الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في ملتقى “المبرد الأزدي” بجامعة آل البيت الأردنية

قراءة في ملتقى “المبرد الأزدي” بجامعة آل البيت الأردنية

“أصول تراثية في نظرية الحقول الدلالية عند أبي العباس المبرد”
الحسيني: نظرية العلاقات والمجالات اللغوية نظرية خاصة بمفردات اللغة المعينة خارج إطار السياق الذي ترد فيه

ـ عندما نؤرخ لنظرية الحقول الدلالية العربية فإننا نجد أن اللغويين العرب القدماء تفطنوا تطبيقا وممارسة في وقت مبكر
ـ “المبرد” سلك مسلك معاصريه ومن قبلهم في وضع الكتب والرسائل التي تتناول جمع الألفاظ الخاصة بحقل معين
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
تأكيداً على الحوار والانفتاح على ثقافات الأمم والشعوب العربية والإسلامية وعلى توطيد وتعميق العلاقات بين السلطنة والأردن، ومن اجل توفير الإطار العلمي للتقارب بين اتباع المذاهب الإسلامية وتعزيز نهج الحوار مع أهل العلم والمعرفة في شتى المجالات.
تقوم وحدة الدراسات العُمانيّة في جامعة آل البيت الاردنية على استذكار المبدِعين ذوي الأصول العُمانيّة في شتى ميادين الحضارة العربيّة الإسلاميّة قديما وحديثا، حيث تنظم الوحدة بالتعاون مع سفارة السلطنة في الاردن ملتقى علميا سنويا منذ انطلاقته في ابريل عام 2001م.
وقد تم في الملتقى العلمي الدولي العاشر لهذا العام ـ الذي تم تنظيمه خلال الفترة من 15 الى 16 ابريل الماضي وبمشاركة أكثر من 80 عالما وباحثا من مختلف أنحاء العالم ـ اختيار شخصيّة علميّة في الدراسات اللغويّة والأدبيّة والنقديّة والبلاغيّة والتأريخيّة في القرن الثالث الهجريّ / التاسع الميلادي، وهي شخصيّة إمام نحاة البصرة في عصره (أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي العُمانيّ ـ البصريّ النشأة والإبداع)..
وضمن البحوث والأوراق التي قدمت في هذا الملتقى .. بحث حول أصول تراثية في نظرية الحقول الدلالية عند أبي العباس المبرد للباحث الدكتور راشد بن حمد بن هاشل الحسيني ـ الأستاذ المشارك في كلية العلوم التطبيقية بنزوى .. وهنا في ملحق (أشرعة) نستعرض موجزا عن هذا البحث ..
حيث تناول الدكتور الحسيني في بداية بحثه تعريفا شاملا عن المبرد من حيث اسمه .. ومولده .. ولقبه .. وصفاته الخلقية .. وشيوخه .. واخيرا وفاته ..
فقال: هو إمام النحو، أبو العباس، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير من بني ثمالة وهي بطن من الأزد ، أزد شنوءة من القحطانية .
ومن حيث مولده فانه ولد بالبصرة نحو سنة عشر ومائتين للهجرة ، الموافق لسنة ست وعشرين وثمانمائة ميلادية وبعضهم ذكر بأن يوم ميلاده هو يوم الاثنين غداة عيد الأضحى في ذلك العام.
اما لقبه فقد اختلفت الآراء حول لقب الـُمبرّد هل هو بكسر الراء أو بفتحها، وحيكت حول ذلك قصص تناولت سبب تلقيبه بهذا اللقب حول كسر الراء منه وأخرى حول فتحها.
وعن صفاته الخلقية: فمن من أهم صفاته كرم العشرة، وكراهية التعصب، وذمه إياه ، وكان إلى جانب هذا متسامحا.
