الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي والقاص محمود شقير : هناك تنويع على الواقع الثقافي الفلسطيني ومن حق المتلقي أن يحاكم هذا التمركز حول الذات

الروائي والقاص محمود شقير : هناك تنويع على الواقع الثقافي الفلسطيني ومن حق المتلقي أن يحاكم هذا التمركز حول الذات

يؤكد أن مهمة الأدب طرح الأسئلة وتقديم الواقع السائد
دمشق ـ من وحيد تاجا
أكد القاص والروائي المعروف محمود شقير أن القدس بالنسبة له هي بمثابة الروح للجسد. وهذا ما يفسر وجودها في سبعة عشر كتابا من كتبه، ويلفت الأديب شقير في حواره مع ” اشرعة ” الى ضرورة الاهتمام بالقدس بالنظر إلى ما تتعرّض له من تهويد ومن إنكار لهويتها العربية الفلسطينية الأصلية، حيث تكثر بالفعل الأعمال الأدبية الإسرائيلية التي تتخذ من القدس مسرحًا لأحداثها على نحو مقصود ومبالغ فيه. وفيما اذا كان المطلوب من الأدب تشخيص الواقع وطرح الأسئلة .. أم إيجاد الحلول يقول : ” لا أعتقد أنه مطلوب من الأدب أن يضع حلولاً لأية مشكلات. مهمة الأدب في الأساس طرح الأسئلة، وتعرية الواقع السائد وفضح مكوّناته التي تجعله غير محتمل وباهظ الوقع على نفوس الناس” .ويعتبر الكاتب محمود شقير اهم قاص فلسطيني . وهو من مواليد جبل المكبر بالقدس المحتلة عام 1941م وما زال يقيم فيها حتى الآن، عضو المجلس الوطني الفلسطيني.. وتولى مهام نائب رئيس رابطة الكتاب الأردنيين وعضو الهيئة الإدارية للرابطة لمدة عشر سنوات، صدر له عشرات الكتب والمجموعات القصصية للصغار والكبار. فاز بالعديد من الجوائز منها جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة عام 1991م، و جائزة محمود درويش للحرية والإبداع العام 2011م.

*ـ مابين فوز قصته “خبز الآخرين” بجائزة وزارة الإعلام الأردنية في العام 1966 وبين فوزه بجائزة محمود درويش عام 2011 .. كيف تقدم لنا المبدع محمود شقير ..وكيف تقارن بين كتاباتك في الماضي وبين أعمالك الأخيرة ؟

** تتعيّن المقارنة لصالح أعمالي الأخيرة بطبيعة الحال. لكنني ما كنت لأصل إلى ما وصلت إليه لولا أعمالي الأولى التي ابتدأتها في العام 1962 حينما نشرت أول قصة في مجلة الأفق الجديد المقدسية. وأستطيع الادعاء بأن دخولي إلى عالم الأدب كان لافتًا للانتباه منذ نشرت قصصي الأولى. ربما استفدت من تشدّد الصحف التي حاولت نشر نتاجاتي الأولى فيها، ولم تنشر هذه النتاجات لعدم اقتناعها كما يبدو بمستواها الفني. وربما استفدت أيضًا من تشدّد مجلة الأفق الجديد تجاه محاولاتي القصصية الأولى التي لم يوافق رئيس التحرير على نشرها. هذا التشدّد لم يحبطني، بل إنه زادني إصرارًا على مواصلة الكتابة وعلى تقديم أفضل ما لدي آنذاك. وفي حين يعمد كتاب بارزون إلى إهمال كتابهم الأول وإسقاطه من قائمة أعمالهم الأدبية المنشورة، لعدم رضاهم عن مستواه في مرحلة لاحقة من تطورهم الإبداعي، فإنني لم أهمل من قصصي التي نشرتها أوائل ستينيات القرن العشرين سوى قصتين أو ثلاث قصص، وذلك حينما نشرت مجموعتي القصصية الأولى: خبز الآخرين.

* رغم وجودك في الشتات لمدة طويلة إلا انك لم تفارق، على صعيد الكتابة ، الأراضي المحتلة والإنسان الفلسطيني ..ولكن هذا يطرح سؤالا عن كيفية انعكاس المنفى والشتات في أدبك ؟

** لم أكن أعيش في الشتات بمحض اختياري كما تعلم. كنت منفيًّا من الوطن. نفتني سلطات الاحتلال الإسرائيلي ثماني عشرة سنة. وهذا قد يفسر حقيقة أنني لم أفارق الأراضي المحتلة والإنسان الفلسطيني على صعيد الكتابة. ظلت فلسطين حاضرة في كتاباتي هي وناسها. والمنفى بدوره أضحى جزءًا من تجربتي في الحياة لا ينفصل عني ولا أنفصل عنه. وقد علّمني المنفى أشياء كثيرة: اتساعًا في مدى التأمل، وقدرة على النظر إلى الوطن من زوايا جديدة، ومعرفة أفضل بالعدو الذي يمارس أكثر الأساليب خسّة لكي يقصي إنسانًا من المكان الذي ولد فيه، ولكي يفصله عن أهله وذويه بإبعاده خارج الوطن بطريقة قسرية لئيمة لامثيل لها في أي مكان آخر.

* وكأن القدس تسكنك .. او تسكنها .. كتبت لها ” ظل آخر للمدينة” .. ثم ” القدس وحدها هناك “، وبعدها ” قالت لنا القدس” ومن ثم جاءت ” مدينة الخسارات والرغبة” .. والسؤال ما الذي تمثله لك القدس .. وهل بقي ما تكتبه عن هذه المدينة المقدسة؟

** القدس بالنسبة لي هي بمثابة الروح للجسد. هي أوّل مدينة تفتحت عليها عيناي. وهي المدينة التي مارست فيها حياتي منذ الطفولة حتى الآن. ولذلك فقد أصبحت القدس جزءاً مني وأصبحت جزءاً منها. والصحيح أن تعبيري عن المدينة لم يكن فقط من خلال الكتب الأربعة التي ذكرتها. ففي ندوة لي عن المدينة في المدينة قبل أقلّ من شهرين أحصيت سبعة عشر كتابًا من كتبي التي ورد ذكر القدس فيها، أو كانت القدس هي مسرح الأحداث فيها أو المكان الذي تتحرك فيه شخصيات قصصي من رجال ونساء وأطفال.ولم يكن هذا الاحتفاء بالمدينة وإظهارها في كتاباتي نابعًا من قصد مسبق بالكتابة عنها، بل إنه جاء امتدادًا لعلاقتي التي لا تنفصم بها باعتبارها مكاني الأول ومهد ولادتي والحيز الذي احتضنني وما زال يحتضنني.
ربما جاءت كتاباتي المتأخرة عن القدس مكتوبة بهدف صريح، هو الحفاظ على عروبة المدينة، وعلى ثقافتها العربية الإسلامية، وعلى الحضور الفلسطيني الإسلامي المسيحي فيها، بسبب هجمة التهويد التي تتعرض لها المدينة. هذا أمر واجب علي و على غيري من الكتاب الفلسطينيين والعرب. من هنا، ومن أجل مواجهة هجمة التهويد هذه، أعتقد أنه ما زال لدي ما أكتبه عن المدينة وعن أهلها الفلسطينيين الصامدين فيها رغم الممارسات التعسفية التي يمارسها ضدهم المحتلون الإسرائيليون. ولعلّ من الضروري ألا نكتفي بالكتابة عن القدس باعتبارها مكانًا له قدسيته الدينية، وفيها أعظم الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية، بل باعتبارها كذلك مكانًا دنيويًّا يسكنه بشر فلسطينيون من لحم ودم، وهم معرّضون لخطر التهجير من مدينتهم بمختلف الوسائل المباشرة وغير المباشرة.

* انطلاقاً من ذلك، أذكر انك نبهت يوم تسلمك جائزة محمود درويش الى الوضع الخطير الذي تحياه القدس في ظل هجمة التهويد الإسرائيلية، وكيف يهتم الأدباء الإسرائيليون بالكتابة عن القدس، لكي يؤكّدوا لشعوب العالم على أنها مدينة يهودية..؟

** هذا صحيح. وما زلت أذكر الحوار الذي قال الروائي العراقي علي بدر إنه دار بينه وبين الروائي الإسرائيلي عاموس عوز، على هامش إحدى الندوات التي جرى تنظيمها في بلد أوروبي كما أعتقد. قال عوز ما مفاده إن لدى الإسرائيليين مئة رواية عن القدس، ثم تساءل: كم رواية لدى العرب والفلسطينيين عن القدس؟ هذا التساؤل استفزّ علي بدر، وراح يقرأ كل ما وقعت عليه عيناه من تاريخ ووقائع وحيوات أشخاص وتفاصيل لها علاقة بالقدس، كما استعان ببعض أصدقائه من الفلسطينيين ممن يعرفون القدس معرفة جيدة، للتأكّد من معلوماته التي جمعها عنها، ثم كتب روايته المتميزة “مصابيح أورشليم” وهو لم يزر القدس مرّة واحدة.
رد الفعل الإيجابي هذا يؤكد ضرورة الاهتمام بالقدس بالنظر إلى ما تتعرّض له من تهويد ومن إنكار لهويتها العربية الفلسطينية الأصلية، ويدفعنا إلى مراقبة ما يقوم به المحتلون الإسرائيليون على صعيد الأدب مثلاً، حيث تكثر بالفعل الأعمال الأدبية الإسرائيلية التي تتخذ من القدس مسرحًا لأحداثها على نحو مقصود ومبالغ فيه في أحيان غير قليلة، مثلما وقع في قصة “ثلاثة أيام وطفل” التي كتبها أ. ب. يهوشواع وتقع في 75 صفحة، وذكر فيها اسم القدس 52 مرة.

*ـ تعتبر من اهم كتاب القصة القصيرة جدا في العالم العربي.. والسؤال ما هي مقومات هذه القصة، وماهي السمات التي يجب أن تحملها كي توصل ما تريد ؟

** أعتقد أن مقومات القصة القصيرة جدًّا أصبحت معروفة لقطاع غير قليل من الكتاب الذين يمارسون كتابتها. ولعلّ ضرورة توافر الحدث القصصي فيها أن يكون من أهم مقوماتها كيلا تذهب إلى ميدان الشعر، أو تجنح نحو الخاطرة الأدبية، ثم تأتي مقومات أخرى مثل الاقتصاد اللغوي بحيث تكون اللغة قادرة على الإيحاء بأقل قدر ممكن من الكلمات، وكذلك توافر شخصية قصصية أو أكثر يمكن الإخبار عنها أو يمكنها الإخبار عن شيء ما مما له علاقة بها أو بغيرها. ثم تأتي النهاية التي ينبغي أن يتوافر فيها عنصر المفاجأة والإدهاش، بحيث تضطر المتلقي إلى إعادة قراءة القصة من جديد في ضوء النهاية التي انتهت إليها القصة.
للأسف، ورغم انكشاف أسرار القصة القصيرة جدًّا على نحو بات معروفًا بسبب تنظيرات بعض النقاد وبعض المهتمين بها من الأدباء، وبسبب نماذجها المتميزة القادرة على تقديم القدوة والدليل، فثمة فيض من القصص القصيرة جدًّا المنشورة في المواقع الالكترونية وفي الصفحات الثقافية في الصحف، التي تغصّ بالمباشرة الفجّة وبطغيان الفكرة على بنية القصة، وبالميل نحو تحويل القصة القصيرة جدًّا إلى موعظة حسنة أو حكمة واضحة المعاني، أو برهان لغويّ على موقف سياسي ما. هذا كله يبعد القصة القصيرة جدًّا عن الجدارة التي ينبغي لها أن تتميز بها، هذا التميز الذي يعني إمتاع القارئ وترك أثر شعوريّ عميق في نفسه، والإسهام في تجديد إحساسه بالحياة وبما حوله من أشياء.

