الخميس 8 ديسمبر 2016 م - ٨ ربيع الأول ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حتى تظل جامعتنا الفتية صرحا علميا مرموقا

حتى تظل جامعتنا الفتية صرحا علميا مرموقا

”الآن وبعد ثلاثة عقود من العمل بهذه النظم التي جعلت من الجامعة الفتية صرحا علميا يشار له بالبنان, وفي وقت ينظر الوطن على جميع المستويات (قائدا وحكومة وشعبا وقطاعا خاصا وأجيالا قادمة) إلى جامعة السلطان قابوس على أنها منبع التطوير ومنهل التجديد وبيت الخبرة الذي يقود مؤسسات الدولة الأكاديمية في مجالات الدراسات والبحوث الحيوية, بدأت تتداول أخبارا بأن الجامعة بصدد تعليق العمل بنظام إجازة التفرغ العلمي وكذلك بنظام الترقيات الأكاديمية, ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منذ افتتاحها في عام 1986, وجامعة السلطان قابوس تخطو خطوات وثابة في مجال رفد الوطن بخريجين على مستوى عالٍ من التعليم والتأهيل والتدريب والإعداد النفسي والوجداني الذي يغرس مفاهيم طلب العلم وحب الوطن والإخلاص لشعبه وقائده والإتقان في العمل, وذلك من خلال تبني خطط دراسية وبرامج تدريبية على مستوى عالمي لإعداد الخريجين لسوق العمل, بغية الوصول بالجامعة الفتية إلى المستويات العالمية لتكون كما أراد لها جلالة السلطان المعظم منذ البداية, مفخرة ببرامجها وخريجيها.
بالإضافة إلى الخطط الدراسية والبرامج التدريبية, اهتم القائمون على شؤون الجامعة بجذب وتوظيف هيئة أكاديمية على مستوى عال لتقوم بإعداد كادر عماني على أعلى المستويات العالمية, على مستوى الدرجة الجامعية الأولى (البكالوريوس) والثانية (الماجستير), ومؤخرا الثالثة (الدكتوراة), ليحل هذا الكادر الوطني تدريجيا محل الكادر الوافد (وبنسبة معينة). كان الإعداد من خلال توظيف الأوائل والمتفوقين من الخريجين العمانيين وابتعاثهم إلى أفضل الجامعات الأميركية والبريطانية والكندية (وغيرها) لنيل شهادات الماجستير والدكتوراة وكذلك الزمالة لخريجي كلية الطب.
كغيرها من مؤسسات التعليم العالي العالمية, استحدثت الجامعة نظام إجازة التفرغ العلمي للهيئة التدريسية للعمانيين وكذلك نظام الترقيات الأكاديمية للعمانيين وغيرهم, بالإضافة إلى برامج الإيفاد إلى المؤتمرات العلمية, وغيرها من الدورات والبرامج التي من شأنها أن ترتقي بالمستوى العلمي والبحثي والعملي للكادر الأكاديمي والفني والإداري, والذي يؤدي في نهاية المطاف إلى الارتقاء بمستوى خريجي الجامعة, خدمة للوطن ولمسيرة التنمية فيه.
الآن وبعد ثلاثة عقود من العمل بهذه النظم التي جعلت من الجامعة الفتية صرحا علميا يشار له بالبنان, وفي وقت ينظر الوطن على جميع المستويات (قائدا وحكومة وشعبا وقطاعا خاصا وأجيالا قادمة) إلى جامعة السلطان قابوس على أنها منبع التطوير ومنهل التجديد وبيت الخبرة الذي يقود مؤسسات الدولة الأكاديمية في مجالات الدراسات و البحوث الحيوية, بدأت تتداول أخبارا بأن الجامعة بصدد تعليق العمل بنظام إجازة التفرغ العلمي وكذلك بنظام الترقيات الأكاديمية, وذلك بسبب الظروف المالية التي تمر بها السلطنة والمنطقة والعالم بأسره. ورغم أننا نتفهم الأسباب (المالية) إلا أننا نود أن نلفت انتباه القائمين على شؤون الجامعة إلى ما يمكن أن يترتب عليه تعليق العمل بهذين النظامين (و خصوصا نظام الترقيات الأكاديمية) من تعريض كل ما أنجز في العقود الثلاثة الماضية للخطر (لا سمح الله). سنناقش هذه النتائج المتوقعة في ما سيأتي. لن نناقش هنا ما تم بخصوص نظام الإيفاد إلى المؤتمرات العلمية وذلك لأنه لم يعلق العمل به وإنما تم تقنينه بحكمة بحيث لا يؤثر كثيرا على ميزانية الجامعة.
قبل الحديث عن النتائج المتوقعة من تعليق العمل بنظامي إجازة التفرغ العلمي والترقيات الأكاديمية (في حال أقر ذلك) دعونا نعرّف بهما. تمنح إجازة التفرغ العلمي لعضو الهيئة التدريسية (الأستاذ الجامعي) العماني لمدة سنة مدفوعة الراتب مرة كل سبع سنوات من الخدمة الأكاديمية. ويقضيها الأستاذ الجامعي في إحدى الجامعات المرموقة خارج السلطنة بموافقة الجهات الإدارية والأكاديمية في تلك الجامعة (والجهات المختصة بجامعة السلطان قابوس), ونقصد بالجهات الأكاديمية القسم الأكاديمي المرتبط بتخصص الأستاذ الجامعي مما يتيح له الاستفادة من خبرات وعلوم الهيئة الأكاديمية في ذلك القسم والمرافق والمختبرات الخاصة بالقسم وكذلك المكتبة أو المكتبات الموجودة في تلك الجامعة وجميع مصادر التعلم الأخرى. أي أن إجازة التفرغ العلمي تضع الأستاذ الجامعي في دور المتعلم أو التلميذ مرة كل سبع سنوات, وذلك لأسباب عدة. منها إعطاء الأستاذ الجامعي فرصة لقراءة المزيد والجديد مما كتب في مجال تخصصه. ومنها منحه فرصة لاستقاء العلوم والمعارف من أعضاء الهيئة التدريسية في القسم المستضيف والذين غالبا ما يكونون أكثر علما وخبرة من الأستاذ الضيف. ومنها إعطاء الأستاذ الجامعي فرصة لإنهاء أبحاث ودراسات كان قد بدأها قبل استحقاق الإجازة. ومنها إعطاؤه فرصة للبدء في تنفيذ وكتابة أبحاث جديدة كان يحتاج الوقت والتفرغ للقيام بها. ومنها منحه فرصة للتعاون البحثي مع أحد أو بعض أعضاء الهيئة التدريسية في القسم المستضيف. ومنها, وهو الأكثر أهمية, إعطاؤه فرصة لبدء برنامج بحثي أو أجندة بحثية جديدة في مجال تخصصه الدقيق أو في مجال قريب من تخصصه الدقيق أو حتى في مجال غير تخصصه الدقيق وإنما في مجال تخصصه الأشمل ليستغل السنوات الست اللاحقة لتنفيذ هذه الأجندة. وبمعنى آخر, فإن دور إجازة التفرغ العلمي هو جعل الأستاذ الجامعي يشعر بأنه لا يزال متعلما, طالبا للعلم من جميع مصادره وكذلك جعله يشعر بأنه بحاجة دائمة لأن يجدد معارفه ويزيد من خبراته لأن العلوم التجريبية (وغيرها) تتغير وتتجدد كل يوم نتيجة للاكتشافات الكثيرة والمستمرة. فبدون إجازة التفرغ العلمي يشعر الأستاذ الجامعي بأنه قد تحصل على كل العلوم وتوصل إلى جميع المعارف في مجال تخصصه وأنه لا يحتاج لأن يتعلم المزيد بل انه قد وصل إلى مرحلة الكمال في مجال تخصصه, وهذا غير صحيح.