واهم شيوخه فانه تتلمذ المبرد على شيوخ كثيرين من أهمهم : أبو عمر الجرمي : وهو صالح بن إسحاق نزل في جرم ، فنسب إليها كان فقيها عالما بالنحو واللغة وموطنه البصرة ويصفه المبرد بأنه كان أثبت القوم في كتاب سيبويه، وكذلك شيخه التوزي: هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون اللغوي البصري قرأ كتاب سيبويه على أبي عمر الجرمي ، قال عنه تلميذه أبو العباس : ما رأيت أحدا أعلم بالشعر من أبي محمد التوزي ، توفي سنة 230 هـ ، وأبو عثمان المازني: بكر بن محمد، من مازن بني شيبان، كان إمام عصره في النحو والأدب ، يوصف بأنه لم يكن أعلم منه في النحو بعد سيبويه، توفي سنة 209 هـ، وأبو حاتم السجستاني وهو سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني أبو حاتم من نحاة البصرة وقرائها ومن كبار الأئمة في اللغة والشعر، وحسن العلم بالعروض، توفي سنة 321 هـ.
اما عن تلاميذه: فمن كان مثل المبرد علما وأدبا ، لا ينتظر أن يكون طلابه – في غالب الأمر – إلا من النابهين الذين صار لهم فيما بعد الباع الطويل ونذكر منهم : عبدالله بن المعتز : هو أبو العباس عبدالله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد ، كان أديبا بليغا قتله المقتدر بعد أن وقع في يده سنة 296هـ ، وابن كيسان : هو أبو الحسن محمد بن أحمد ، كان من نحاة بغداد الذين مزجوا بين المذهبين البصري ، والكوفي ، له عدة مصنفات في اللغة توفي سنة 299هـ ، والزجاج : هو إبراهيم بن السري بن سهل ، أبو إسحاق ، لقب بالزجاج لأنه كان يخرط الزجاج من أشهر طلاب المبرد ، كان من أهل العلم والأدب والدين متميزا في النحو واللغة ألف الكثير من الكتب في النحو واللغة والأدب وغيرها توفي سنة 310هـ.
واخيرا عن وفاته: فقد مات المبرد: في أول سنة ست وثمانين ومائتين من الهجرة.
وبعد ان تطرق الحسيني في مقدمة بحثه كتعريف موجز عن المبرد تحدث في تمهيد للبحث حيث قال: ان نظرية العلاقات والمجالات اللغوية نظرية خاصة بمفردات اللغة المعينة خارج إطار السياق الذي ترد فيه، وهي تتصل مباشرة بوسائل النمو اللغوي الدلالي لأن العلاقات بين المفردات تولد دلالات متنوعة من خلال تقابلها وترابط بعضها مع بعض، بما يمكننا من الوقوف على الحقل الترابطي المعين لمجموعة من الكلمات،سواء أكان هذا الحقل الترابطي ترادفا أو اشتراكا، أو تضادا، أو تقابلا ؛أو كونها تشكل حقلا دلاليا لمجموعة من الألفاظ التي تضمنها علاقات تبعية متبادلة تكوّن ما يسمى بـ(الحقول الدلالية) التي يمكن حصرها، وفهرستها،ووصفها انطلاقا من العلاقة بين دوالّها ومدلولاتها “أو تصنيفها في معجمات موضوعية أو (حقول) موصوفة: موجودات، أو أحداث ، أو مجردات أو علاقات”.
* الإرهاصات العربية
وتحدث عن ظاهرة الإرهاصات العربية فقال: عندما نؤرخ لنظرية الحقول الدلالية العربية فإننا نجد أن اللغويين العرب القدماء تفطنوا تطبيقا وممارسة في وقت مبكر إلى فكرة الحقول ولكنهم لم يشيروا من قريب أو بعيد إلى المصطلح، فعرفوا الحقول الدلالية انطلاقا من اللغة نفسها إذ تضمنت تصنيفا شاملا لألفاظها منذ العصر الجاهلي إلى ظهور الإسلام، فالدارس يجد ما يدل على تصنيف الموجودات بمجموعها كالعالَم – بفتح اللام ــ والعالَمين ، ويشمل على الخلق كله ، والتقسيم للوجود إلى ما يدل على الحس والشهادة والرؤية والملموس ، وما هو مغيب عن الحس ، ويجد ألفاظا تدل على الوجود والعدم والمكان، والزمان والدهر والأبد والأزل ، ومنها ما يدل على أنواع الموجودات كالنبات و الحيوان ، وللحيوان أنواع منها الإنسان والوحوش والطير، وأنواع أخرى فيما عدا الإنسان من السباع والهوام والسوام والحشرات والجوارح والبغاث ، وضمَّ هذا التصنيف الأخلاق والمشاعر مثل المكارم والمثالب والمحاسن والمساوئ والفرح والحزن، وقد أشار الجاحظ إلى جانب من هذا التصنيف في كتابه “الحيوان” حين صنف الموجودات الرئيسية في الكون بقوله: “إن العالم بما فيه من الأجسام على ثلاثة أنحاء : متفق ومختلف ومتضاد ، وكلها في جملة القول: جماد ونام .. ثم النامي على قسمين : حيوان ونبات،والحيوان على أربعة أقسام: شئ يمشي ، وشئ يطير وشئ يسبح ، وشئ ينساح، إلا أن كل طائر يمشي ، وليس الذي يمشي ولا يطير يسمى طائرا ، والنوع الذي يمشي على أربعة أقسام : ناس وبهائم وسباع وحشرات”، وقد وفق الجاحظ بهذه الإشارة على التحليل التكويني أو السيمي للمعنى الذي أصبح منهجا متداولا لدى كثير من الباحثين . وتوجت مرحلة التجميع للألفاظ العربية، بالخطوة الأولى لهذا التصنيف وهي مرحلة الرسائل الكثيرة التي احتوت كل واحدة منها على ألفاظ خاصة في مجموعات دلالية صغيرة تتعلق كل منها بموضوع مفرد في موضع مفرد وهي رسائل من صميم الحقول الدلالية ، وإن لم يشر القدماء إلى المصطلح.
وتشكل رسائل “اللبن ” و”المطر” لأبي زيد الأنصاري ” والنبات ” و”الشجر ” وخلق الإنسان للأصمعي ، و”الخيل” لأبي عبيدة معمربن المثنى ، أهم الأعمال التي ألفت في مرحلة تدوين اللغة ، فكانت اللبنة الأولى لمعاجم العربية كما عرفت فيما بعد.
بالإضافة إلى رسائل في “النخل” و”الكرم” و”الشاء” و”الإبل” و”أسماء الوحوش ” و”الخيل” و”الشجر” والنبات لأبي حنيفة الدينوري.
وتتابعت الرسائل الموضوعية فعمدت بعضها على التصنيف الصرفي وكثرت الرسائل اللغوية في الإبدال والأبنية ، ثم تطورت الرسائل إلى التفريع الصرفي المبني على الأصوات الذي أضحى في ضوء النظرية الدلالية مقياسا يعول عليه في توزيع النظام اللساني إلى مجموعات مميزة تكون في مجملها نسقا أو شبكة لعلاقات هذا النظام وكانت نتيجة مرحلة الرسائل الدلالية ذات الموضوعات المفردة أن سعى بعض اللغويين إلى ضمها إلى معاجم مع الإبقاء على التصنيف الدلالي، كـ “الغريب المصنف ” ل ” أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي ” (ت : 224هـ) ، و كتاب ” الألفاظ ” لأبن السكيت (ت: 224هـ) ، و “مباديء اللغة ” للإسكافي (ت:421هـ) ” وفقه اللغة وأسرار العربية ” لـ “الثعالبي “(ت: 429 هـ ) و “المخصص لـ “ابن سيده ” (ت: 485 هـ ) .. وغيرها.
وظلت فكرة الحقول الدلالية حبيسة الرسائل والمعاجم ولم تتطور عبر العصور إلى الدراسة التحليلية للغة في حد ذاتها ، و إلى النص الأدبي ، أو علاقة نظرية الحقول الدلالية بالعلوم الإنسانية الأخرى فكان أن انتظرنا الغربيين ليضيفوا إلى التراث العربي القديم إبداعاتهم لتحقيق عصرنة عمل القدماء، على الرغم من أنهم لم يعرفوا هذه النظرية إلا في فترة متأخرة.
* تطورها عند الغربيين
اما عن تطور النظرية عند الغربيين فأشار الباحث الى إن نظرية الحقول الدلالية اشتغل عليها علماء ألمان وسويسريون وفرنسيون وأسبان ودنماركيون وأميركان وإنجليز من أمثال: جاكوبسون، وهيلمسلف، وجرايماس، وبوتيه، وكوسريو، وبلانكي، وواينرايش، وجون ليون، وجكلر، وكاتز وفودور و… غيرهم كل منهم في مجاله ومن مفهومه ومنظوره، وقد ساهمت هذه الدراسات في تطور نظرية الحقول الدلالية (هيفاء عبد الحميد كلنتن ,2001, نظرية الحقول الدلالية).
وقال: لقد تبلورت هذه النظرية بفضل دي سوسير الذي وضع اللبنة التأسيسية الأولى لها ، وذلك عندما أشار إلى وجود علائق دلالية بين المداخل المعجمية والتي بإمكانها أن تصنف النظام اللساني إلى مجموعة من الأنساق يختلف بعضها عن بعض وهو ما يسميه دي سوسير بالعلائق الترتيبية (د.نور الهدى لوشن ،2006, مباحث في علم اللغة ومناهج البحث اللغوي).
منوها الى انه يعود الفضل إلى الألماني (جوست تراير) في بلورة وتجميع الأفكار – بصورة متماسكة – لهذه الفرضية وقد نجح في بيان ما ظهر في عصره (حوالي 1930 ) وبلوره في منهج أو طريقة يمكنها أن تتلخص في: مجموعة الألفاظ للغة معينة تكون مبنية على مجموعة متسلسلة لمجموعة كلمات أو (حقول معجمية) كل مجموعة منها تغطي مجالا محددا على مستوى المفاهيم (حقول تصورات)؛ زيادة على ذلك كل حقل من هذه الحقول سواء أكان معجميا أم تصوريا فهو متكون من وحدات متجاورة مثل حجارة الفسيفساء، واعتبار اللغة نظاما من العلامات ترتبط بعلاقة عضوية فيما بينها ابتكار حديث وثورة لسانية قام بها دي سوسير على منهج دراسة اللغة وتحليل مكوناتها،ذلك أن قيمة كل عنصرلا تتعلق بسبب طبيعته أو شكله الخاص ولكن بسبب مكانته وعلاقته ضمن المجموع، وأوحت فكرة القيمة بتصنيف المدلولات إلى حقول دلالية طبقا لمبادئ دي سوسير اللسانية وذلك بوضع تحديد وصفي بنائي للمعنى ، وأقر بوجود علاقة دلالية بين عدد من مدلولات الألفاظ في النسق اللغوي أسماه في فصل من كتابه “العلاقات السياقية والعلاقات الترابطية والقيمة اللغوية”، ولكي تفهم معنى كلمة يجب أن تفهم كذلك مجموعة الكلمات المتصلة بها دلاليا أو كما يقول (ليونز): يجب دراسة العلاقات بين المفردات داخل الحقل أو الموضوع الفرعي، وبهذا يعرف (ليونز) معنى الكلمة بأنها “محصلة علاقاتها بالكلمات الأخرى في داخل الحقل المعجمي” وهدف التحليل للحقول الدلالية هو جمع الكلمات التي تخص حقلا معينا والكشف عن صلاتها الواحد منها بالآخر، وصلاتها بالمصطلح العام.
وقال: ان الحقل الدلالي هو مجموعة من المفاهيم تنبني على علائق لسانية مشتركة، ويمكن لها أن تكون بنية من بنى النظام اللساني، كحقل الألوان، وحقل القرابة العائلية وحقل مفهوم الزمان , وحقل مفهوم المكان .. وغيرها، كما ان الحقل الدلالي أو الحقل المعجمي هو مجموعة من الكلمات التي ترتبط دلالاتها، وتوضع تحت لفظ عام يشملها، فمصطلح “لون” مثلا في اللغة العربية يضم ألفاظا مثل : (أحمر ـ أبيض ـ أسود ـ أزرق ـ أخضر ـ أصفر ـ برتقالي) … إذن هذا المصطلح أو اللفظ العام ” لون ” هو حقل الألوان .. وهكذا.

* العلاقات والروابط اللغوية بين مفردات اللغة العربية
وحول العلاقات والروابط اللغوية بين مفردات اللغة العربية فقال الحسيني : انها متمثلة في أربع ظواهر معروفة هي:
1- المترادف: وهو خاص بـ(ألفاظ المعنى)، ويتجدد في ضوئه تعددية الدلائل وتتابعها في دالين أو أكثر بمعنى: إمكانية التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ مختلفة.
2- المشترك: وهو خاص بمجال (المعاني للفظ)، وتتحدد في ضوئه تعددية المدلولات واختلافها ،إذ يمكن أن تتعدد على اللفظ الواحد.
3- التضاد: ويتحدد في تضاد، أو نقيض الدلائل أو المعنى للفظ الواحد، ويمكن عدّه جزءاً من المشترك اللفظي .
4- ويمكن النظر في (التقابل) بوصفه مجالا لتحديد النقيض، أو المتضاد الدلالي الذي تؤديه مفردتان متقابلتا الدلالة.

* أبو العباس المبرد ونظرية الحقول الدلالية
لقد سلك أبو العباس المبرد المسلك الذي سلكه معاصروه ومن قبلهم في وضع الكتب والرسائل التي تتناول جمع الألفاظ الخاصة بحقل معين مما سمّي بـ(كتب المعاني) و(كتب الصفات) فقد صنفوا في الحيوان كتبا في )خلق الإنسان) و(خلق الفرس) و(كتاب الوحوش) و(كتاب الحشرات) و(النبات والشجر) و(الأنواء والمواقيت) وكتب الأيام والليالي والشهور والأوقات وأسماء الساعات وكتب الحرب والسلاح وغيرها.فمما كتبه أبو العباس الاشتقاق،وأسماء الدواهي عند العرب، والأنواء والأزمنة، وما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد، والمذكر والمؤنث،والتعازي والمراثي .وسوف تكون دراستي في الثلاثة الأخيرة.

* نماذج من الحقول الدلالية عند أبي العباس المبرد

أولا ـ كتاب المذكر والمؤنث: طبع الكتاب في القاهرة بتحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، والكتاب يمثل علاقة التضاد من العلاقات الدلالية. ويمكن وضعه في خمسة حقول:
الحقل الأول: يبدأ بذكر علامات التأنيث وهي:التاء التي تقلب في الوقف هاء،والألف المقصورة،والممدودة،ثم يفرق بين الأسماء المؤنثة، والنعوت المؤنثة.
أما الأولى فمنها ما يكون اسما للأجناس ، ومنها ما يكون اسما للمفردات وهو يعني بالأول ما يفرق بينه وبين واحده بالتاء، كتمر وتمرة، وبقر وبقرة . كما يعنى بالثاني مثل: بلدة، ومدينة، وقرية، وغرفة، وما أشبه ذلك.
وهو يذكر في هذا الباب أن كل ما كان مؤنثا بالتاء ، يجوز جمعه جمعا مؤنثا سالما ، بالألف والتاء . ثم يتحدث عن التاء الملحقة بالجمع ، لبيان النسب ، كالمهالبة ، والمناذرة ، أو لبيان العجمة ، كالموازجة ، والبراربرة ، أو للتعويض عن ياء محذوفة من الجمع ، مثل الزنادقة، ثم ينتقل إلى بيان أن كل شيء كان مذكره على أفعل ، فمؤنثه على فعلاء، وهو وصف لا محالة، وهو يفرق هنا بين ألف التأنيث ، كخنفساء أو ألف الإلحاق ، كعلباء ، ويبين أن ما تدخله ألف الإلحاق فإنما هو مذكر.
ثم يخلص إلى المؤنث بغير علامة ، ويذكر أن السبيل إلى معرفة التأنيث فيه إن كان ثلاثيا ، أن يصغر ، فترد فيه التاء ؛ نحو : عيينة تصغير عين ، ويبين أن هناك عدة ألفاظ شذت على ذلك ؛ مثل حرب وفرس . أما إن كان زائدا على الثلاثة ، فإن كان له مذكر يخالفه ، علم بذلك أنه مؤنث ، نحو : أتان ، مؤنث حمار ،وإن لم يكن كذلك ، فبابه السماع ، ثم يتحدث عن بعض أحكام المؤنث ، من ناحية التصغير ، والمنع والصرف.
والحقل الثاني: يعقد بابا لمعاملة المؤنث الحقيقي، والمؤنث المجازي ، من ناحية الإخبار عنه ، إذ لا تراعى الصيغة في المؤنث المجازي ، وإنما يراعى المعنى ، فتقول : “قال الخليفة كذا ” ، فتذكر الفعل ، رغم تأنيث اللفظ ، كما تقول “قالت جعفر ” ، إن سميت به مؤنثا ، رغم تذكير اللفظ . ويذكر المبرد في هذا الباب أمثلة كثيرة ، كلها تدل على أن المدار على المعنى والقصد ؛ كقولك : “هذه تميم ” ، تريد القبيلة ، وكقولك : ” أتيت باهلة بن يعصر” تريد الحي ، مع أن “باهلة ” اسم امرأة ، أما المؤنث الحقيقي ، فلا بد من الإخبار عنه بالمؤنث ، فلا يصح أن تقول : “إن زينب قام ” ؛ لأن تأنيث هذا مستقر كما يقول .
والحقل الثالث : و يذكر المبرد بعض الألفاظ التي يجوز فيها التذكير والتأنيث
مثل : لسان، وطريق ،وسبيل ثم يعود مرة أخرى إلى اسم الجنس ، فيذكر أن مفرده لا مذكر له من لفظه ، ومعنى هذا أن “شجرة ” مثلا ، ليست مذكرها “شجر” ، وإلا التبس ذك بالجمع ، وذلك في المخلوقات المبثوثة على فطرة واحدة ، وهو يرى هنا أن “أرض ” كان حقها أن تكون الواحدة :”أرضة ” ، والجمع : “أرض” ، لكنها لما كانت نمطا واحدا لا تنفصل أجزاؤها ، وقع على جميعها اسم واحد وبمناسبة الأرض يذكر “السماء” وطرق جمعها في العربية.

والحقل الرابع : ثم ينتقل إلى الصرف ، والمنع من الصرف ، لأنواع المؤنث المختلفة ، فيذكر أن المؤنث بالألف ، مقصورة أو ممدودة ، لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، أما المؤنث بالتاء أو بالبنية ــ وهو يقصد بالبنية هنا المؤنث الحقيقي بدون علامة ، نحو :”عناق” مؤنث ” جدي ” ـــ فإنه لا ينصرف في المعرفة ، وينصرف في النكرة ، إلا ما كان ثلاثيا ساكن الوسط لا علامة فيه ؛ نحو : هند ، و دعد ، فيجوز صرفه في المعرفة والنكرة ، وإن كان ترك الصرف أجود .
والحقل الخامس: ويختتم المبرد كتابه بباب في أسماء السور والبلاد والقبائل ، فيعالج فيه مسائل تأنيثها وتذكيرها ، وصرفها ومنعها من الصرف ، وبذلك ينتهي الكتاب .
والمبرد يستشهد على كلامه دائما بالكثير من الشعر والقرآن الكريم ، وأقوال العلماء . وكتابه يفيض بمثل هذه الشواهد .
ويمتاز كتاب المبرد في المذكر والمؤنث على الكثير من الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، بأنه لا يهتم بالنواحي اللغوية فحسب في بيان المذكر والمؤنث ، بقدر ما يهتم بالنواحي النحوية والتصريفية، وليس هذا بغريب على المبرد النحوي، الذي وقف حياته على إقراء كتاب سيبويه في النحو ، حتى نبغ فيه واشتهر، كما تقول المصادر التي ترجمت له.

إلى الأعلى