الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / النخلة في الثقافة العُمانية(1-2)

النخلة في الثقافة العُمانية(1-2)

شكلت النخلة حجر الزاوية في الحياة العمانية قديما وحديثا كونها الشجرة الأكثر تفاعلا بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع الحياة اليومية والعادات والتقاليد الاجتماعية بل شكلت موروثا حضاريا وثقافيا وتراثيا فهي رفيقة حياة الانسان العماني وشاغلة وقته ومصدر رزقه وهي غذاؤه وظله عن الهجير ، وأن كثيرا من العادات الاجتماعية والاقتصادية خاصة في موسم الجداد والتبسيل لا تزال مستمرة وراسخة في المجتمع إلى يومنا هذا يتشارك فيه جميع أفراد الأسرة العُمانية، ويصاحب العمل أهازيج وأناشيد تراثية جميلة تستنهض الشباب المشاركين والعمال على العمل وإتقانه والاستمرار في خدمة ورعاية النخلة والاهتمام بإنتاجها كي تبقى النخلة رمزا للوفاء والعطاء والغذاء الدائم للأسرة العمانية. كذلك عرف عن الانسان العماني استفادته من كل اجزاء النخلة (الجذع والجريد والخوص والتمر والنوى وغيرها) ،ومن خلال هذا الارتباط بالنخلة تمكن من إنتاج صناعات تقليدية متميزة وهذا دليل على الارتباط الوثيق بين العماني وأرضه المعطاء .ومن خلال هذه الدراسة المبسطة سنحاول التركز على المحاور التالية : العادات والتقاليد العُمانية المرتبطة بالنخلة ، والاهازيج الشعبية والصناعات التقليدية .
أولاً – العادات والتقاليد المرتبطة بموسم “القيظ” :
يعتبر موسم القيظ والذي ياتي في فصل الصيف القائظ من أنماط التكافل الاجتماعي وترابط افراد المجتمع ، خاصة في الولايات والقرى الريفية . ويعرف موسم الحصاد في عُمان بالقيظ ، بحيث يتجهز الأهالي في المناطق البحرية والبدوية للترحال نحو الحواضر فمن كانت له مزرعة نخيل يستقر في مزرعته ومن لم تكن لديه مزرعة فيقصد احد اصحاب مزارع النخيل للعمل فيها وغالبا يكون سكنه بجوار المزرعة “المقياض” وفي وقتنا الحاضر اصبحت هذه من العادات المنقرضة أو شبة المنقرضة في عُمان، وذلك للتطور الذي شهدته محافظات وولايات السلطنة
وفي هذا الموسم تتعدد الأعمال وتتوزع على افراد الأسرة ، وكذلك يقوم الرجال بمعظم الأعمال الزراعية مثل الري ورعاية الأشجار ، وأما النساء والأطفال فيعهد إليهم بمهمات أخرى مثل المشاركة في جمع الرطب المتساقط أثناء عملية الحصاد واختيار النوع الجيد من النوع الرديء.
البيدرة :
وهي حرفة تتخللها عادات وتقاليد مرتبطة بالفلاحة ويسمى الشخص المزارع من اهل الحاضرة الذي لا يملك مالا أو مزرعة ويسعى للرزق بالعمل في مزرعة غيره بالبيدار وتتم البيدرة باتفاق وشروط لان العمل قد يستمر طوال العام والبيدار يوكل إليه مهمة رعاية مجموعة النخيل فيكون من واجبه تلقيح الزهور الأنثوية ( التنبيت) ويقوم بقطع التمر الناضج ( الخرافة ) كما يقوم بتنظيف النخل من حيث قطع السعف اليابس ، إضافة إلى عمله في حرفة الهياسة وإخصاب التربة ( التسميد) وغيرها من الأعمال ، وكل هذه الاعمال التي يقوم بها البيدار في هذه الحالة يأخذ نظير هذه الأعمال جزءا من التمر الذي تنتجه النخلة ، وأحيانا يعطى أجرا ماديا سنويا.ومن الأعمال التي يجب يتم الاتفاق عليها مع البيدار :
1- دخول البيدار العمل أو خروجه منه في وقت محدد ومتعارف عليه من السابق فمنهم من يحدد هذا الوقت بثلاثين الدر (الدر توقيت عشري لحساب فصول السنة) وتسمى ثلاثين البيدار أو بيدار القيظ ومنهم من يحددها بخمسين الدر وتسمى خمسين البيدار.
2) في بعض المناطق لا يستمرون مع نفس البيدار مدة عام كامل وانما يتفق معه لمدة الانتهاء من موسم الحصاد ويعطى من التمر على مقدار تعبه في العمل .
3) في حالة الاستمرار لعام كامل مع البيدار فان له من كل نخلة خنيزي عذقا وله ثلاثة نخلات من الموسم كاملا وعند البعض لا يحدد العذق الذي يأخذه من الخنيزي فقط وانما من أي نخلة يحصدها وياخذ ايضا بعض جرابات التمر .
4) يمكن أن يعطي مقدارا من المال كبديل عن التمر المعطى له اذا لم يرد اخذه.
5) وقد نجد البيدار لا يرتبط بأرض واحدة ، ولكنه يعمل في عدة بساتين .
عادات الطناء ، والجداد ، والتبسيل :
تتجدد عادات الطناء والجداد والتبسيل لثمار النخيل في القرية من كل عام ؛ لتكون عادة موسمية ذات حركة اقتصادية ، واجتماعية نشطه مع كل صيف ، وعند بدأ استواء ثمار النخيل ، يتم الإعلان عن موعد بدء الطناء .
1) الطناء :
عند بدأ استواء ثمار النخيل ، يتم الإعلان عن موعد بدء الطناء ، حيث يتحرك الأهالي في جماعات متنقلين من مزرعة إلى أخرى ، فيما يقوم المنادي (الطاني) بعملية المناداة والطناء للنخلة المراد طناؤها من قبل صاحب المزرعة ، واحيانا يقوم بعملية توثيق الطناء من قبل كاتب خاص يكون مرافقا للطاني ، ورغم إن لهذه العادة جوانب تجارية واقتصادية إلا أنها ذات أبعاد اجتماعية تصاحبها عادات وتقاليد يحرص عليها العمانيون.
2) الجداد :
وهي عملية جنى ثمار النخيل بعد نضجها ، وتتم على شكل مجموعات عائلية ، أو بشكل أوسع بمشاركة الجيران والمعارف والمستأجرين احيانا ، حيث يقوم الشخص ( الجداد) بقطع ثمار النخيل ليتم جمعها في ( السمة) المعدة لذلك ، بينما يقوم الآخرون بجمع التمور المتناثرة ، فيما يسمى ب(الرقاط) وتتم هذه العملية وسط جو اجتماعي ترفيهي وإنشادي .
ونجد أن صاحب المال ( مالك المزرعة ) يمنح العاملين معه في موسم الحصاد أجرا ماديا أو عينيا ( جزء من الثمار ) .
3- التبسيل : وهي مرحلة لاحقه للجداد ، فبعد جني ثمار النخيل يتم عرض هذه الثمار لأشعة الشمس في مكان مهيأ لذلك ، ويسمى بـ “المسطاح” وبعدها يتم عملية (الكناز) والتي عادة ما تحفظ في أواني خزفية المسماة (بالخرس) ، أو تحفظ في (الخصف) المصنوع من سعفيات النخيل ، والمسمى (بالجراب) ، فيما يستفاد من جزء من ثمار هذه النخيل لعملية (المدلوك) والذي يتم صنعه في الأغلب خلال أوقات العصر ، فيجتمعن النسوة في كل بيت لتنقية التمر من الشوائب المصاحبة له ويسمى “التفسيخ” وهذه الأكلة تقدم مع القهوة العمانية بعد انتهاء مرحلة الرطب.
ومن العادات العمانية المرتبطة بالنخلة الآخرى ما يلي :
1) زراعة فسيلة من النخل مع كل مولود يولد في الاسرة حيث ينمو المولود والنخلة جنبا الى جنب بحيث يضمن الصغير توفير مقومات الحياة كلما اشتد عوده.
2) تورث النخلة لدى العمانيين مثل الارض سواء بسواء وهي من العادات الموروثة.
3) أن مجالس الرجال الخارجية كانت عبارة عن عرائش من سعف النخيل ، وعبرها تنتقل العادات والتقاليد إلى الاجيال .
4) العماني يسمي التمر عصب الحياة وحفيد الأرض ومن العادات العمانية ان تضع الزوجة الصالحة أمام زوجها يوميا اناء مليئا بالتمر.
5) استخدام عسل التمر (الدبس) المغلي كسلاح دفاعي لصد المهاجمين الذين يحاولون تسلق جدران القلاع والأسوار الضخمة ، فقد ذكرت كتب التاريخ أنه تم صب هذا السائل المغلي من فوق أسوار قلعة نزوى على المهاجمين ليلقوا حتفهم .
6) يستخدم عسل الدبس كغذاء ودواء ويمزج مع العديد من المأكولات الشعبية ويقدم للمرأة النفساء بعد الولادة.
7) لمعالجة الحبوب داخل العين يتم قلب الاجفان وإزالة تلك الحبوب بعود من ليف النخيل – شيز- بعد ذلك يمرر اللبان على موقعها السابق منعا لعودتها وتطهيرها.
8)من العادات القديمة التي يمارسها المزارع العماني هي وضع اوراق خضراء في حفرة تحت الفسيلة عند زراعتها ويبتهل صاحبها الى الله بان يحيها كما يحي كل شيء بقدرته ، وكذلك يقوم البعض بدفن النبات (الشماريخ الذكرية) عند جوس النخلة الطويلة ( العوانة) التي يصعب الصعود الي قمتها وتنبيتها اعتقادا منه بوصول اللقاح المدفون الى قمة النخلة .
9) عند حراثة البستان يعمل المزارع جلبة كبيرة وهذه تساعد على امداد الجذور المتشبعة والممتدة بالمياة لكي تعطي النخلة حاصلا جيدا.
10)عند فصل الفسيلة يقوم المزارع بلف الجهة العلوية بالقماش أو ليف النخيل حتى يتم غرسها في المكان المحدد وتكون منطقة الزراعة عميقة من متر واحد إلى متر ونص .
11) إذا لم تنمو الفسيلة بقوة وبنشاط يقوم المزارع بحرقها حرقا خفيفا وهي وسيلة لتقويتها وتنشيطها لان في عملية الحرق قتل للحشرات والديدان التي تتغذي عليها ، وأيضا يعطيها حرارة تنشط نموها . ويقول المثل :( حرقها بنار ولا تعطيها سماد حمار )
12) اسناد النخلة المائلة يستخدم المزارع طريقة “السجالة” وذلك لتقليل ميلان النخلة ومنع سقوطها وتكون السجالة غالبا من جذوع النخيل لتتكي عليها النخلة ويقول المثل العماني (اسجلها ولا تفسلها) والطريقة الاخرى “الدكانة” وهي اقامة جدار من الطين والحجارة يحيط بالنخلة على شكل دائري للمحافظة على ثباتها ومنع سقوطها.
13) ومن ضمن هذه العادات الاجتماعية المتعلقة بموسم القيظ التصدق بجزء من التمور لصالح الفقراء يتم إخراجه أثناء الجداد إما بإعطاء عذق من النخيل للمحتاج أو قفير من التمور أو مبلغ مالي لمن يساعد في العمل خلال هذا اليوم.
14) ومن العادات الجميلة التي يقوم بها الأطفال في الصباحات الباكرة وبعد اداء صلاة الفجر يتسابق الأولاد للضواحي حاملين ( المخرافة) لجني ( الرقاط) من تحت النخيل ويكون التسابق على أشده اذا ما كانت الرياح قد اشتدت عصر اليوم الفائت فالرقاط سيكون وفيرا وطبعا يستفاد من الخلال أو التمر المتساقط من النخيل في الاستخدام الحيواني ويتم تجميعه للبيع وبعد العودة للمنازل وتناول الإفطار يكون الجميع من الصغار والشباب ذكورا وإناثا

ثانياً – أهازيج نخلية عُمانية :

1) اهازيج الجداد:
كثرت الأهازيج المختلفة عن النخلة المباركة في الذاكرة الشعبية العُمانية لما تتمتع به من خصوصية ومحبة ،وبعد نضج التمر تبدأ عملية جنى التمور الناضجة ( الجداد ) حيث يجتمع الجميع ليتعاونوا في جنى الثمار ، وحين يصعد (الجداد) إلى أعلى النخلة وتبدأ المجموعة التي بأسفل النخلة في ترديد بعض الأبيات الشعرية الشعبية بهدف التسلية وإشاعة جو من المرح والبهجة في النفوس وخاصة الصغار منه ، ويؤدي هذا الانشاد المزارعون بدون استخدام آلات موسيقية مثل قولهم :
يا جداد أخدم على عيالك
وعيال عيالك يو جداد
يا جداد لن طاح ميرادك
يا العجوز أشتلي
قالت أمشتله
قالت ثويبي طايح
طايح ومقدرت أشله
وأيضا :
هيبلاني هيبلاني هيبلاني
حد راقد وحد تعباني
حد صائم شهر رمضاني
وحد يخرف النسواني
وحد يسفر دروب عماني
وأني العطش يبسلي لساني
لعرق سوى خيلاني
والله محلك من ضماني
يوم مدّخل لي عواني
بسرك خامل في اليلاني
خامل من جل العواني
وأهلك مازر الذرعاني
أهلك من شيب وطفلاني
هيبلاني هيبلاني
وأيضا :
سلامة عذبتني وأنا فوق المسيلة
يبكي الحبيب علي يبي شيلة ويديلة
2) اهازيج الرّقاط :
هو عمل وإنشاد يؤديه الرجال والنساء والأطفال أثناء الحصاد وجمع ثمار النخيل المتساقط كالبسر والرطب والتمر ، وما شابه ذلك ، (فالإنشاد وظيفته بث النشاط والتسلية وطرد الملل) ويؤدي المجتمعون شلات محفوظة بقيادة شخص من أصحاب الصوت الجميل الذي يردد معه كل من اجتمع ، وتتسم هذه الشلات بقلة عدد أبياتها وخفة ميزانها الايقاعي. فيتبادل الجميع انشاد الشلة بهدف بعث الهمة والنشاط وضبط حركة العمل والسرعة في الإنتاج ، ليتعاون في هذا العمل الموسمي ، ويمتاز هذا الموسم بحماسه ، وشعره الزاخر بالشكر والثناء للخالق عز وجل على نعمته ، وعلى ما حبا به عباده من خير وفير ، وينشدالمجتمعون . بدون استخدام آلات موسيقية، ومن هذه الأناشيد التراثية الجميلة ما يلي :
لقطوا زين لقطوا زين بنعشيكم مرتين
لقطوا لقاط الغيلة بتعشيكم شغيلة
لقطوا لقاط العابية دفروا البدوي في اليابية
بلقط طريّف ونخل راية ونخل سالم بسليمان يغيب برايه
ومنها ايضا :
حن لقطنا وجينا .. الله يبارك فينا
دوكي دوكي دوكي صحن برني ومدلوكي
يا مخرفتي أحيدك ملاك .. يا مخرفتي هيش نصصك
ومنها ايضا :
هيل بات هيل بات يا الصغير يا أبو البنات جني ثمار النخيل
منيور في نخلنا لا يقيّل ولا يبات .. يسقي فروع الحنا وجلبة هلاليات
جلبة هلالي التاجر يا القرش يا أبو رنات
ميروه يا مير بزار … ود بندر كسر المصوار

ثالثاً- بعض الصناعات التقليدية العمانية من النخلة :
لقد كانت عُمان وغيرها من البلاد العربية التي تجود فيها زراعة النخيل يعتمد اقتصادها على هذه الشجر من حيث دخل الفرد والدولة التي تجني ضرائب من تصدير ، وكذلك تجبى الزكاة من المُلاك ، وقد نافس البترول في الوقت الحالي إنتاج النخيل ، وانصرف الناس إلى الأعمال الربحية السريعة ، وكادت حرفة الفلاحة أن تنقرض التي كانت تتهافت على خدمتها يد عاملة كثيرة منذ بداية طلعها حتى حصادها . وبلا شك أن النخلة هي صديقة البيئه لان جميع مخلفاتها يستفيد منها الانسان فللنخلة فوائد كثيرة خلاف ثمرها حيث يصنع من أجزائها ما يلي :
1) الجذوع : استفاد العُماني من جذع النخلة أعمدة وسقوفاً للمنازل أو الخيام ، وتُصنع منه بعد فلقه أبوابا للبسلتين والقناطر ، وآوانٍ لوضع العلف والمياة للماشية ، كما تُستخدم منه مزاريب لسطوح المنازل وقوائم لتسدل به النخلة المائلة خوفاُ من أن تتقعر ويسمى محلياً “سيال”.
2) السعف : تعتمد صناعة السعفيات على النخيل حيث يستخدم في إقامة حوائط وأسوار ، وأسقف للعرشان والخيام والزرائب وغيرها ، ويستخدم السعف بعد تجريده من الخوص “الزور” في صناعة “الدعون” التي تتكون من جريد السعف بعد سلخ الخوص منه . والأبواب التي تُسمى ب”الزفن” ، وكذلك صناعة قوارب الصيد الصغيرة (الشاشة) من سعف النخيل وتربط أجزاءها بالحبال ، كما يستعمل الزور في شك “المشاكيك” خاصتا تستعمل في موسم الأعياد، وكذلكتدخل في صناعة بعض الأثاث وغيرها .
أما الخوص فيستعمل في الفرش والآواني السعفية والبسط للمساجد ، وغلايف “جراب” للتمور ، وأسمط الطعام ، والقفران ، كمت تستخدم منه حبال تسمى “سرد” وغيرها الكثير من المصنوعات السعفية .
3) الليف : يستخدم في صناعة الحبال ، والفرش واغطية للحيوانات ، وحشو المساند ، ويستخدم أيضا في تنظيف البيوات وتسمى ب”المجمعة” والتي تجمع الغبار والبقايات التي تتجمع في فناء البيوت وغيرها من الاستعمالات .

المصادر :

- البكر ، عبد الجبار ، نخلة التمر : ماضيها وحاضرها والجديد في زراعتها وصناعتها وتجارتها ، بغداد ن 1972م.
- من مفردات التراث الثقافي غير المادي ، وزارة التراث والثقافة ، ص13 ، 2011
- النخلة في سلطنة عمان، مجلة المأثورات الشعبية ، العدد 68 يوليو 2003
- منتديات رسيل الشوق

فهد بن محمود الرحبي

إلى الأعلى