توقعت دار وليام هيل البريطانية للنشر، إن من المحتمل بنسبة 40 في المئة أن تصبح لوبان رئيسة فرنسا القادمة. أما جوبيه ففرص الفوز والخسارة بالنسبة له متساوية.

إلى الأعلى