السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / صرخة تحت الركام ، لـ “صالح العلوي”

صرخة تحت الركام ، لـ “صالح العلوي”

” الصورة تتراكم فوق الصورة ، والشعور فوق الشعور ، وهناك نوع متزايد دوماً لتعديل مواضع الأشياء ، هذا مكان ذاك ، وترتيبها ، لا كما هي عليه في الواقع ولكن بالشكل الذي يُحب المرء أن تكون عليه ” بهذا التقديم سنقترب اليوم من تجربة واحد من الفنانين التشكيليين الشباب المثابرين والمجتهدين فنياً ، فنان يُحب أن يعزف على وتر الرمز ويستنبطه من خلاله تداعيات أفكاره ليملأ معه أحاسيسنا بالمتعة البصرية وبخيال ذي طاقة خفية تسمو فوق الواقع ، فالعناصر الشكلية التي يُغذي بها صالح العلوي أعماله تجدها خاضعة تماماً للمضمون ، أما المضمون لديه غير خاضع لأي شيء فهو خيال منطلق حر . فأبحرت بمشاعري في عمله الذي اخترته ليمثل جانباً من تجربته الفنية المليئة بالأعمال المتنوعة الأساليب والرؤى وبمنهجية مجازية استعرتها من الطريقة العجيبة التي يعمل بها خياله ، للوصول إلى الدرجة المقابلة من تحقيق المتعة الفنية التي يبثها لنا هذا العمل بحيوية مستلهمة من أنفاسه ، وطلع كيانه الروحي.
هذا العمل وكما يبدو لي أن له مدلولا اجتماعيا عميقا كون وجود هذا الكم من المباني المتراكبة على بعضها والتي تم تصفيتها بالهدم في كومة ركام واحدة قد تعطينا الكثير من المعاني والإرهاصات الفكرية المتنوعة والدلالات الإيحائية لأمر ما كان يعشقه الفنان ثم ما لبث أن تحول إلى دمار ، وقد تكون أيضاً استغاثة أمم وشعوب لا حول لها ولا قوة تم تصفيتها بوحشية وباتت آثارها تئن مندهشة من سوء المآل عبر منحها عيوناً وأفواه وكأنها تود أن تبوح بما في داخلها من آلام وآمال ، إلا أن هناك أيديٍ خفيةٍ قد كبلتها بوحشية وزادت من بؤسها وطغت في كبتها ، وقد تكامل اللون في اللوحة مع حالة الحزن التي تنبث من بين ثنايا العمل وبأسلوب راق وبسيط ، فالخطوط والمساحات والأحجام والكتل واللون السيادي جائت جميعها في صيغة متوافقة مع الفكرة وقدمت الإحساس بطريقة مُعبرة تدخلك في العمل بكل سلاسة وتخرجك منه وقد امتلأت جوانحك بالأثر الذي حفره هذا العمل في مشاعرك ، إلا أن سماء المساحة العلوية الناصعة قد تكون هي الأمل والملاذ لهذه الحالة من الإستبداد ، فإذا وقف الظلم بموقفه الشنيع هذا فإن السماء بها رب عادل لا يرضى ظلماً لأحد ، وسيأتيه النصر ولو بعد حين ..
وهكذا الفن كما نراه ونستشعره يخاطب ذواتنا فيرسل عبر الرموز التي يشكلها الفنان في أعماله كُتلا من المعاني وبستانا من الأحاسيس ، جاءت من كيانه البشري المتكون من عمق ذي أبعاد تطفو منه الصور ، كبئر تخرج منه خروج الجنّيّات من ألف ليلة وليلة هذه الصور تكون مخزونة في داخلنا فلا نشعر بها ، ثم ما تلبث أن تظهر في الحالة التي تهب علينا فيها نسائم خاصة كالذكريات كالذهول كالأحلام أو في حالة بين الشرود والسكون الذي نطلق عليه اليقظة الحالمة ، فيبدأ الفنان في التعاطي معها عبر وسائطه الفنية ويصوغها برؤيته ضمن إطار ذاته بطواعية متقوقعة أو مستلينة لشتى النوازع الداخلية والنسمات الخارجية ليبذر في رحم عالمه الخاص هواجسه وإشراقاته وتصوراته وأحلامه فيهبنا بعد نضجها أجمل الخيالات وأسمى الإبداعات .

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى