الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التحولات في المفاهيم السياسية .. انتخابات الغرف ،،أنموذجا،،

التحولات في المفاهيم السياسية .. انتخابات الغرف ،،أنموذجا،،

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

من يقود من؟ التطور السياسي أم المجتمع؟ بمعنى هل ينبغي أن يحمل التطور السياسي معه المجتمع،، ممارسة وثقافة،، أم المجتمع الذي يقع عليه الضغط لخلق التطور السياسي؟ نجد في هذا التساؤل جدلية ذات أبعاد فلسفية وسياسية، كانت تؤطر مرحلتنا الوطنية منذ عام 1970 وحتى عام 2011، حيث كانت هناك رؤى سياسية تحمل المجتمع مسئولية التخلف أو ضعف مسار الإصلاح السياسي، وإغراقه في سلالم التدرج الطويلة، بحجة أميته في مرحلة زمنية معينة، ومن ثم محدودية وعيه السياسي وعدم أهليته للمشاركة السياسية حتى وقت قريب.
وقد اكتشفنا أن أغلب تلك الحجج لم تكن سوى بمثابة أسلحة هجومية متقدمة ضد أي تطور سياسي جديد في البلاد، يكون من شأنه إحداث تغيير جوهري في مراكز ومواقع الفاعلين المسيطرين والمتحكمين على المواقع القيادية في المجتمع والمراكز السياسية والاقتصادية المؤثرة في البلاد ـ المركزية والإقليمية على السواء ـ وهم بذلك على استعداد للوقوف ضد أي تطور جديد قد يفرز لاعبين جددا ينافسونهم على الساحة الوطنية مما قد يؤثرون على مراكزهم السياسية وأوضاعهم الاقتصادية المكتسبة، غير أن انكشاف واقعنا عام 2011 أمام قيادتنا السياسية العليا قد دحض تلك الحجج ليس بصورة كاملة وإنما هي في الطريق إلى أن تكون من الماضي، ونعتقد أن المسألة مجرد وقت، لأن مصلحة الدولة تحتم ذلك، فكيف لا تحتمها، وقد فشل بعض المتحكمين في مفاصل السياسة والاقتصاد من خلق تنمية متوازنة بين بعديها الاجتماعي والاقتصادي، فكان هذا الأخير على حساب الأول بصورة سافرة، ولا تزال بلادنا منذ ذلك العام تعالج اختلالاته وقد تستمر لفترة زمنية طويلة نسبيًّا، لأن الاختلالات عميقة، وبالتالي فهل تستمر بلادنا في نفس المسار السياسي الذي ولد لها تلك الاختلالات؟ لم يعد هذا التساؤل مطروحا من الناحية الواقعية وإنما من المنظور السياقي الذي يفرضه الطرح هنا، للاستدلال به كافتراض حتمية التحول، وهو أصلا قد حدث فعلا من الناحية السياسية بصورة تلقائية، ونحن هنا قد لا نقدم شيئا جديدا، وإنما الجديد نطرحه من منظورين رئيسيين هما، الأول، تغيير المفهوم السياسي لقيادة التنمية السياسية في بلادنا، فبدل ما كانت الرؤية الرسمية للتطور السياسي والتنموي هي السائدة، فقد أصبحت تتناغم الرؤيتين السياسية والاجتماعية في آن واحد، إن لم تكن الأخيرة دافعة للأولى، فإن الأولى تستقل بعملية القيادة بدوافع إيحائية أو من وحي انكشاف الواقع وخطورته وكذلك من استشراف المستقبل حتى تسير البلاد بجناحين متوازنين ولهما نفس القوة وهما، الاقتصاد والمجتمع، حيث تواصل القيادة السياسية عملية الإصلاح السياسي كمشروع استراتيجي بعيد النظر ليس كردة فعل على الأسباب التي أدت إلى انكشاف الواقع، لأن بلادنا قد انتقلت من ردة الفعل إلى الفعل السياسي، والثانية، أن نتائج هذا التغيير سيكون المسئول عنها بالدرجة الأولى المجتمع وليس الحكومة، وهذه النقلة الديموقراطية النوعية والكمية معا التي تثير الإعجاب في حركية الفعل السياسي الجديد، والتي تعبر عن النهج الجديد لقيادتنا السياسية، مثلنا على ذلك، النظام الجديد لانتخابات غرفة وتجارة صناعة عمان وفروعها في المحافظات، فقد حدث في هذه الانتخابات تطورات ديمقراطية في غاية الأهمية، تعكس لنا طبيعة توجهات الدولة الدائمة، وهي توجهات تراهن على النخب المعنوية العامة التي تخرج من صناديق الانتخابات مهما كانت قدراتها ومؤهلاتها إذا كانت أغلبية المواطنين أو أصحاب الأعمال والشركات تريد ذلك، صحيح أن المرحلة الوطنية سوف تدفع قليلا من الثمن لتأخر نضوج الناخبين