أما بالنسبة لنظام الترقيات الأكاديمية فهو يحتوي على ترقيتين فقط, من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك, ومن أستاذ مشارك إلى أستاذ دكتور (أو بروفيسور). وتمنح الترقية بناء على إنجازات عضو الهيئة التدريسية في مجالات ثلاثة, وهي البحث العلمي والتدريس وخدمة المجتمع. فبالنسبة للبحث العلمي فإن الأستاذ الجامعي مطالب بأن ينشر مجموعة من الأبحاث الرصينة والمجدِّدة في عدد من المجلات العلمية المحكمة القوية ذات السمعة الجيدة في مجال تخصصه, وينبغي أن تعالج هذه الأبحاث قضايا ضرورية وتجيب على أسئلة مهمة في مجال تخصص الأستاذ. أما بالنسبة للتدريس فهو مطالب بأن يدرس مجموعة من المواد أو المقررات في قسمه الأكاديمي مما يدخل في نطاق تخصصه الدقيق أو ما يجد هو في نفسه الرغبة والثقة في تدريسه من مقررات. وكذلك مطالب بتنويع طرق تدريسه بما يتوافق مع المواد المختلفة وكذلك بما يتوافق مع طرق تعلم الطلبة. وهو مطالب كذلك بتجديد طرق التدريس التي يتبعها بحيث تخاطب وتناسب القدرات العقلية للطلبة وخصوصا المهارات العليا منها كالتطبيق والتحليل والتركيب والتفكير الناقد وحل المشكلات, بحيث يؤدي ذلك إلى تطوير في القدرات العقلية والمهارات الذهنية والإدراكية للطلبة بحيث تؤدي تجربة الدراسة الجامعية إلى تزويدهم بالعلوم والمعارف والخبرات التي تم التوصل إليها وكذلك تزويدهم بالمهارات والقدرات التي تمكنهم من التعلم والاكتشاف والإبداع بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية. أما بالنسبة لخدمة المجتمع فهي تطبيق عملي لمقولة “العالم العامل”. وباختصار فعضو الهيئة التدريسية مطالب بإلقاء المحاضرات وتنفيذ ورش العمل وكتابة المقالات الصحفية وغيرها من الطرق التي تمكنه من استخدام علومه ومعارفه وخبراته في إفادة المجتمع بشرائحه المختلفة تعليما وتثقيفا وتنويرا وذلك عن طريق طرح مختلف القضايا الاجتماعية والتربوية التي تهم المجتمع ومعالجتها من مبدأ النقد البناء الذي يصل بالمجتمع إلى درجة الوعي بالمشكلات والتفكير في طرق حلها. وهو أيضا مطالب بالعمل في اللجان الموجودة في القسم والكلية والجامعة والتخطيط للمؤتمرات العلمية التي تقام في الجامعة. وتشمل خدمة المجتمع كذلك مراجعة البحوث العلمية في مجال تخصصه بدعوة وتكليف من المجلات العلمية المحكمة داخل وخارج البلد.
لن نسهب في ما يخص تعليق العمل بنظام إجازة التفرغ العلمي فالفقرة الخاصة بذلك بينت الغرض (أو الأغراض) من وجودها وبذلك فإن حرمان عضو الهيئة التدريسية منها يحرمه من كل هذه المزايا مما يجعل علومه و معارفه قديمة, وهذا بدوره يجعل الطلبة يستقون المعارف منه وكأنهم يشربون من بركة ماء راكد لا من نهر متجدد. ونعرف جميعا نتيجة ذلك على الخريجين وقدرتهم على مواءمة سوق العمل والتأقلم مع متطلباته في عالم متسارع التطور والتغيرات.
أما في ما يخص تعليق العمل بنظام الترقيات الأكاديمية فإن نتائجه, إذا ما أقر, ستكون وخيمة على جامعتنا الفتية:
أولا, ونتيجة للإحباط والشعور بعدم التقدير, سوف يعمد الكثير من أعضاء الهيئة التدريسية العمانيين إلى طلب التقاعد مبكرا (إذا كان ممكنا) ومن ثم سيلتحقون بمؤسسات تعليمية خاصة أو حتى شركات, وهذا في حد ذاته لا يعتبر خسارة كبيرة للجامعة التي صرفت الملايين من أجل ابتعاث وتدريب وتأهيل هؤلاء الأساتذة لأنهم سيظلون يخدمون داخل البلد. ولكن الخسارة الكبرى هي عندما يذهب هؤلاء الأساتذة (أو الأطباء بدرجاتهم المختلفة) إلى العمل في مؤسسات خارج السلطنة, فعندها تخسر البلد هؤلاء النخبة من ابنائها الذين تفوقوا في دراساتهم و وصلوا إلى مستويات عالمية لدرجة أن كثيرا منهم قد تلقى عروضا وظيفية من الجامعات التي درسوا فيها بالخارج.
ثانيا, من لا يمكنه التقاعد مبكرا (لأسباب إدارية), فإنه سوف يستقيل من الخدمة بالجامعة بعد أن يحصل على عرض مغر من إحدى مؤسسات التعليم العالي أو حتى الشركات سواء داخل أو خارج البلد. طبعا مع خروج هذه الخبرات من الجامعة فإن الجامعة تخسر العقول التي أنشأتها وعلمتها ودربتها وأهلتها على مدى ثلاثة عقود. أي أن الجامعة سوف تحتاج إلى ثلاثة عقود أخرى (أو ربما أكثر) حتى يكون لديها مثل هذا الكادر المؤمن بحب الوطن و خدمته والإتقان في العمل فيه.
ثالثا, من لا يستطيع التقاعد مبكرا أو الاستقالة لأسباب إدارية أو لعدم توفر العروض المغرية خارج الجامعة (أو البلد) فسوف يعزف عن القيام بالبحوث العلمية بذريعة ان المؤسسة الأكاديمية لا تكافئ القيام بالبحوث مع تعليق العمل بنظام الترقيات الأكاديمية, وهذا في حد ذاته يذهب بالجامعة خطوات إلى الوراء بعد أن صرفت (بالتعاون مع مجلس البحث العلمي وبالاستفادة من المنحة البحثية السامية) ملايين الريالات لدعم وتشجيع البحث العلمي والارتقاء به بين أعضاء الهيئة التدريسية والطلبة على حد سواء. وكذلك يتنافى هذا مع خطط الحكومة في مجال الارتقاء بالبحث العلمي كونه السبيل الوحيد لتجديد العلوم وإيجاد الحلول للمشكلات المتعددة في مجالات الغذاء والمياه والطاقة والصناعات التحويلية وغيرها من المجالات الحيوية التي تعول الدولة عليها الكثير من أجل تنويع مصادر الدخل القومي. ويمكن أن يكرس تعليق العمل بنظام الترقيات الأكاديمية مفهوم الجامعة كمؤسسة تدريسية لا بحثية, بمعنى أن وحداتها المختلفة تقوم بتدريس ما تُوُصِل إليه من علوم ومعارف, دون الإسهام في تجديد المعرفة الإنسانية من خلال عملية البحث العلمي, و هو عكس ما أراده جلالة القائد المفدى لهذه الجامعة ومنها.
رابعا, سيؤدي ذلك أيضا إلى عزوف هؤلاء المجبرين على البقاء في الوظيفة الجامعية عن تطوير طرق تدريسهم, وسيؤدي إلى اتباعهم الطرق الأسهل وأشهرها التلقين وهو الاعتماد على قدرة الطلبة على الحفظ, وهذا لا يخدم عملية التعلم أبدا لأنه يتعامل مع عقول الطلبة على أنها سعة تخزينية فقط (Hard Disk), بمعنى أن عقولهم تتحول إلى مخازن للمعلومات لا تقوم بالفهم والتحليل والنقد وحل المشكلات. ذلك لأن اتباع الطرق التدريسية الأفضل مكلف لعضو الهيئة التدريسية من ناحية الوقت والجهد, فهو يتطلب الإعداد الأفضل للمحاضرات والتخطيط لها بحيث يقوم الطالب ببذل الجهد من أجل اكتشاف واستنباط العلوم والمعارف من خلال ما يقدمه الأستاذ, بدلا من تقديم المادة العلمية للطلبة من خلال عرضها على السبورة أو قراءتها من الكتاب قبل اكتشافها في المحاضرة, وهو أسلوب الحفظ والتلقين.
خامسا, وسيؤدي ذلك حتما إلى عزوف كثير من هؤلاء الأساتذة عن كتابة المقالات الصحفية ونشرها وإلقاء المحاضرات العامة والقيام بورش العمل التي تهم مؤسسات المجتمع المختلفة.
سادسا, وهو الأهم, سيعزف هؤلاء الأساتذة كذلك عن الدخول في اللجان المختلفة بالقسم والكلية والجامعة والقيام بمهامها وكذلك العمل على ترتيبات المؤتمرات العلمية التي تنفذ في القسم أو الكلية. وربما يقوم الكثير منهم بطلب الإعفاء من العمل في هذه اللجان إن كانوا الآن أعضاء فيها, وهذا بدوره سيتطلب توظيف كادر مؤهل آخر يقوم بهذه الأعمال الإدارية, مما سيؤثر سلبا على ميزانية الجامعة. وبتعبير آخر فإن تعليق العمل بنظام الترقيات الأكاديمية سيؤدي إلى عزوف أعضاء الهيئة التدريسية العمانيين (وربما غيرهم) عن تطوير أنفسهم علما ومعرفة وأداء وخدمة في الجامعة.
سابعا, أما بالنسبة لأعضاء الهيئة التدريسية الوافدين فإن كثيرا منهم سيبحثون عن جامعات توفر لهم الترقية الأكاديمية بعد أن بذلوا الجهد في القيام بالبحوث العلمية والتدريس وخدمة المجتمع.
ثامنا, مع تعليق العمل بنظام الترقيات الأكاديمية (وربما خروج الأساتذة العمانيين من الجامعة) فإنه سيكون من الصعب جدا على الجامعة أن تجذب الصفوة من الأساتذة الوافدين والذين سيتوجهون إلى الجامعات الأخرى في المنطقة, وبذلك فإن الجامعة ستكون مضطرة لتعيين الوافدين الذين لا يمكنهم الحصول على وظيفة أفضل في منطقة الخليج. فكيف للجامعة أن تجذب الوافد المؤهل بعد أن أدت قراراتها إلى الاستغناء عن خدمات المواطن المؤهل؟ وهذا في حد ذاته سيؤدي إلى تدنٍ في مستوى الهيئة التدريسية وسيؤدي حتما إلى تدنٍ في المعايير الدراسة الجامعية ومن ثم في مستويات وجودة الخريجين, مما سيؤثر على مسيرة التنمية في السلطنة. يجدر بالذكر أن التدني في مستوى الهيئة التدريسية يتنافى مع مرتكزات ومتطلبات الاعتماد الأكاديمي الذي قطعت الجامعة شوطا كبيرا في الحصول عليه لمختلف كلياتها وتخصصاتها وبرامجها (وصرفت الأموال الطائلة للوصول إليه) وذلك لأن هدف الاعتماد الأكاديمي هو ضمان جودة البرامج الذي يضمن جودة الخريجين, وذلك يعتمد بشكل أساسي على جودة الكادر الأكاديمي الذي يقوم على تنفيذ البرامج ويحقق أهدافها من خلال إنتاج جيل من الخريجين المتميزين.
باختصار, فإن من شأن تعليق العمل بنظام الترقيات الأكاديمية, إن أقر, أن تخسر الجامعة الصفوة من أبنائها ونقصد هنا الكادر الأكاديمي والطبي الذي عُلم و دُرب وأهل على مدى ثلاثة عقود, وكذلك أن تخسر قدرتها في جذب الصفوة من الأساتذة الوافدين. وهذا بدوره سيؤدي إلى خسارة الجامعة للمكانة المرموقة التي احتلتها طوال العقود الثلاثة الماضية, وكذلك قدرتها على إنتاج خريجين على مستوى عال من التعليم والتدريب والتأهيل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إعادة العمل بنظام الترقيات الأكاديمية سيكلف الجامعة أقل بكثير مقارنة بإعداد جيل من الأساتذة والأطباء العمانيين الذين تزخر بهم الجامعة الآن في جميع التخصصات.
ورغم أننا نتفهم الظروف المالية التي تمر بها الدولة, فإن على المسؤولين أن يتفهموا أيضا أن نظام الترقيات الأكاديمية يختلف عن نظم الترقيات الأخرى (الإدارية والفنية). أولا, بخلاف نظم الترقيات الأخرى التي تحتوي على عدة درجات أو ترقيات, فإن نظام الترقيات الأكاديمية يحتوي على ترقيتين فقط, وبذلك فإن الأجدر أن لا يوقف العمل به.
ثانيا, بخلاف نظم الترقيات الأخرى التي تستحق الترقية فيها بعد مضي عدد معين من السنوات (أي أنها في معظمها دورية زمنية), فإن نظام الترقيات الأكاديمية لا يعتمد على المدة الزمنية التي يقضيها عضو هيئة التدريس في تدريس المقررات في القسم بل يعتمد كذلك على جهود مضنية في مجالات إعداد البحوث العلمية ونشرها والقيام بأنشطة خدمة المجتمع المختلفة من مقالات ومحاضرات ومؤتمرات ومراجعة بحوث علمية. أي أن الأستاذ الجامعي وبخلاف أي موظف آخر (ولا ننقص هنا من جهود الموظفين الإداريين والفنيين) يعمل أكثر من الحضور إلى العمل (المؤسسة الأكاديمية) والقيام بالعمل (التدريس حسب الجدول المعطى له من عمادة القبول والتسجيل). ولذلك فإنه من الأحرى أن لا يوقف العمل بنظام الترقيات الأكاديمية لأنه يكافئ أعضاء الهيئة التدريسية على ما هم مخيرون لا مجبرون على القيام به (ونقصد هنا البحث العلمي ونشاطات خدمة المجتمع).
وإذا كان بالإمكان اعتبار إجازة التفرغ العلمي رفاهية في هذه الظروف الصعبة (وهي ليست كذلك), فإنه ليس بالإمكان بأي حال من الأحوال اعتبار الترقية الأكاديمية رفاهية لأنها حق مستحق لكل من بذل مجهود في البحث العلمي والنشر وكذلك التجويد في التدريس وخدمة المجتمع, حق يميز صاحبه عن كل من اتخذ الوظيفة الأكاديمية بالجامعة لتعني التدريس فقط.
لا نقول ما تقدم من باب التنظير للجهات الحكومية المختصة أو التدخل في سياساتها وإنما من باب النصح والتنبيه إلى ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في حال لم تتم دراسة ومراجعة التوجهات ذات الصلة, وكذلك من باب الغيرة على مصلحة وسمعة الجامعة, رغبة في الوصول بها إلى أعلى درجات الكمال في تأدية رسالتها في المجتمع والدولة في عمان, درجة تقترب بها من درجة تأدية صاحب الاسم الذي تحمله الجامعة رسالته والذي بذل الغالي والنفيس من أجل أن تكون عمان بكل مؤسساتها مضربا للمثل. حفظه الله وأمد في عمره وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة. اللهم آمين.

د. راشد بن علي البلوشي
أستاذ اللغويات المساعد قسم اللغة الإنجليزية وآدابها جامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى