الخميس 8 ديسمبر 2016 م - ٨ ربيع الأول ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كاسترو.. انتصار دائم

كاسترو.. انتصار دائم

” لم يخرج كاسترو من بين صفوف الأغنياء, بل من بين أرحام الفقراء والكادحين.. لم يجئ من أحد القصور, بل من حقول التبغ وقصب السكر. كان مسكونا بالحلم وبهاجس الثورة, ومقاومة الظلم. لم يطمح ليعلن ميلاده الشخصي وأمانيه الخاصة, بل وهب جسده وعرقه وقلبه لشعبه, ليتحول في نظر الكوبيين وأحرار العالم من بطل إلى أيقونة صمود وانتصار دائم في المواجهة والتحدي, والقدرة على عدم الانحناء أمام كل الصعاب.”

د. فايز رشيد

قالوا وكتبوا كثيرا عن كاسترو, إلى الحد, الذي لا أجد فيه نقطة لبداية سطرٍ إضافي جديد. لذا سأتركُ العنانَ لقلمي, ليكتب ما يريد. كنتُ في صبايَ المبكر, عندما اندلعت الأزمة السوفياتية – الأميركية في الكاريبي عام 1962, وبين العنيدين خروتشوف وكنيدي. في أعقاب عدة عمليات فاشلة للولايات المتحدة لإسقاط النظام الكوبي (غزو خليج الخنازير وعملية النمس(. بعدها, شرعت حكومتا كوبا والاتحاد السوفيتي في بناء قواعد لعدد من الصواريخ النووية متوسطة المدى,على أرض جزيرة الحرية. والتي كانت تعطي الإمكانية لضرب معظم أراضي الولايات المتحدة. بدأ هذا العمل أيضا بعد نشر صواريخ نووية أميركية في بريطانيا وإيطاليا وتركيا سنة 1961، حيث توفرت الإمكانية لأميركا على ضرب موسكو بالعشرات من الصواريخ المدمرة.
خططت الولايات المتحدة حينها لمهاجمة كوبا عن طريق الجو والبحر, ثم استقر الرأي بعمل حظر عسكري عليها. فأعلنت الولايات المتحدة أنها لن تسمح بتسليم أسلحة هجومية لكوبا, وطالبت السوفيت بتفكيك كافة قواعد الصواريخ المبنية أو تحت الإنشاء في كوبا, كما إزالة جميع الأسلحة الهجومية. لم تكن إدارة كينيدي تتوقع أن يستجيب الكرملين للمطالب الأميركية, بل على العكس, توقعت حدوث مواجهة عسكرية بين الدولتين. أما على الجانب السوفيتي فقد كتب الزعيم نيكيتا خروتشوف في رسالة إلى كنيدي بأن “حظر الملاحة في المياه الدولية أوالمجال الجوي” يشكل “عملاً من أعمال العدوان تدفع البشرية إلى هاوية حرب صواريخ نووية عالمية”. رفض السوفيت جميع المطالب الأميركية, ولكن بوساطة أمبن عام الأمم المتحدة حينها, تم الوصول إلى حل, يقضي بإزالة قواعد الصواريخ الكوبية, شريطة أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا, وأن تقوم الولايات المتحدة بالتخلص بشكل سري من نوع معين من الصواريخ. حاول الأميركيون والغربيون في تلك الحقبة, التصوير بكسبهم لمعركة التحدي, لكن الإعلام الناصري المصري العربي, كان يضع الجماهير العربية أولا بأول بوجهة النظر السوفياتية, وشدد على الرضوخ الأميركي للشرط السوفياتي, الذي وإضافة إلى صمود وشجاعة القيادة الكوبية وحكمتها, مكنا من استمرار التجربة الكوبية وانتصارها على كافة المحاولات الأميركية لإسقاط النظام الثوري التحرري للرئيس كاسترو ورفاقه الثوار. لقد زادت المحاولات الأميركية لاغتيال كاسترو عن 600 محاولة, وكلها فشلت.
لم يخرج كاسترو من بين صفوف الأغنياء, بل من بين أرحام الفقراء والكادحين.. لم يجئ من أحد القصور, بل من حقول التبغ وقصب السكر. كان مسكونا بالحلم وبهاجس الثورة, ومقاومة الظلم. لم يطمح ليعلن ميلاده الشخصي وأمانيه الخاصة, بل وهب جسده وعرقه وقلبه لشعبه, ليتحول في نظر الكوبيين وأحرار العالم من بطل الى أيقونة صمود وانتصار دائم في المواجهة والتحدي, والقدرة على عدم الانحناء أمام كل الصعاب. ولأن كاسترو قائد متميز, يتوجب أن تصعد حروف الكتابة عنه إلى هامته. قائد عسكري وسياسي, خطيب مفوّه, مثقف بامتياز, احترم وصادق كتاب أميركا اللاتينية أمثال العظيم بابلو نيرودا, والروائي الكبير الحائز على جائزة نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز. لقد ساند كاسترو تجربة الرئيس التشيلي سلفادور الليندي, لكن المخابرات الأميركية حركت عميلها بينوشيت ليقوم بانقلاب على الرئيس الشرعي المنتخب.
لقد صمد الثوري كاسترو حتى اكتملت التجربة الكوبية, لتكون منارةً يقتدى بها, ليس على صعيد أميركا اللاتينية فحسب, يل على صعيد آسيا وأفريقيا. لقد حقق هذا الثائر الأممي, المكانة التي يستحقها على صدر التاريخ, كان نبضه, ألقه ووهجه.
ظل كاسترو رمزاً في ذروة الحرب الباردة, ولم يرفع راية الاستسلام بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية, وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم الذي أصبح عالم القطب الواحد, وواصل ورفاقه, مجابهة محاولات التأثير عليه, والزعم بأن زمن الاشتراكية قد ولّى, وان لا مستقبل لها, وان المجاعة ستفتكُ بكوبا, فلم يُسرِع للارتماء في أحضان الإمبريالية, والاعتذار عمّا فعله، لكن كوبا بقيادة كاسترو واصلت بكل الكبرياء, تجربتها, بل اسهمت في “تثوير” الحديقة الخلفية لواشنطن, وسرّعت في استلام اليسار السلطة في معظم “جمهوريات الموز” السابقة (كما تطلق عليها واشنطن!) وبطرق ديمقراطية, تستلهم التجربة الكوبية في الصمود والتحدي.
كان كاسترو صديقا لمصر ولعبدالناصر, واجتمع به في فندق متواضع في حيّ هارلم في نييورك, وقد جاءا إليها لحضور دورة الجمعية العامة للأم المتحدة عام 1960. ظل كاسترو يستلهم صمود مصر وعبدالناصر أثناء العدوان على السويس عام 1956. لقد عرف عبدالناصر أيضا تشي غيفارا واجتمع به مطولاً في القاهرة, وكان عبدالناصر من أشد المعجبين به. كاسترو.. وداعا.

إلى الأعلى