في عملية اختيار الأفضل، لكنه يظل مسارا سياسيًّا لا بد منه، وسريع النتائج، بمعنى أنه هو الذي سينقل المجتمع إلى تغليب المصلحة العامة دون سواها، وهناك علائم ومؤشرات تدلل على ذلك، مثالنا للاستدلال هنا، اكتشاف مجتمع الأعمال والشركات أخيرا سببا مهما من مجموعة أسباب ضعف فروع الغرفة، فقد كان الاعتقاد سائدا بأن هذا السبب يرجع إلى رئاسة الغرفة، وإذا بهذه الرئاسة ترمي بالكرة في ملاعب التجار وذلك عندما قالت لهم بكل صراحة وجها لوجه إن كل ما انتخبتموهم “السابقين” لم يكونوا في مستوى المسئولية، فقد كانوا يدافعون عن مصالح شخصية، وهذا النوع من الممارسات بمثل تلك المكاشفات هى التي نراهن عليها في رفع الوعي الانتخابي ونضوج المسار الديمقراطي، وليس انتظار المسارات الجديدة حتى يرتفع الوعي الاجتماعي لممارسة استحقاقات سياسية جديدة، فلن يرتفع أو قد يرتفع ببطء شديد، وهذا ما ينبغي تعميمه على الثلاث مشاهد الانتخابية وهي مجلس الشورى والمجالس البلدية وغرف تجارة صناعة عمان، فالانتقال إلى الديموقراطية التي تعطي المواطنين حق المشاركة والرقابة والمساءلة والتشريع قد أصبحت ضرورات وطنية حتمية، لكن ينبغي أن يصاحبها إطار تشريعي محكم يرفع الوعي المجتمعي ويعمل على خروج الأكفأ من صناديق الانتخابات، فمثلا، فبعد ما كان يتم انتخاب رئيس ورؤساء فروع الغرف بالانتخاب ومن ثم إعطاؤه حق تعيين بقية أعضاء الفرع، سوف نشهد قريبا مسارا ديموقراطيًّا جديدا، يتجلى في انتخاب (11) عضوا لكل فرع من قبل الشركات والمؤسسات التجارية في كل محافظة، ومنهم سوف يتم انتخاب الرئيس في عملية اقتراع سرية لاختيار الرئيس، ومن رؤساء فروع الغرف في كل المحافظات ومن غرفة،، الأم،، سيتم اختيار رئيس غرفة تجارة وصناعة عمان (أم الغرف) بعد ما كان هذا الرئيس يعين بمرسوم سلطاني، لكن هناك بعض السلبيات في تنظيم هذا المسار الديموقراطي المهم، فمثلا، لا يراعي القانون التنظيمي بين شركات ومؤسسات تجارية فعلية، كبيرة أو صغيرة، وبين شركات مستترة، قد أصبح أصحاب،، الكميشنات،، الصغيرة والكبيرة يتطلعون لرئاسة الغرف وربما أكبر منها، وكذلك في التشديد الزمني لاستخراج البطاقة الانتخابية، فلماذا لا يستمر حق الاستخراج حتى قبل يومين من عملية الانتخابات إذا كانت السجلات التجارية صالحة قانونا؟ فالسجلات التجارية هي التي ينبغي أن تخضع للضوابط الزمنية المتشددة، وليس وضع حواجز على الإقبال الانتخابي، بل إننا لا نرى أنه ليس من الفعالية الآنية على الأقل استخراج البطاقات، فكل من له سجل تجاري ساري المفعول ينبغي إعطاؤه رقما انتخابيا، وكل ذلك من أجل التسهيلات وضمان أكبر قدر ممكن من المشاركين الفاعلين والحقيقيين والممثلين للإرادة الانتخابية الأصلية.
وكلنا نترقب القانون الجديد للغرفة وفروعها رغم أن علائمه ومؤشراته البعيدة المدى واضحة، فهل نتأمل منه نقلة كبرى تكون في مستوى نقلة المجالس البلدية؟ كأن تتحول الفروع إلى غرف مستقلة للتجارة والصناعة والثروة السمكية – نقترح إضافة المسمى الأخير على المسمى العام – وتنضوي جميعها أي الغرف تحت مظلة الاتحاد العام للغرف العمانية (هذا مقترح) فمثل هذا التطور سوف ينسجم مع فلسفة وغايات المجالس البلدية، على اعتبار أن كل غرفة من الغرف سوف تعنى باستقلالية مواردها المالية وتحديد أولوياتها الإقليمية والوطنية من منطلقين رئيسيين هما، مصالحها الاقتصادية من جهة وعلاقتها الترابية الإقليمية من جهة أخرى، وبذلك سوف تنشط الغرف في مجال كسب مجتمعاتها المحلية عامة ومجتمعها الاقتصادي خاصة بدلا من إرسال مواردها المالية للغرفة (الأم) ويعاد لها بأقل القليل من نصف أموالها، فهل ننتظر مثل هذه النقلات عاجلا؟ المرحلة الوطنية الراهنة تحتم ذلك، لأن في مرحلة انتقالية ينبغي أن تؤسس على أفكار جديدة من رؤى سياسية ذكية .. للموضوع بقية.

إلى الأعلى