* استمرارًا لذلك، فمن المعروف ان القصة القصيرة جدا تختصر المكان والسرد الى ابعد الحدود .. فلماذا لجأت اليها للتعبير عن حالة وقضية كبرى .. وكيف استطعت تطويعها لتصل بها الى ماتريد من وصف للمكان والزمان والسرد؟

** أعتقد أن للمنفى علاقة بذلك، ولحالة عدم الاستقرار التي وجدت نفسي فيها في المنفى علاقة بذلك أيضًا. في المنفى، أصبحت بعيدًا من الوطن بما يعنيه الوطن من جغرافيا وأمكنة محددة. وبالنسبة لي، يعتبر الحضور الجسدي في المكان ضروريًّا لكتابة القصص التي لها علاقة بهذا المكان. لذلك لجأت إلى القصة القصيرة جدًّا التي لا تتطلب استغراقًا في وصف المكان أو غوصًا في تفاصيله. يكفي القصة القصيرة جدًّا أن تختار ركنًا في مقهى، أو شرفة في منزل للتعبير عن المكان أو للإيحاء به وببعض خصائصه. وأما بخصوص حالة عدم الاستقرار في المنفى، فقد كانت هي الأخرى حافزًّا لي لكتابة القصة القصيرة جدًّا. وتنطبق حالتي على حالة الشعراء الصعاليك في الزمن القديم، حيث حالت حياتهم غير المستقرة وهم يحيون على هامش النظام الاجتماعي الذي تمرّدوا عليه، دون كتابة قصائد طويلة. إذ كانت أغلب قصائدهم مقطوعات قصيرة تعبر عن الحياة القلقة التي كانوا يحيون في ظلها. مع ذلك، ورغم قصر الشريط اللغوي للقصة القصيرة جدًّا، فإن بوسعها انطلاقًا من تجربتي التي كدستها في هذا الميدان، ألا تكتفي بالتعبير عن التفاصيل الصغيرة وحسب، بل بوسعها في الوقت نفسه التعبير عن قضية كبرى، وذلك حينما تتجمّع التفاصيل الصغيرة وتتداخل وتتشابك بحيث تتشكل منها لوحة كبرى. ولست أملك في هذا المقام تشبيهًا يفسّر الحالة التي أقصدها سوى حبات المطر الصغيرة التي يتشكّل من تجمّعها سيل هادر من مياه قد تغمر سهلاً فسيحًا بأكمله.

* بالتالي كيف ترى مستقبل القصة القصيرة جدا في عالمنا العربي ؟

** أعتقد أنها سوف تستمرّ في الحضور، إنما السؤال كيف؟ ذلك أن انتشار المواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي سوف يمنح القصة القصيرة جدًّا مزيدًا من الحضور بسبب قصر شريطها اللغوي الذي يشكّل ميزة في عصر السرعة الذي نعيشه. كذلك، فإن المجلات الشبابية (فلسطين الشباب مثلاً عندنا في فلسطين) والصفحات الثقافية في الصحف اليومية لا تستنكف عن نشرها، بل إنها تميل إلى هذا النشر لأنها ما زالت تُعتبر نوعًا من الكتابة التجريبية التي لم يقل النقد الأدبي رأيًا نهائياً فيها حتى الآن، ولأنها قابلة لأن تُقرأ قبل غيرها من أية أجناس أدبية أخرى، بسبب الوقت القصير الذي تتطلبه قراءتها.
ما يهدد جدوى القصة القصيرة جدًّا وقدرتها على البقاء، له علاقة بإمكانات تطوّرها الفني والتجديد في بنيتها وفي أساليب كتابتها. لأنها سوف تذوي وتموت إن بقيت تكرّر نفسها دون مواكبة لمنطق الحياة والعصر، ولمنطق التجديد نفسه، هذا المنطق الذي أتى بها في زمن سابق إلى حيّز الوجود.
وإذا كان هذا التجديد يقع في الأساس على عاتق المتميزين من كتاب القصة القصيرة جدًّا، وعلى عاتق النابهين من الكتاب الجدد المزوّدين بحساسيات جديدة تجاه اللغة، وتجاه الكتابة الإبداعية نفسها، وتجاه الحياة وطريقة الإحساس بها، فإن ثمة مسؤولية على النقاد كذلك، الذين ينبغي عليهم أن يواكبوا على نحو أكثر جدية هذه الكتابة الجديدة، وأن يضعوا لها التنظير النقدي الذي من شأنه أن يجعلها تتعرف إلى نفسها على نحو أفضل في خضم التجارب المستمرة، ولكي تتمكّن من تطوير نفسها مثلما تفعل بقية أجناس الكتابة الأدبية.

* يسجّل النقاد لك تمكنك من اللغة وتطويعها وسلاسة السرد في أعمالك..بحيث انك تدمج لغة النثر بالشعر بالسينما ، وكأنك تدخل القصيدة إلى بيت القصة..حتى ان البعض اطلق عليها ( لغة شقيرية ) بامتياز لها ما يميّزها عن لغة الأجناس الأدبية المتعارف عليها؟

** التمكّن من اللغة العربية على نحو نهائي ليس أمرًا سهلاً. فهي لغة غنية كثيرة الأسرار. مع ذلك، فإنني أحاول قدر استطاعتي الاقتراب الحميم من هذه اللغة العظيمة. وأنا لا أملك وصفة جاهزة لعلاقتي باللغة العربية، لكنني أحبّذ الميل إلى الأسلوب السهل الممتنع أثناء الكتابة، بحيث لا تثقل اللغة على مضمون العمل الأدبي، و بحيث لا تتسطّح اللغة، وبذلك يفقد العمل الأدبي عمقه وجدارته. وقد تكون الدربة وطول المراس وإمعان النظر في اللغة أثناء القراءة وأثناء الكتابة، من العناصر التي تلهمني كيف أختار لغتي، مضافًا إليها تجربتي المشخّصة في الحياة.
وأما فيما يتعلّق بكتابة القصة القصيرة جدًّا، فإنني معني بإضافة لمسة شعرية إلى ما أكتب، بشرط ألا تزيد هذه اللمسة عن المقدار الضروري الذي قد يُخرج القصة القصيرة جدًّا في حال الزيادة عن جنسها الأدبي لتدخل في جنس أدبي جديد.

* بالتالي كيف تنظر الى مسألة التمازج بين الأجناس الأدبية، فمجموعة (القدس وحدها هناك) وكذلك (مدينة الخسارات والرغبة) يمكن قراءتها كقصص قصيرة جدا منفصلة، وكرواية أيضا ؟

** هذه محاولات أقوم بها لكي لا أكرّر تجربتي في الكتابة، ولكي أجعل الإمكانات الفنية الكامنة في القصة القصيرة جدًّا أوسع مما هو سائد حتى الآن، وبحيث لا تجد القصة القصيرة جدًّا نفسها أمام طريق مسدود.

*يلاحظ التركيز في أعمالك بشكل عام على الربط بين السياسي والاجتماعي والثقافي في المجتمع الفلسطيني بشكل خاص؟

