الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشكاؤون والبكاؤون

الشكاؤون والبكاؤون

أ.د. محمد الدعمي

يقصد بـ”ثقافة الشكوى” حال التوتر والترقب التي يعيشها الإنسان أو الحاكم العربي، على حد سواء، على سبيل اصطياد كل ما من شأنه تبرير الشكوى لإطلاقها ولإدانة جهة أخرى، إن كانت هناك ثمة جهة أخرى. لقد شاعت هذه الثقافة وتعمقت عبر عالمنا العربي حتى غدت عادة تفكير، ومن ثم حالا مرضية تستحق الرصد والتأمل والبحث عن علاجات لها.
ربما يذكر الكثيرون من الذين يجايلونني أن في كل حي من أحياء المدن العربية، كان غالبًا ما يوجد عدد من “ثقال الدم” الذين كرسوا حياتهم لاصطياد الأخطاء لدى جيرانهم، كبارًا أو صغارًا، على سبيل التشكي والتبرم الذي قد يتفاقم درجة ذهاب هؤلاء المرضى بداء الشكوى إلى مراكز الشرطة لتسجيل شكواهم ضد جارهم، حتى وإن كانت الشكوى لأسباب بسيطة يمكن التغاضي عنها، مثل صوت الموسيقى العالي أو تجمع شباب الحي مقابل دار تسكنه حسان الفتيات، أو رمي القمامة بالقرب من دار الجار، إلى آخر هذه القائمة التقليدية التي غالبًا ما كانت بذرة من بذور الضغائن والعداوات لأنها تكبر مع “أبناء الحارة” وهم يتوجهون إلى الدراسة الجامعية، فتبقى رواسبها في دخيلة الشبان، للأسف.
بيد أن الأخطر في شيوع ثقافة الشكوى والتشكي وتكاثر الشكائين يتجسد في زحفها وزحفهم من الأحياء الشعبية البسيطة إلى أعلى مستويات الدولة حتى تبتلي بها المنظمات الإقليمية والدولية. وللمرء مراجعة سجلات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية، من بين سواها من الهيئات الدولية ليكتشف حقيقة مضحكة مفادها أن هذه المنظمات العتيدة قد هدرت معظم أنشطتها وأعصاب أعضائها على رصد الشكاوى والحكومات الشكاءة التي تتقدم بها، وهي كثيرة.
إن ما أحاول أن أوصله للقارئ العربي الذي يهمني فهمه لرسالتي، هو أن الشكوى تستحيل مرضًا عندما نوظفها أداة لتبرير الخطأ أو لتمرير الفشل لأنها تغدو خطرًا يحدق بنا. عندما كنا صغارًا، تعود الطلبة الذين لا يتوفقون بالنجاح بتبرير الأمر لأولياء أمورهم بالقول بأن “المعلم لديه عداوة معي!” أو أن يبرر طالب الجامعة رسوبه بالادعاء بوجود مشاكل عائلية، لا عاطفية! للمرء أن يذكر من هؤلاء أعدادًا لا بأس بها من المبتعثين العراقيين للدراسات العليا إلى أوروبا أو أميركا الشمالية، من الذين عادوا لأرض الوطن بخفي حنين بعد أن أنفقت الدولة عليهم عشرات الآلاف من الدولارات. وكانت مبررات الفشل دائمًا جاهزة ومسلفنة، إذ إن صاحبنا يبرر فشله بالادعاء بأن الأستاذ البريطاني الذي كان يختبره “صهيوني”، أو أنه “يكره العرب” أو “مضاد للإسلام”. وهكذا مر العشرات من الفاشلين عبر دوائر البعثات بواسطة هذه الحجج السخيفة، بل إن الأنكى هو أنهم كانوا دائمًا ما يطالبون بـ”حقوقهم” في نقل دراستهم من الجامعات الأوروبية، على سبيل المثال، إلى الجامعات المحلية، ليقلبوا الفشل إلى نجاح.
لقد كان الشكاؤون دائمًا جزءًا مدمرًا من تاريخ العراق والعالم العربي الحديث، حيث يسهل تبرير الإخفاق الحكومي بدفع أعبائه على الحكومة أو الحكومات السابقة. وهكذا شاع تعبير “لقد ورثنا تركة ثقيلة” جزءًا من ثقافة الشكوى وملهاة الشكائين والبكائين، للأسف. ربما كانت هذه الثقافة وراء شيوع الأغنية العربية التي تتغنج مطربتها وهي تقول: “ضربني وبكى وسبقني واشتكى”.

إلى الأعلى