الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المجلس المركزي…الأولى قطع المفاوضات

المجلس المركزي…الأولى قطع المفاوضات

د. فايز رشيد

” كان الأولى بالمجلس المركزي الفلسطيني بعد تجربة واحدٍ وعشرين عاماً من التفاوض العقيم مع إسرائيل, أن يعلن انسحاب السلطة الفلسطينية نهائياً من المفاوضات،واشتراط جملة واحدة للعودة إليها تتمثل في العودة إلى المفاوضات بعد اعتراف إسرائيل بكافة الحقوق الوطنية الفلسطينية بموجب القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بهذا الشأن.”
ـــــــــــــــــــــــــــ

عقد المجلس المركزي الفلسطيني الدورة 26 لاجتماعاته في رام الله التي امتدت على مدى يومين 26-27 نيسان/إبريل الماضي. حول المفاوضات مع إسرائيل، أبقى المجلس المركزي الباب مفتوحاً على العودة إلى المفاوضات وفق شروط: إطلاق سراح الدفعة الرابعة والأخيرة من أسرى ما قبل اتفاقيات أوسلو، وقف الاستيطان, ومرجعية قرارات الشرعية الدولية. أكد المجلس في ختام دورته: أولوية إنجاز الاتفاق على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، بما فيها القدس وفق قرارات الأمم المتحدة كمقدمة لأي بحث لاحق في قضايا المفاوضات الأخرى, وبما فيها الأمن وصولاً إلى معاهدة سلام شاملة. من قبل حدد الرئيس أبو مازن شرطاً للعودة إلى المفاوضات يتمثل في: التركيز في الثلاثة أشهر الأولى منها على قبول إسرائيل ترسيم حدود الدولة الفلسطينية.
كان الأولى بالمجلس المركزي الفلسطيني بعد تجربة واحدٍ وعشرين عاماً من التفاوض العقيم مع إسرائيل, أن يعلن انسحاب السلطة الفلسطينية نهائياً من المفاوضات،واشتراط جملة واحدة للعودة إليها تتمثل في العودة إلى المفاوضات بعد اعتراف إسرائيل بكافة الحقوق الوطنية الفلسطينية بموجب القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بهذا الشأن. أي الحق في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة وتوقيع إسرائيل على هذا الاعتراف. من دون ذلك فلا فائدة مطلقاً لأية مفاوضات مع إسرائيل، التي تستغل التفاوض مع الفلسطينيين لأغراضها الخاصة ومنها إعلامية ليس إلامأساة اتفاقية أوسلو(إضافة إلى كل مآسيها الكثيرة) إنها أجلّت التفاوض حول الحقوق الفلسطينية الأساسية إلى ما سمي بـ”مفاوضات الوضع النهائي”. إسرائيل تفاوضت على قضايا فرعية غير أساسية على الرأس منها”أمنها, ورفضت ولاتزال البحث في قضايا الوضع النهائي.إسرائيل حتى اللحظة لم ترسّم حدود دولتها،فكيف تحدد حدود الدولة الفلسطينية؟. الاستراتيجية الإسرائيلية للتفاوض مع الفلسطينيين تقوم على الأسس التالية:
أولاً: إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية, وخير من عبّر عن هذه المسألة هو رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إسحق شامير, الذي صرّح: بأننا سنطيل المفاوضات مع الفلسطينيين عشرين عاماً. بالفعل امتدّت المفاوضات على مدى هذه الفترة دون أبداء أية تنازلات إسرائيلية, بل فرض اشتراطات على الفلسطينيين تتزايد يوماً بعد يوم, وإبداء الجانب الفلسطيني لإمكانية تقديم تنازلات لإسرائيل. وعلى سبيل المثال لا الحصر: استعداد السلطة بقبول مبدأ تبادل الأراضي, والاعتراف بإسرائيل وبحقها في إقامة دولتها في منطقة 1948, وتغيير وإلغاء بنود في الميثاق الوطني الفلسطيني تتعلق بالكفاح المسلح وبوجود تحرير فلسطين الكاملة التاريخية ( من النهر إلى البحر). من التنازلات أيضاً:وثيقة عبد ربه – بيلين في عام 2004 وبموجبها تتم عودة بضع مئات من الفلسطينيين إلى منطقة 48 لأهداف لم الشمل الإنسانية (وليس كحق وطني؟!), الاستعداد الفلسطيني لعدم إغراق إسرائيل بملايين اللاجئين ( وهذا ما ذكره عباس لـ300 طالب إسرائيلي اجتمع معهم في مقر المقاطعة منذ بضعة شهور) واستعداد أبو مازن لعدم العودة إلى بلده صفد, وهكذا دواليك.
ثانياً: التركيز في المفاوضات على الأمن الإسرائيلي, ولذلك كان التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل الذي وصفه عباس”بأنه مفيد وضروري حتى في ظل عدم تمديد التفاوض”. إسرائيل ركزت في هذا العنوان على المسائل التالية: التحكم في معابر الدولة الفلسطينية العتيدة بما يعينه ذلك من تحكم في حركة الداخلين والخارجين منها وإليها, وكذلك الحق في ملاحقة من تسميهم بـ”الإرهابيين” في الأراضي الفلسطينية حتى بعد إعلان الدولة, والتواجد الدائم في منطقة غور الأردن على حدوده مع الضفة الغربية. التحكم في سماء الدولة ومياهها الإقليمية وما تحت أرضها من ثروات ومياه.
ثالثاً: إقناع الجانب الفلسطيني بالتفاض في ظل الاستيطان. وفي ظل الاعتداء على الأماكن الدينية وبخاصة الأقصى, وفي ظل تهويد القدس وتوسيع المستوطنات في منطقتها. للأسف وقعت السلطة الفلسطينية في الفخ وقبلت مفاوضات التسعة أشهر(التي انتهت مدتها في 29 نيسان/إبريل الماضي) في ظل الاستيطان التي زادت حدته وتصاعدت ووصلت نسبته إلى 123% مقارنة بالعام الذي سبقه. هذه القضية ما كانت لتتم في حالة تصلب الموقف الفلسطيني ورفضه التفاوض في ظل الاستيطان.
رابعاً: تفجير المفاوضات من داخلها باختراع شروط تعجيزية ليس على الفلسطينيين فحسب وإنما على العرب أيضاً, من مثل: الاعتراف بـ” يهودية إسرائيل” والقبول الفلسطيني بحق إسرائيل في مطادرة (الإرهابيين) داخل أراضيها, وبقاء القوات العسكرية الإسرائيلية في غور الأردن. إسرائيل في المفاوضات مع الفلسطينيين تعمل بموجب قاعدة “نعم ولكن” أي أنها تتغنى “بالسلام” وبأهميته وحرصها على إرسائه مع الفلسطينيين لكنهم من وجهة نظرها يعطلون الوصول إلى” السلام” ذلك أنهم لا يريدون مراعاة متطلبات الأمن الإسرائيلي باعتباره (مقدساً) وعلى الفلسطينيين مراعاته؟! إنها لعبة إسرائيلية ممجوجة.
خامساً: توزيع الأدوار على أطراف الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحاكم, فهناك متشددين وهناك الأكثر تشدداً في الحكومة الإسرائيلية، فحول الحقوق الفلسطينية قد تبدو تسيبي ليفني وزيرة العدل ومسؤولة ملف التفاوض مع الفلسطينيين أليَنَ من غيرها من الوزارء في التجاوب مع بعض الحقوق والمطالب الفلسطينية, في الفترة التي يهدد فيها غلاة المتشددين في الحكومة بالخروج منها وفرط الائتلاف, مما يجعل الراعي الأميركي يضغط على الفلسطينيين والطلب منهم مراعاة وضع نتنياهو! أكثر من مرة حصل ذلك مع رابين وبيريز وإيهود أولمرت أثناء تسلم كلٍّ منهم لرئاسة الحكومة الإسرائيلية.
يتوجب القول: أنه دون إدراك حقيقة الاستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطينيين والعرب, فستظل السلطة الفلسطينية والمفاوض الفلسطيني يقعان في المطبات التكتيكية السياسية الإسرائيلية, بين الفينة والأخرى. كان الأولى بالمجلس المركزي الفلسطيني إصدار قرار للسلطة بقطع المفاوضات نهائياً مع إسرائيل ما لم تعترف وتوقع على قبولها بالحقوق الوطنية الفلسطينية في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة.

إلى الأعلى