** هذا الأمر له علاقة بالوضع الذي يعيش في ظلّه الفلسطينيون. نحن نتعرّض لهجمة صهيونية ضارية عمرها يقارب المئة عام. من هنا تصبح مقاربة الموضوع السياسي في النص الأدبي لا بد منها، بشرط ألا تُقحَمَ السياسة في الأدب إقحامًا يخلّ بشروط العمل الأدبي. ومن جهة أخرى، فنحن نعاني من التخلّف المفروض علينا، بسبب الهجمة الصهيونية التي أدّت إلى انهيار المجتمع الفلسطيني مرّتين، مما كان له أفدح الآثار السلبية علينا، وبحيث يجري إرباك تطوّرنا الطبيعي في ظل الاحتلال. لذلك، فنحن ما زلنا نحيا ضمن تشكيلات اجتماعية سابقة لوجود الدولة مثل العشائرية والقبلية، ونحن نشهد في الفترة الأخيرة، وبسبب انعدام الأمن في ظل الاحتلال، ارتدادًا إلى الوراء عبر إحياء العائلة الممتدة ونشر نفوذها على أفرادها حدّ التدخّل في حرياتهم الشخصية. هنا يتدخّل النص الأدبي للسخرية من جيش الاحتلال الذي يدعي زورًا وبهتانًا بأنه لا يجاريه جيش في العالم في مسألة طهارة السلاح وسمو الأخلاق، وللسخرية في الوقت نفسه من تخلّفنا الذي يوقعنا في مآزق وصراعات جانبية تزيد من معاناتنا في ظلّ معاناتنا من عسف الاحتلال.

* ايضا من يقرأ قصصك يلحظ التماهي، مابين الهم الذاتي والهم الوطني.. ؟

** بالنسبة لي، لا انفصال بين الهمّين، حيث يفضي أحدهما إلى الآخر، ويؤثر أحدهما في الآخر. إنما المطلوب تحقيق التوازن بينهما على نحو دقيق أثناء الكتابة، لأن الاكتفاء برصد الهمّ الوطني على نحو بعيد من انفعال الذات بتفاصيل هذا الهم الوطني، ومن تعبير الذات عما يؤرقها وهي تتعاطى مع الهمّ العام، قد يسطّح العمل الأدبي ويجعله مجرّد شعارات جافة، أو مجرد أطروحة سياسية لا حسّ فيها ولا حياة.

* وبالتالي كيف تنظر إلى “تقوقع” العديد من الأدباء الفلسطينيين بشكل خاص، حول ذاتهم ؟

** أنا لا أضيق ذرعًا بذلك. أعتبر هذا التقوقع ردَّ فعل سلبي غير مباشر، ناتجًا عن فداحة الواقع الخارجي وبؤسه وتعسّفه، سواء لجهة المعاناة من الاحتلال الإسرائيلي، أم لجهة المعاناة مما في واقعنا الاجتماعي من تخلّف كما أسلفت. هنا، يلجأ بعض الكتاب إلى استنطاق همومهم الذاتية، ويتمركزون حول ذواتهم، ويعلنون انسحابهم من الخارج إلى الداخل. فليكن. هذا تنويع آخر على الواقع الثقافي الفلسطيني. إنما من حق المتلقي أن يحاكم هذا التمركز حول الذات، فإن كان قابلاً للتعميم، بحيث يعبر عن ذوات أخرى، ففيه جدوى بالتأكيد، وفيه نظر. أما إن كان مقتصرًا على هموم صاحبه على نحو لا يقبل التعميم، فإنه في هذه الحالة قد يكون نصًّا فقيرًا غير قادر على اجتذاب القراء. غير أن ما يجعل هذا الانسحاب محتملاً، انهماك العدد الأكبر من الكاتبات والكتاب الفلسطينيين في محاورة الهمّ العام وربطه بأشكال مختلفة، بحسب تجربة كل واحدة أو واحد منهم، بهمّه الذاتي الخاص.

* يغلب الطابع الإيديولوجي على مجمل أعمالك.. الأمر الذي يدفعني للسؤال عن مفهومك للالتزام .. وما الذي تريد أن تقدمه من خلال أعمالك بشكل عام .. وما هو المطلوب من الأدب ( قصة ام رواية ) أساساً.. تشخيص الواقع وطرح الأسئلة .. أم إيجاد الحلول؟

** لا أعتقد أنه مطلوب من الأدب أن يضع حلولاً لأية مشكلات. مهمة الأدب في الأساس طرح الأسئلة، وتعرية الواقع السائد وفضح مكوّناته التي تجعله غير محتمل وباهظ الوقع على نفوس الناس. ومن هنا، فإن الأدب يسعى بدأب من أجل التغيير، ولكن التغيير بوسائل الأدب وبشروطه الخاصة. بمعنى آخر: يسعى الأدب إلى تربية الوجدان على القيم الوطنية والإنسانية النبيلة ببطء ومثابرة. ليست مهمة الأدب تحريك الشارع ضدّ العسف والظلم الاجتماعي وإهانة الكرامة الوطنية للناس بشكل مباشر، وفور الانتهاء من كتابة الرواية أو القصة أو القصيدة ونشرها. ومع ذلك، يظلّ الشعر هو الأقدر على مواكبة حالات التمرّد الشعبي على الظلم، كما هو واقع الآن في عدد من الأقطار العربية، بسبب طبيعة الشعر نفسه التي تجعله مختلفًا في هذ الحالة عن الكتابة السردية النثرية ومدى استجابتها لما يحدث في الواقع من مفاجآت.
وأما بخصوص غلبة الطابع الإيديولوجي على مجمل أعمالي الأدبية، فقد يصحّ ذلك على بعض قصص مجموعتي الأولى “خبز الآخرين” وعلى بعض قصص مجموعتي اللاحقتين “الولد الفلسطيني” و “صمت النوافذ”. هنا، وجدتُ ووجد بعض النقاد، زيادة عن الحد اللازم في جرعة الإيديولوجيا التي تقلل من القيمة الفنية للنص الأدبي، وتحوّله إلى مرافعة فكرية يستثمرها الكاتب لجهة الترويج لقناعاته وأفكاره. ولعل الأفضل من ذلك، والأكثر تلبية لشروط العمل الإبداعي تذويب الإيديولوجيا في النص الأدبي، بحيث لا تصبح منظورة على نحو فج.
لدي قناعة بضرورة انتصار الأدب للفقراء وللمظلومين ولكن بالأسلوب الذي يبقي الأدب أدبًا، ولدي قناعة بضرورة اضطلاع الأدب بالدفاع عن القيم الوطنية والإنسانية التي تجعل الحياة جديرة بأن تعاش. وأعتقد أنني لم أعد في الفترة الأخيرة أقحم الإيديولوجيا في نصوصي الأدبية، رغم حضورها فيها بمقادير معقولة خافتة.

* كيف تنظر الى الروايات الصهيونية الجديدة التي تحاول إظهار الرغبة في التعايش مع العرب، واين يمكن تصنيفها؟

**هنالك تباين في مواقف الكتاب الإسرائيليين من الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك في مواقف المؤرخين وعلماء الاجتماع. ففي حين نجد مؤرخًا مثل إيلان بابيه يظل ثابتًا على موقفه المبدئي من فضح عمليات التطهير العرقي التي قامت بها الحركة الصهيونية وعصاباتها المسلحة ضد الفلسطينيين في العام 1948 ، فإننا نجد مؤرخًا آخر مثل بيني موريس يرتد عن مواقفه التي كان يعبر من خلالها عن جزء من الحقيقة، ويعود ليصبح داعمًا لحكم اليمين المتطرف في إسرائيل. ومثله الروائي الإسرائيلي يورام كنيوك الذي تحوّل نحو اليمين بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2007 . أما الروائي الإسرائيلي ديفيد غروسمان، الذي قتل ابنه الذي كان مجندًا في تلك الحرب، فلم يغير موقفه الداعي إلى السلام، وهو الموقف الذي يندرج في إطار معسكر السلام الصهيوني المعتدل، الذي يعترف بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 لكنه لا يعترف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم التي شردوا منها.
وفيما يخصّ الروايات وكتب السيرة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، فقد أتيحت لي الفرصة لقراءة بعضها. ولاحظت أن ما قرأته منها يكتفي بقول نصف الحقيقة أو بالتمويه على الحقيقة في أحيان كثيرة. ففي رواية “امرأة في القدس” للروائي الإسرائيلي أ. ب. يهوشواع (قرأتها مترجمة إلى اللغة الانكليزية)، يخلص الكاتب إلى اعتبار القدس مدينة العالم، لكنه لا يخص الفلسطينيين المقدسيين المقيمين فيها إلا بسطر واحد في روايته. هل يصح مثل هذا التجاهل؟ وأين هي صدقية الدعوة إلى اعتبار القدس مدينة العالم، وسكانها الأصليون يظلون قابعين في مجاهل التناسي والنسيان؟
وفي “قصة عن الحب والظلام”، وهي سيرة كتبها عاموس عوز، أحد الكتاب البارزين في معسكر السلام الصهيوني المعتدل، يتحدّث الكاتب في أحد مشاهد هذه السيرة، عن مذبحة دير ياسين التي اقترفتها العصايات الصهيونية المسلحة ضد مواطنين فلسطينيين عزلاً من السلاح، يذكرها هكذا بشكل إخباري سريع لا يثير أية علامة سؤال ولا أي انفعال. وفي المقابل، يتحدث عن كمين نصبه الثوار الفلسطينيون لقافلة متجهة إلى هداسا الشرقية في القدس، ويصف فداحة القتل الذي وقع والدم الذي سفك، بحيث يجعل أي قارئ لهذا المشهد مستنكرًا للفعل الذي قام به الثوار، ومتحاملاً على الفلسطينيين بوصفهم إرهابيين قتلة. هنا يظهر التحيّز والميل إلى التلاعب في الوقائع وحجب الحقيقة أو أجزاء منها (ترجمها إلى العربية جميل غنايم، وراجع الترجمة الدكتور محمد كيال).
وقد لفتت انتباهي رواية “أربعة منازل وحنين” التي كتبها الإسرائيلي إشكول نبو (ترجمها إلى العربية طارق أبو رجب)، وفيها مناقشة لحق العودة الخاص بالفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم. وهو لا يعلن انحيازه الصريح إلى هذا الحق، لكنه يتعرّض له في روايته ويفسح له حيزًا فيها، وهذا نادر في الروايات الإسرائيلية التي استطعت قراءتها حتى الآن.
أما الرواية التي تقع على العكس تمامًا من الروايات الصهيونية الجديدة، فهي “أراض للتنزه” التي كتبها باللغة الانكليزية الكاتب الإسرائيلي الذي هاجر من إسرائيل، عوز شيلاح، وأطلق عليها وصف: رواية في شذرات، وهي أشبه ما تكون بنصوص مكثفة تقترب في بعض الأحيان من تخوم القصة القصيرة جدًّا، وتتكاتف لتقدّم رؤية مؤثّرة، فيها نبش جريء لما تحاول الحركة الصهيونية إخفاءه: حقيقة أن إسرائيل قامت على أنقاض شعب آخر (ترجمها إلى العربية الدكتور عبد الرحيم الشيخ).

* سؤال اخير .. ترى إذا كتبت قصة قصيرة جدا عن الثورات العربية الحالية فماذا يمكن ان تقول؟

** حينما أتأمل الثورات العربية وما أحدثته من تغييرات لم تكتمل بعد، لا تخطر ببالي كتابة القصص عن هذه الثورات. كتابة القصص بحاجة إلى اختمار وإلى مسافة ما. غير أن هذا لا يمنع التعاطي مع بعض تجليات الفضاء الحر الذي خلقته هذه الثورات. وبالطبع، ثمة أخطار جدية على مستقبل هذه الثورات. ولن تكتمل الأمور إلا بعد مخاض طويل معقد. إزاء ذلك، أميل إلى كتابة مقالات سياسية حول الثورات وما نتج عنها من نتائج وما ينتظرها من مفاجآت. ولا شك في أن كتابة القصص سوف تحضر بعد وقت، ولكن ليس الآن في اللحظة التي ما زالت فصول الثورات تتابع سيرها الحثيث حينًا البطيء في أغلب الأحيان، بسبب ظروف وتعقيدات خلقتها الأنظمة السابقة التي أسقطها الشعب ولم يتخلص بعد من آثارها المؤلمة التي لا يمكن التخلّص منها بجرّة قلم.

إلى الأعلى