الثلاثاء 13 أبريل 2021 م - ٣٠ شعبان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : تهديد تركي بين صلافة التفكير وحماقة التدبير

شراع : تهديد تركي بين صلافة التفكير وحماقة التدبير

خميس التوبي

في ظل تباين التصريحات والمواقف لدى الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب والصعود اليميني اللافت في أوروبا (فرنسا مثالًا)، يبدو أن التركي يقرأ المشهد السوري على أن الأزمة السورية في أمتارها الأخيرة وفي نزعها الأخير، حيث يسارع (التركي) إلى توسيع نطاق انتهاكاته للسيادة السورية، وسعيه الحثيث إلى احتلال مزيد من الأراضي السورية، في محاولة منه فرض أمر واقع من ناحية، وتحقيق أحلامه العثمانية بإعادة إنتاج الحالة الاستعمارية للدولة العثمانية في كل من سوريا والعراق من ناحية ثانية.
وإزاء هذا القدر المتيقن، يبدو أن التركي لم يقتنع بما أُتيح له من ظروف وتسهيلات من قبل حلفاء سوريا في شمالها لإزالة مخاوفه وكسبه الثقة، تسمح له بمنع قيام إقليم كردي مستقل على حدود بلاده، بل اتجه إلى الإفصاح عن أطماعه الاستعمارية الحقيقية بصورة متوالية ومستفزة، لتظهر ـ والحال هذا ـ أن محاربة تنظيم “داعش” والأكراد ما هي إلا شماعة وحجة يعمل من خلالها التركي على تحقيق هذه الأطماع في سوريا، في حين كان من الواجب أن يكون عند قدر هذا التعاون والتسهيلات وأهلًا لذلك، بدلًا من أن يتمادى في عض اليد الممدودة.
وتأتي مدينة الباب الاستراتيجية لتعكس بصورة جلية المطامع التركية في سوريا، ولتتجاوز الذريعتين السابقتي الذكر “محاربة داعش، والأكراد لمنعهم من إقامة إقليم مستقل”، ذلك أن الهدف الأساس ـ وهو منع قيام إقليم كردي مستقل على حدود تركيا ـ قد تمكَّن التركي من تحقيقه؛ وبالتالي ما يفعله هو تجاوز واضح للخطوط الحمراء السورية، وخرق فاضح للقانون الدولي بانتهاك سيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة وجارة في الوقت ذاته. لذلك قيام التركي بإنتاج تنظيمات إرهابية ودعمها وتسويقها على أنها ما يسمى “معارضة” أو ما يسمى “جيش حر” لتحرير مدينة الباب أو أي مدينة أو قرية سورية، فضلًا عن إعطاء نفسه المبرر والإذن الشرعي لطيران سلاح الجو التركي بقصف أراضٍ سورية، هو انتهاك غير مقبول للسيادة السورية، وتطور خطير قد يأخذ الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، ويعكس الصلافة في التفكير والحماقة في التدبير.
والتهديد الذي أطلقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرد على ما أعلنته رئاسة أركان الجيش التركي أن غارة جوية سورية أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود من الجيش التركي، وإصابة 10 آخرين، قرب مدينة الباب في ريف حلب، بقدر ما يعكس الاستخفاف والتمادي في انتهاك السيادة السورية والعبث بالدم السوري، بقدر ما يؤكد النزعة التوسعية والمطامع الاستعمارية في سوريا؛ لأنه في عرف القانون الدولي أن أي جندي أجنبي يدخل أراضي دولة ما بدون علم أو موافقة حكومتها هو انتهاك لسيادتها، ويعامل معاملة المحتل الواجب محاربته، وبالتالي ـ إن صدقت الرواية التركية بأن الطيران السوري هو من شن غارة على مواقع الجيش التركي داخل الأراضي السورية ـ فإنه بموجب القانون الدولي من حق الدولة السورية أن تتعامل مع التدخل التركي على أنه احتلال ينتهك سيادتها ويجب مقاومته، فهؤلاء الجنود يعدون قوة احتلال، خاصة وأن الحكومة السورية الشرعية قد طالبت مرارًا وتكرارًا الجانب التركي باحترام السيادة السورية وعدم انتهاكها وعدم تجاوز الخطوط الحمر، وهو ما لا يزال يلقى رفضًا تركيًّا واضحًا.
من الواضح أن التركي يحاول أن يلوي عنق التعاون الروسي معه في سوريا مُفسِّرًا له على أنه ضعف بما يسمح له توسيع خرائط انتهاكاته واحتلاله لمزيد من الأراضي السورية من جهة، وأنه بات اللاعب الإقليمي الأبرز، وأنه يملك عددًا أكثر من مفاتيح حل الأزمة السورية من جهة أخرى. وهو ما استوجب ردًّا روسيًّا مباشرًا من قبل الرئيس فلاديمير بوتين خلال الاتصال الذي جرى بينه وبين نظيره التركي وتذكير الأخير بأن العبث بالجغرافيا السورية ممنوع روسيًّا وليس سوريًّا فقط؛ فمدينة الباب أرض سورية ولا يحق لأي احد دخولها غير الجيش العربي السوري.
إن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة في عهد ترامب ستغير سياستها كليًّا تجاه سوريا، هو اعتقاد مبني على خطأ ووهم، وذلك على الأقل بأن واشنطن لن تسلم جميع المفاتيح لروسيا الاتحادية، فدور كيان الاحتلال الإسرائيلي واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لا يزال هو المحرك للسياسة الأميركية، حيث وضْع الكيان الإسرائيلي الغاصب لا بد أن يكون حاضرًا بصورة رئيسية في السياسة الأميركية. لكن مع ذلك ما يجب أن يفهمه أعداء سوريا هو أن الجيش العربي السوري قبل غيره، سوف يكون في المناطق التي تحشد فيها الولايات المتحدة حلفاءها، وهو الطرف الشرعي الوحيد الذي له حرية التحرك والوصول إلى حيث يريد والبقاء في التراب السوري، وهو الطرف القوة الوحيدة التي تحارب الإرهاب على الأرض.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى